يوم لا أنساه

 

بقلم: محمد عبدالقدوس

شاعرنا الكبير فاروق جويدة من أشهر الشعراء على مستوى الوطن العربي كله ، وكاتب في الأهرام وله جمهوره الكبير الذي يتابعه يوميا، ويتميز بأنه شاعر شامل بمعنى أنه يكتب قصيدة في الغزل بذات الجمال التي يكتب به الشعر الوطني أو الديني، وله أسلوب ساحر في الإلقاء ، والجمهور يعشق الاستماع إليه وهو يلقي قصائده، أو يتحدث في القضايا العامة ، وعندما سألته عن يوم لا ينساه في حياته أختار أيام الصبا والشباب، وكيف واجه الناس لأول مرة ، وبدأ حديثه قائلا :

بلدتي الأصلية تقع في محافظة البحيرة ، نشأت وترعرعت في قرية تحمل اسم أسرتنا.. “عزبة جويدة”، والدي كان عالما أزهريا اسمه الشيخ “محمد جويدة”، وكان إمام مسجد قريتنا، ويتميز بصوته الجميل في قراءة القرآن ، وهو زميل الشيخ “الحصري” أشهر من قرأ القرآن الكريم في مصر المحروسة!

وأذكر في مرة أن طلب مني والدي أن أخطب الجمعة، وكان عمري صغيرا لا يتجاوز خمسة عشر سنة! وحتى يزيل الرهبة عني، فقد أعد لي الخطبة في ورقة قمت بقراءتها من على المنبر، ودون مشاكل! وتكرر ذات الأمر من جديد بعدها بأسبوعين ، ومر الأمر على خير!! لكن في المرة الثالثة وقعت مفاجأة غير متوقعة ، طلب مني أبي أن أخطب مرتجلا هذه المرة، ودون القراءة من ورقة، وشعرت بخوف شديد من هذه الخطبة التي تنتظرني! وتوكلت على الله، وأعددت الموضوع في ذهني، لكن عندما صعدت على المنبر، لم أتذكر شيء ، ضاع كل الكلام الذي كنت قد حفظته لهذه المناسبة!.. ظللت خمس دقائق واقف دون حراك، والناس تنتظر مني أن أتحدث ، وأنا كالتمثال أصم وأبكم! ولا أنسى نظرات أبي المصوبة تجاهي، يختلط فيها الاشفاق بالتشجيع والرجاء أن أتحدث.

وأخيرا خرج لساني من محبسه! وتم فك القيد عنه!! وساعدني الله في ذلك ، فانطلقت قائلا :”الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله”. ثم استطردت في شرح حديث نبوي كريم أحببته على الدوام :”عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، وأعمل ما شئت فإنك مجزي عنه”.. وختمت خطبتي قائلا :”الحياة رحلة سوف نحاسب عليها بما قدمنا”. وكان هذا اليوم بداية انطلاقي بين الناس.

ويرتبط بهذا الموقف يوم آخر من حياتي حدث بعد ذلك بسنوات وأنا طالب بالسنة الأولى قسم صحافة بآداب القاهرة، وكان ذلك سنة 1964..طلب مني الدكتور “محمد مندور” من أشهر أساتذة الصحافة في بلاد النيل بحثا عن جمال الدين الأفغاني الزعيم الإسلامي الثوري المعروف ، وقمت بالمطلوب مني بالفعل، وقدمت البحث مرتجلا لمدة ساعة كاملة ، بعدها قال أستاذي : “أشهدكم أنني أعطيت “فاروق جويدة” الدرجة النهائية في أعمال السنة”.

واقفز ثلاث سنوات لأصل معكم إلى السنة النهائية أو الليسانس وأنا جالس في مدرج 78 الشهير بكلية الآداب عندما أقترب مني أستاذي الدكتور خليل صابات وطلبني في مكتبه، وفاجئني بالقول: “تشتغل في الأهرام “! وكانت مفاجأة جميلة ، فقلت له على الفور : وهل هناك من يرفض ذلك ؟ ورغم أنني كنت الأول على دفعتي، الا أنني رفضت أن أكون معيدا وأسلك طريق التدريس بالجامعة ، وأخترت عالم الصحافة، وفي الأهرام تعرفت على عمالقة الفكر والأدب والصحافة ، كنت بالفعل محظوظا، وبعد حرب تحرير سيناء سنة 1973، بدأت رحلتي مع الأدب ، وأصدرت ديواني الأول تحت عنوان :”أوراق من حديقة أكتوبر”، وكتب لي المقدمة عملاق الأدب الراحل توفيق الحكيم ، وكانت جديدة من نوعها في شكل رسالتين متبادلتين بيني وبينه، ولقيت من التوفيق والنجاح ما أحمد الله عليه كثيرا.

7,394 total views, 9 views today