بعد الهجوم الإعلامي الأخير..ما سر انقلاب السيسي على شيخ الأزهر؟

لا يزال المصريون يستذكرون مشهد يوم الانقلاب العسكري، الذي قاده عبد الفتاح السيسي عندما كان وزيراً للدفاع، على الرئيس الراحل محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في تاريخ البلاد، وذلك صيف عام 2013. وتجمع حول السيسي في تلك الليلة شخصيات مصرية مدنية وعسكرية، لكن بدا بارزاً حضور رأسي الأزهر والكنيسة، وهنا يدور الحديث حول الشيخ أحمد الطيب والبابا تواضروس الثاني.

وأجمع مراقبون في تلك الليلة على أن السيسي حظي بمباركة الأزهر والكنيسة في وأد التجربة الديمقراطية الوليدة في البلاد، وهو ما أكدته الوقائع؛ حين غض شيخ الأزهر الطرف بشكل ما عن الدماء التي سالت في شوارع مصر، كان أبرزها مجزرتي فض رابعة العدوية والنهضة، منتصف أغسطس 2013، فضلاً عما تبعها من حملات شرسة لقمع المعارضين وتكميم الأفواه وفرض الرأي الواحد.

وبعد نجاح الانقلاب العسكري واكتماله بوصول السيسي إلى سدة الحكم، في يونيو 2014، أظهر الرجل العسكري وجهه الحقيقي، وفرض حقيقة أن كل القيادات في مختلف مؤسسات الدولة يجب أن تدور في فلكه بشكل تام، وإلا فإن مصيرها سيكون إما العزل أو تقليم الأظافر، وصولاً إلى الزج بها خلف قضبان السجون.

والمتابع للشأن المصري يُدرك أن العلاقة بين السيسي وشيخ الأزهر  بدت متناغمة ومتجانسة في حالات كثيرة، رغم الخلافات التي ظهرت على السطح بين حين وآخر، وتناقلتها وسائل إعلام محلية. وتدور الخلافات بين الجانبين حول مسائل فقهية وفتاوى شرعية، بعيداً عن الأداء السياسي والمسائل التي أثارت غضب المصريين والعرب في كل مكان، على غرار التفريط بجزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، والمشاركة في تمرير “صفقة القرن” على حساب الحقوق التاريخية للفلسطينيين وقضيتهم العادلة.

كما لم ينبس الأزهر ببنت شفة حول التهجير الممنهج الذي يقوم به الجيش المصري لأهالي سيناء وعمليات القتل التي تجري بعيداً عن الصحافة وعدسات المصورين، علاوة على تصاعد العلاقات بين القاهرة و”تل أبيب” منذ وصول السيسي إلى قمة السلطة. ورغم ذلك عمِل نظام السيسي “القمعي”، وفق شهادات لمؤسسات حقوقية دولية، على التضييق وممارسة الاضطهاد ضد أكبر مؤسسة دينية مصرية وإسلامية، بسبب بعض الخلافات مع توجهات النظام وأفكاره. وفي أكثر من مناسبة، أظهر “الطيب” معارضته للسيسي علناً وفي حضوره، وهو ما جعله في دائرة الاستهداف الإعلامي، حتى نطق شيخ الأزهر، السبت 30 نوفمبر 2019، كاشفاً عن تعرُّضه لاضطهاد غير مسبوق، ومنعه من نشر أي مواد صحفية أو تلفزيونية.

خلافات بين حين وآخر

موقف شيخ الأزهر من فض اعتصام رابعة في أغسطس 2013، الذي ارتكبت خلاله مجازر ضد الإنسانية، وقُتل مئات من المتظاهرين المناصرين للرئيس الراحل مرسي، وفق إفادات دولية، لم يكن بالشكل المطلوب الذي قدر الحدث الأليم، الذي يُوصف بأنه “الأقسى في تاريخ مصر الحديث”. وبعد فض الاعتصام وإنهاء المهمة، خرج “الطيب” بكلمة بثها التلفزيون المصري التابع للدولة، شدد فيه على حرمة الدماء، ورفضه إقحام الأزهر في الصراع السياسي، واستخدام العنف بديلاً عن الحلول السلمية، في مشهد اعتبره مراقبون بأنه محاولة لمسك العصا من المنتصف دون اتهام طرف بعينه.

وتصدَّى الأزهر بقيادة “الطيب”، في بعض الأحيان، لدعوات السيسي “الغريبة” إلى تجديد الخطاب الديني، وتحميله المؤسسة الدينية الأكبر في البلاد مسؤولية مواجهة ما سمّاه التطرف والطائفية، وهو ما رفضه شيخ الأزهر، من خلال تأكيده الثوابت الإسلامية، ورفضه المساس بها. وبرز الخلاف بين الأزهر والنظام المصري بصورة علنية عندما أفصح السيسي عن ضيق صدره بعدم انصياع الأزهر الرسمي لرغباته المتعلقة بـ”تجديد الخطاب الديني”، مخاطباً إياه، في 24 يناير 2017، بقوله: “تعبتني يا فضيلة الإمام”، وذلك رداً على موقف “الطيب” الرافض للطلاق الشفهي.

وطالب السيسي حينها الأزهر بتغيير قانون الطلاق، خاصة مع تزايده بمصر، في حين رفضه شيخ الأزهر. وخلافاً لمقترح السيسي خلصت هيئة كبار العلماء بالأزهر، في بيان، حينها، إلى صحة “وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانه وشروطه، من دون اشتراط إشهاد أو توثيق”.

وعقب الرفض الأزهري برز في أغلب التقارير الصحفية المحلية والغربية عنوان رئيس مفاده: “الأزهر يعارض الرئاسة”، وذلك للمرة الثانية بعد رفض المؤسسة الدينية الموافقة على خطبة الجمعة المكتوبة، التي تبنتها وزارة الأوقاف المصرية، وتراجعت عنها لاحقاً. وفي ذكرى الاحتفال بالمولد النبوي أواخر نوفمبر 2018، ظهرت مبارزة كلامية بين السيسي و”الطيب”.

وخلال خطابه انتقد “الطيب” مَن يُشكّكون في صحة الحديث النبوي الشريف؛ نظراً إلى أنه يُشكل أساس الشريعة الإسلامية في جزء كبير منها. وقال “الطيب”: “في حين يتقدَّم القرآن على الحديث، فإن الأحكام ذات الطابع القانوني الواضح في القرآن أقل بكثير، وأحياناً أكثر عمومية في طبيعتها بالمقارنة مع الحديث”.

ويبدو أن حديث شيخ الأزهر لم يرُق للسيسي إذ تحدَّث بشكل غاضب وارتجالي، قائلاً: “الإشكالية بعالمنا الإسلامي حالياً ليست في اتباع السُّنة النبوية من عدمه، لكن المشكلة هي القراءة المخطئة لأصول ديننا”. وأضاف السيسي حينها مخالفاً لحديث “الطيب”: “مَن أساء إلى الإسلام أكثر: الدعوة إلى ترك السُّنة النبوية أم الفهم المخطئ؟”.

آخر فصول الخلافات وقع في 7 نوفمبر 2019، خلال الاحتفال بالمولد النبوي، وكانت حول أيهما أخطر على الدول والمجتمعات: “الظلم أم الإرهاب”. وخلال كلمته حذَّر شيخ الأزهر من خطورة الظلم وتداعياته على المجتمع، قائلاً: “النبي -صلى الله عليه وسلم- حذَّر من الظلم في خطبة الوادع ثلاث مرات؛ لأثره التدميري على الأفراد والأسر والدول والمجتمعات، وحذَّر منه القرآن الكريم في 190 آية، كما حذَّر النبي منه في سبعين حديثاً من أحاديثه الشريفة”.

بدوره أوضح أن “عزيمته من حديد في مواجهة الإرهاب الذي ينشر الخراب والدمار”، متابعاً: “لن تتقدم الأمم بهذه الطريقة، والإرهاب لن ينتهِي إلا بتكوين قناعة ومناعة ضد الفكر المتطرف”.

هجوم إعلامي

خروج الطيب عن النص أحياناً، ودفاعه عن بعض الفتاوى الشرعية في أحيانٍ أخرى، دفع السيسي عبر الأذرع والوسائل الإعلامية المحسوبة على الدولة، لمهاجمة الرجل والإساءة إليه، إذ تصدرت صورته مجلة “روز اليوسف” الحكومية أواخر نوفمبر 2018، تحت عنوان “الفقيه الذي عذَّبنا.. وهذه معاركك الحقيقية يا فضيلة الإمام”.كذلك، شن وزير الثقافة الأسبق جابر عصفور، في مقال بصحيفة “الأهرام” الحكومية، هجوماً على شيخ الأزهر، بسبب مخالفته لتوجهات السيسي ومحاولة الأخير تجديد الخطاب الديني، حتى ولو على حساب الثوابت المسلم بها.

كذلك كشف “الطيب” عن تعرُّض الأزهر لاضطهاد وحصار إعلامي غير مسبوق من قِبل القنوات والصحف اليومية الصادرة في البلاد، التي تسيطر على غالبيتها الدولة، وعدم السماح لهم بنشر أي مقال، أو إجراء أي مقابلة تلفزيونية بسهولة. وقال “الطيب”، خلال لقاء مسجَّل بثته القناة الأولى، السبت (30 نوفمبر): “إننا لو أردنا أن نردَّ بمقال على مقال يشتم الأزهر لا يُسمح لهذا المقال بالنشر إلا بعد عناء شديد، ولا يرى النور”.

وأضاف: “إذا أردنا أن يخرج في القناة طرف ثان ليتحدث فبصعوبة شديدة، وكثيراً ما يُرفض، كانت هناك حملة على الأزهر الشريف وهذه الحملة لا تصبُّ -والله- إلا في فلسفة داعش ونظام داعش وحرب داعش”.

الباز لـ"شيخ الأزهر": "90 دقيقة مفتوح أمامكم لأي حديث"

الباز لـ"شيخ الأزهر": "#90_دقيقة مفتوح أمامكم لأي حديث"

Geplaatst door ‎90 دقيقة مع محمد الباز‎ op Zaterdag 30 november 2019

بعد حديث شيخ الأزهر الأخير شن الإعلامي المصري المقرب من جهاز المخابرات العامة، محمد الباز، هجوماً لاذعاً على “الطيب”، متهماً إياه بنشر أحاديث غير دقيقة ومزعجة. وينص الدستور على أن الأزهر هيئة مستقلة تتمتع بشخصية اعتبارية، ويظل شيخ الأزهر في منصبه حتى سن الثمانين، ثم يعود من جديد لشغل مقعده في هيئة كبار العلماء، ويُنتخب شيخ جديد من أعضاء الهيئة، ولا يحق لرئيس البلاد عزله أو تغييره كما كان يحدث سابقاً.

1,626 total views, 45 views today