سجون السيسي: بين الزيف .. والانتهاكات الصارخة!

بقلم/ د. جمال نصار

في مشهد مسرحي كوميدي من نوع جديد أراد نظام السيسي تحسين صورته الملطخة بالانتهاكات الصارخة في حقوق الإنسان، وخصوصًا في السجون المصرية التي يئن نزلاؤها من إهدار كرامتهم، والقمع المستمر، وتضييع أبسط حقوقهم التي تقرُّها لائحة السجون.

فكان مشهد الشواء الذي نشرته الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، وهي الجهة الحكومية المسؤولة عن التعامل مع الإعلام الأجنبي في البلاد، عبر فيديو جديد يروّج للسجون في مصر ضمن حملة لتحسين صورتها، بعد تقرير للأمم المتحدة الذي انتقد واقع هذه السجون، وقبل إلقاء مصر لكلمتها في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة في 13 من تشرين الثاني/نوفمبر 2019. ويظهر الفيديو الذي بثته الهيئة العامة للاستعلامات، السجون وكأنها منتجعات سياحية وفنادق خمس نجوم، حيث حفلات الشواء، والملاعب والمرافق الترفيهية والصحية، عوضًا عن ولائم الطعام التي تحفل بكل ما لذّ وطاب!

وقد فتحت السلطات المصرية أبواب مجمع سجون طرة الشهير في القاهرة، لبعض الصحفيين والإعلاميين، في واقعة نادرة لتصحيح الانتقادات المتواصلة ضد الحكومة بشأن انتهاكات حقوقية في السجون، ردًا على تقرير نُشر وأعدّه خبراء متعاونون مع الأمم المتحدة حول وفاة الرئيس محمد مرسي في 17حزيران/يونيو 2019 أثناء جلسة محاكمته، واعتبروا أنّ ما حصل يمكن أن يرقى إلى “اغتيال تعسفي بموافقة الدولة”.

ارتفاع عدد السجون في عهد السيسي

تشهد أعداد السجون في مصر في الآونة الأخيرة ارتفاعًا غير مسبوق، في ظل حالة القمع التي يمارسها نظام السيسي ضد المعارضين ومنتقدي سياساته، حيث ارتفع عدد السجون التي تم إنشاؤها في عهده إلى 26 سجنًا من أصل 68 سجنًا في عموم البلاد. وعلاوة على هذه السجون، فهناك 382 مقر احتجاز داخل أقسام ومراكز الشرطة في مختلف المحافظات، إضافة إلى السجون السرية في المعسكرات، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن المنظمة المصرية لحقوق الإنسان.

ومن أهم السجون التي أُنشئت في عهد السيسي سجن الصالحية العمومي الذي خصصت له محافظة الشرقية مساحة عشرة أفدنة عام 2014، وسجن 15 مايو المركزي بالقاهرة الذي افتتح منتصف 2015 على مساحة 105 آلاف متر مربع. وشملت قائمة السجون الجديدة سجن ليمان شديد الحراسة بمحافظة الدقهلية على مساحة 42 ألف متر، وسجن دمياط المركزي، وسجن مركزي تابع لقسم ثاني بنها، وسجن العبور، وسجن طرة (2) شديد الحراسة بمجمع سجون طرة، وليمان المنيا، وسجن عمومي المنيا شديد الحراسة.

كما ضمت القائمة سجن الجيزة المركزي، ويقع على طريق مصر إسكندرية الصحراوي في مدينة 6 أكتوبر، وسجن النهضة في منطقة السلام، شرقي القاهرة، ويتكون من طابقين على مساحة 12 ألف متر مربع، إضافة إلى السجن المركزي في مبنى قسم شرطة الخصوص في مديرية أمن القليوبية، وسجن منطقة الخانكة.

وتأتي سياسة التوسع في السجون الجديدة، بالتزامن مع حملة استنزاف لموارد البلاد المالية وإهدارها في مشروعات وصفها الكثيرون بغير المجدية، مثل العاصمة الإدارية الجديدة، وتفريعة قناة السويس، مقارنة بمشاريع أكثر أهمية كمشاريع الصحة والتعليم وإنشاء المصانع والتوسع الزراعي، وتأهيل البنية التحتية التي تحتاجها المناطق الأقل تنمية.

وبدلًا من أن يهتم السيسي ببناء المدارس والجامعات والمستشفيات والمساكن التي تهم عامة المصريين، وترفع من مستواهم التعليمي والصحي والمعيشي، يهتم ببناء السجون للشعب المصري، والقصور له ولزوجته والمقربين منه! وبات النظام المصري معروفًا بممارساته القمعية، وهو ما وضح في التوصيات التي قدمتها 130 دولة خلال الاستعراض الدولي لملف حقوق الإنسان في جنيف.

انتهاك حقوق الإنسان في سجون السيسي

الأصل أن كل من يخالف السيسي في سياساته أنه متهم، والتهمة الجاهزة والمعلبة الانتماء لجماعة إرهابية أو الترويج لأفكارها، ومن ثمَّ يتم اعتقال وتلفيق التهم لكل من يعترض على السيسي بأي طريقة أو أسلوب، حتى وصل عدد المعتقلين والملفقة لهم تهم أكثر من 60 ألف مواطن مصري ومصرية من أعمار مختلفة، ولم يتم استثناء الأطفال، والنساء، وذوي الأمراض، وكبار السن.

وتُصنّف السجون المصرية، طبقًا لتقارير منظمات حقوق الإنسان، على أنها من أسوأ السجون المصرية في العالم بسبب أوضاع الاحتجاز اللاإنسانية والمعاملة اللاآدمية من قبل مسؤولي السجن الذين يداومون على امتهان كرامة المعتقلين وإذلالهم، وإذلال ذويهم فيما يندرج تحت الاستخدام السيء للسلطة، ومما يزيد تلك الأوضاع سوءًا هو انعدام الرقابة الإدارية والقانونية والذاتية بسبب فساد المنظومة الإدارية والأخلاقية التي ينتمي لها منتسبي وزارة الداخلية ومشرفي السجون.

وتزداد الانتهاكات داخل السجون المصرية ضد قيادات جماعة الإخوان المسلمين، ويُحرمون من كل حقوقهم الطبيعية كمسجونين، ناهيكم عن تلفيق القضايا لهم ولذويهم، لدرجة أنه يوجد العديد من أفراد الأسرة الواحدة داخل السجن، ولا يُستثنى من ذلك النساء، والفتيات، والطلاب، وكبار السن.

وقد أكّد تلك الانتهاكات أحد أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان الصحفي الأستاذ محمد عبد القدوس بقوله بأن: العديد من السجناء السياسيين ينام داخل الزنزانة على الأسفلت ودون مرتبة ولا غطاء، والكثير منهم في الحبس الانفرادي، والزنزانة مغلقة عليهم ليل نهار، وممنوعون من صلاة الجمعة، وأقصى مدة لخروج كل هؤلاء من محبسهم ساعة واحدة على الأكثر، وبقية اليوم 23 ساعة داخل الزنازين، وحتى هذه الساعة اليتيمة يحرم منها العديد من السجناء.

والعلاج أي كلام والظروف الصحية بالغة السوء مما أدى إلى إصابة العديد منهم بأمراض مختلفة، وزيارات الأهالي ممنوعة تمامًا في سجون العقرب وملحق المزرعة بطرة، وكذلك في العديد من القضايا السياسية، والعديد من اللقاءات الأخرى تتم عبر التليفون! يعني ممنوع اللقاء المباشر بين السجين وأهله، وفي كل الزيارات التي يسمح بها تتم وسط حضور من المباحث، ويكتب المخبر كل كلمة تقال. والطعام شيء سيء جدًا، وممنوع تلقِي أي أطعمة من الخارج، و”الكانتين” مغلق في العديد من السجون، فلا يجوز تلقي طعام غير وجبة السجن السيئة، والتي لا تمت بصلة إلى الكباب والكفتة، التي تم الترويج لها أثناء زيارة الوفد الإعلامي لسجون طرة.

والعديد من سجناء الرأي يذهبون إلى زنزانة التأديب لأتفه الأسباب، وحدِّث ولا حرج عن سوء أحوال هذه الزنازين، والتي لا تعرف منها الليل من النهار، ولا فارق في كل ما ذكرته بين الرجل والمرأة، وسجن القناطر المخصص للنساء فيها كل البلاوي السالفة الذكر، والجدير بالذكر أنه يضم العديد من الشخصيات النسائية البارزة، ويأتي على رأسهم المحامية المقتدرة هدى عبد المنعم، وعائشة خيرت الشاطر، التي تعاني من أمراض عديدة، وإهمال متعمد، والسيدة علا يوسف القرضاوي، وزوجة المناضل مجدي حسين، وإسراء عبد الفتاح، ورضوى محمد التي تم تلفيق تهم مضحكة لها أخيرًا، وغيرهن كثيرات. كل هذا يحدث في سجون السيسي، بالإضافة إلى الإهمال الطبي الذي أودى بحياة 600 مسجون منذ أيلول/سبتمبر 2013 حتى الآن، والادعاء بعد ذلك، كذبًا وزورًا، بأن السجون فيها خدمات فائقة!

حالات الاختفاء القسري والانتهاكات خارج القانون

كشفت منظمات حقوقية عديدة، أن عدد ضحايا الإخفاء القسري في مصر خلال الـ 6 سنوات الماضية منذ الانقلاب العسكري في 3 تموز/يوليو 2013 قد تجاوز 6000 حالة، ولاتزال أكثر من 100 حالة رهن الاختفاء القسري لعدة سنوات، و56 مواطنًا تعرضوا للاختفاء القسري، ثم تم قتلهم خارج نطاق القانون. وأغلب المختفين من الشباب، ومن تيارات سياسية مختلفة، والعديد من الفتيات التي لا يتجاوز أعمارهن العشرينيات، وفي حالات قتل المختفين قسريًا، يوجد شهود على أنه تم القبض عليهم من منازلهم، ومن كمائن أمنية، قبل الوقائع المذكورة في بيانات وزارة الداخلية التي تزعم قتلهم في تبادل لإطلاق النار، بحسب وسائل إعلام محلية.

ويستخدم نظام السيسي هذا الأسلوب القذر مع بعض الرموز الإعلامية التي تفضح ممارساته، وتكشف زيفه، من أجل محاولاته الفاشلة للضغط عليهم وإسكاتهم، حيث تم إلقاء القبض على علاء زوبع، وإخفائه قسريًا، أخو الدكتور حمزة زوبع الذي يُقدم برنامج “مع زوبع” على قناة مكملين، والقبض على الدكتور عمرو أبو خليل وترويع أسرته ووالدته، وتلفيق التهم إليه، أخو الإعلامي هيثم أبو خليل الذي يُقدم برنامج “حقنا كلنا” على قناة الشرق.

ولم يكتف السيسي بذلك بل ألقى القبض على بعض أقارب وعائلة الإعلامي تامر جمال الذي يُقدم العديد من البرامج بشخصية عطوة كنانة والجوكر المصري، وقد سبق ترويع عائلة الإعلامي معتز مطر وإلقاء القبض على أخيه، وكذلك الإعلامي محمد ناصر. كل هذه الممارسات التي يمارسها السيسي ضد مخالفيه، من اعتقال وقتل وإخفاء قسري، ستكون عاقبتها وخيمة عليه، وعلى كل من يعاونه في الداخل المصري وخارجه، وسيأتي اليوم الذي سيتم القصاص العادل لكل المظلومين عاجلًا أو آجلًا، (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

202,369 total views, 15 views today