نيويورك تايمز: لهذا السبب تحاول السعودية إحكام سيطرتها على “تويتر”

قالت صحيفة نيويورك تايمز: إن اتهام اثنين من العاملين السابقين في “تويتر” بالعمل لمصلحة السعودية، دليل على أن المملكة تحاول إحكام سيطرتها على المنصة الاجتماعية الأشهر لدى شعبها، ومؤشر على قوة موقع التغريدات القصيرة.

وأضافت الصحيفة في مقال نشره الكاتب بن هابارد مدير مكتب صحيفة نيويورك تايمز في بيروت: أن “السعودية ذات الثقافة المغلقة والمتحكم فيها بشكل كبير من قِبل حكومتها، تترك بعض النوافذ لمواطنيها للتعبير عن أنفسهم مع سيطرة كاملة على تلك النوافذ”. وتابع في السياق: “يعتبر تويتر أحد أهم هذه النوافذ حيث يلتقي السعوديون عليه للتناقش وتبادل الآراء، مع عدم إغفال وجود نوافذ تأييد لسياسات الحكومة السعودية”.

وذكر الكاتب: أن الملكية المطلقة في السعودية لم تقم بحظر موقع التواصل “تويتر”، ولكنها اتخذت عددا من التدابير لتشكيل المعلومات التي تظهر هناك ولإسكات أو إلقاء القبض على المعارضين الذين يستخدمونه لنشر الآراء النقدية.

وألقت إدانة وزارة العدل الأمريكية في 6 نوفمبر/تشرين الثاني، لاثنين من موظفي تويتر السابقين، الضوء على زاوية نادرة من التدابير الواسعة التي اتخذتها المملكة لتشكيل آراء مواطنيها عندما يتصفحون الإنترنت.

الشبكة الأقوى

لا توفر المملكة العربية السعودية أي مساحات عامة حيث يمكن للمواطنين التجمع لمناقشة الأخبار والسياسة، فوسائل الإعلام في المملكة مملوكة أو خاضعة لسيطرة الدولة، مما يحد من نطاق وجهات النظر التي يحملها المواطنون. لكن العديد من المواطنين السعوديين لديهم هواتف محمولة متعددة وشبكة إنترنت سريعة، الأمر الذي دفعهم لاستخدام موقع تويتر للتواصل مع العالم ومع زملائهم المواطنين..

الانتشار الواسع للمنصة الاجتماعية في السعودية، جعل المملكة، واحدة من أكبر المسيطرين على موقع تويتر عبر العالم. ووفقا لتقرير حديث: هناك 9.9 مليون مستخدم نشط على تويتر في المملكة العربية السعودية، وهو رابع أعلى معدل في العالم، بعد الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان.

ولكن من حيث النسبة المئوية للسكان الذين يستخدمون المنصة، فإن السعودية تعد في المرتبة الأولى، حيث أن 37 % من السكان يغردون هناك، مقارنة بـ 18 % في أمريكا. قد يبدو الأمر كما لو أن الجميع في السعودية يوجد على تويتر، رجال دين، مسلمون بارزون، صحفيون مشهورون، نجوم تلفزيون، وحتى الملك سلمان البالغ من العمر 83 عاما، الذي يتابعه 7.8 مليون شخص.

كان جمال خاشقجي، الكاتب السعودي المعارض الذي قُتل في قنصلية بلاده في إسطنبول العام الماضي، يتابعه 1.6 مليون شخص وقت وفاته، مما سمح له ببث آرائه حتى بعد أن جرى حظره من الحديث على وسائل الإعلام السعودية.

وهذا الحظر مكنه من فتح خط مباشر وساخن مع السعوديين يستطيع إيصال أفكاره إليهم دون رقابة، حيث عجزت المملكة عن السيطرة عليه، وربما ساهم ذلك في عمد المملكة لقتله في إسطنبول وتقطيع جثته. أهمية موقع تويتر في السعودية وانتشاره، جعل منه ساحة معركة رئيسية للحكومة التي تستخدمها لترويج سياسات المملكة، في حين يستخدمها مجموعة من المنشقين في الداخل والخارج لانتقاد السياسات والحملات الحكومية للإفراج عن المعتقلين السياسيين.

خيار الحجب

على عكس الحكومات الاستبدادية الأخرى في إيران أو الصين، على سبيل المثال، لم تمنع السعودية الوصول إلى تويتر، وربما تعتبره صمام ضغط مفيد وغير ضار نسبيا للمجتمع، وبدلا من ذلك، يقول النقاد والباحثون: إنها استثمرت في مجموعة من التقنيات للتأثير على ما يراه السعوديون عند استخدامهم للمنصة.

وتشمل هذه الأساليب التكتيكية الصعبة اعتقال أو محاكمة شخصيات بارزة على تويتر تنتقد الحكومة وتقلل من جهود المملكة، مثل الترويج للتغريدات الإيجابية والعمل على تهميش السلبية. وقال أليكسي أبراهامز، باحث في مختبر سيتيزن لاب في جامعة تورنتو: “لا يمكنهم حقا حجب هذه المواقع من جانب الخادم، لذا يتعين عليهم خوض هذه المساحة”. وتابع: “إذا ضخوا ما يكفي من الموارد، فربما تصبح وسائل التواصل الاجتماعي أكثر فائدة للنظام من المعارضة، لست متأكدا من أننا تجاوزنا هذه العتبة بعد، لكن لا يمكننا أن نكون بعيدين عن ذلك”.

لتشكيل بيئة موالية للحكومة على الإنترنت، يرى أبراهامز: أن الحكومة السعودية حشدت جيوشا من الحسابات لتعزيز المحتوى الموالي لها ومهاجمة الأصوات الناقدة. يمكن أن تكون هذه الحسابات تلقائية، تُعرف باسم bots، أو حسابات يديرها أشخاص يعملون لحساب الحكومة السعودية يستخدمون تويتر بطريقة منظمة، وفقا لما جاء في تحقيق نشرته صحيفة نيويورك تايمز العام الماضي.

من خلال العمل معا، يمكنهم الترويج للحسابات، على سبيل المثال، فإن الهاشتاجات التي تثني على قيادة المملكة وتخفف من وجود محادثات نقدية، يمكن أن تنجح بتشكيل رأي عام موال لسياسات الحكومة يقود آراء السعوديين في هذا الاتجاه.

تجنيد جواسيس

يستخدم المعارضون السعوديون، وكثير منهم في الخارج، تويتر لبث آرائهم لمواطنيهم داخل المملكة، ومن بين هؤلاء نشطاء حقوق الإنسان الذين يتتبعون الاعتقالات، والمعارضين مثل عمر عبد العزيز الذي يعيش في كندا وينشر مقاطع فيديو متكررة عن نفسه، ويعلق على الأحداث الجارية وينتقد السياسات السعودية.

وحاولت الحكومة السعودية إغلاق هذه الحسابات، حيث يقول عبد العزيز: إن إخوته في المملكة جرى احتجازهم للضغط عليه حتى لا يعارض سياسات الحكومة، وأن الأخيرة أرسلت مبعوثين إلى كندا لمحاولة إقناعه بالعودة إلى الوطن والعمل لحساب الدولة، إلا أنه رفض عروضهم المتكررة. وقد تابعت المملكة أيضا مسؤولي حسابات مجهولة، ويبدو أن هذا هو السبب وراء سعيها لتجنيد جواسيس داخل “تويتر”. كان علي الزبارة، أحد موظفي تويتر السابقين، والذي اتهم هذا الأسبوع بالعمل لمصحلة السعودية، مهندسا لديه حق الوصول إلى المعلومات الشخصية للمستخدمين.

والمتهم الآخر هو أحمد أبو عمو، الذي كان يمكنه رؤية عناوين البريد الإلكتروني للمستخدمين وأرقام هواتفهم، وهي معلومات حساسة يمكن أن تساعد الحكومة على كشف الأشخاص الذين يقفون وراء حسابات مجهولة. غادر كلا الرجلين تويتر في عام 2015، ولم يتم الكشف عن أي جهود أخرى من قبل المملكة للتسلل إلى شركات التواصل الاجتماعي.

لكن، أثار مقتل خاشقجي، وهو كاتب عمود في واشنطن بوست ينتقد قيادة المملكة، الانتباه الدولي إلى الجهود السعودية لإسكات المعارضين. واختتم الكاتب مقاله بالقول: “يبدو أن المملكة لا تزال تبذل جهودا قوية على الإنترنت لترسيخ وجودها عبر تعزيز الموالاة وتقليل المعارضة والانتقاد المتواصل لسياساتها”.

4,834 total views, 9 views today