ميناء السخنة وقناة السويس.. نماذج أخرى لفساد الإمارات في مصر

10 أعوام مرت على تولي شركة “موانئ دبي” إدارة ميناء العين السخنة، الميناء المصري الرئيسي لاستقبال الشحنات القادمة من الشرق الأقصى، وأحد أكبر الموانئ المصرية، إذ تمتلك الشركة الإماراتية 90% من أسهم شركة تطوير الميناء، بمقابل 670 مليون دولار، ومن ضمن بنود الاتفاق أن تصل الطاقة الاستيعابية لميناء العين السخنة لـ2 مليون حاوية سنويًا، كما كان من المقرر رفع حجم الاستثمار في الميناء ليتجاوز 5 مليارات دولار بعام 2015.. فهل حققت الشركة الإماراتية ما وعدت به؟

في البداية من الضروري الإشارة إلى أن الموقع الجغرافي لميناء العين السخنة، وهو أحد الأفرع الاقتصادية لقناة السويس، يعد من أهم وأفضل المواقع في العالم، حيث يمر من خلاله تقريبًا كل سفن الشحن المنتقلة من الشرق إلى الغرب والعكس، كما كان من المفترض وكما يتوقع الخبراء أن يكون الميناء جاذبًا للاستثمار، لكن على الجانب الآخر، يضر الميناء كثيرًا بموانئ أخرى، على رأسها ميناء جبل علي بالامارات.

في 2008 نقلت ملكية شركة تطوير ميناء السخنة لـ «موانئ دبي العالمية»، مع احتفاظ أسامة الشريف بمنصبه رئيسًا للميناء، وفي 2009 العام الفعلي لتنفيذ التعاقد، أعلنت الشركة الاماراتية عن خطتها لتطوير ميناء السخنة، حيث أعلنت عن نيتها ضخ استثمارات ضخمة، وإيصال الطاقة الاستيعابية للميناء لحوالي مليوني حاوية سنويًا بدلًا من متوسط 550 ألف حاوية، كما وعدت بتوفير 2700 فرصة عمل إضافية للمصريين بالميناء وعدم الاستغناء عن أي منهم.

لكن على أرض الواقع، شيئًا من هذا لم يحدث، بل كانت الصفقة ضارة للميناء أكثر من نفعه، وكشفت  السنوات اللاحقة عن الأهداف الخفية لشركة “موانئ دبي العالمية” للسيطرة على ميناء السخنة وعدد من الموانئ الأخرى التي تتقاطع مصالحها مع ميناء جبل علي.

بعد تولي موانئ دبي إدارة ميناء السخنة انخفضت طاقة الميناء من 570 ألف في 2010، العام الأعلى لتداول الحاويات في ميناء السخنة، لتصل إلى متوسط 510 ألف حاوية في الأعوام التالية، وحتى الآن لم تصل حجم استثمارات موانئ دبي إلى مليار دولار، رغم وعودها وبنود التعاقد التي تقول إن حجم استثماراتها سيتجاوز خمسة مليارات دولار عام 2015، ولم تصل إلى 2 مليون حاوية التي وعدت بها، ووقعت التعاقد على أساسها. فحتى الأن لم يتحقق شيء بعد مرور حوالي 10 سنوات على عقد إدارة موانئ دبي العالمية لميناء العين السخنة على البحر الأحمر.

وبناءًا على الاتفاق كان ينبغي على الإدارة  بناء أربعة أحواض، هذه الالتزامات انتقلت للعقد الجديد بطبيعة الحال، لكن وإلى الآن لم تنشئ دبي العالمية أي منها، كل ذلك ساهم بشكل مباشر في جعل ميناء السخنة غير مصنف دوليًا وخارج قائمة أفضل مئة ميناء بالعالم، بعد أن كان من التوقع أن يكون الميناء أحد أبرز 10 موانئ في العالم نظرًا لموقعه الاستراتيجي.

على مدار سنوات إدارة موانئ دبي، شهد الميناء عدد من الاضرابات العمالية احتجاجًا على فصل العمال تارة وعلى المرتبات المنخفضة تارة أخرى، وكانت أبرزها في فبراير 2013، حيث أضرب العمال وقررت الإدارة توقف الميناء، وهو ما أزعج رئاسة الجمهورية في ذلك التوقيت، حيث تسبب القرار الفردي من إدارة موانئ دبي في خسائر بلغت 15 مليون جنية يوميًا من ايرادات الميناء.

كما ساهمت إدارة موانئ دبي لميناء السخنة في إفشال صفقة مع ميناء “شنغداو” الصيني لإنشاء محطة حاويات جديدة في ميناء السخنة في إطارة مشروع طريق الحرير الصيني، وانتقلت الصفقة برمتها إلى الإمارات، ووقعت شركات صينية عددا من الاتفاقيات لتنفيذ مشروعات عملاقة في الإمارات العربية المتحدة، بديلا عن مشروعات السوق المصرية، بعد أن كانت الموانئ الخليجية مستبعدة تمامًا من مشروع طريق الحرير الجديد.

في هذا الصدد يرى الكاتب الصحفي  محمود التهامي المتخصص في شؤون النقل والموانئ أن انسحاب إدارة “شنغداو” من مشروع تطوير ميناء السخنة الذي تديره شركة موانئ دبي العالمية، يؤكد أن مصر باتت ساحة للمجاملات، كما أهدر على مصر إدخال 2 مليار دولار سنويًا لخزينة الدولة، عوضًا عن توقف طاقة ميناء السخنة الفعلية عند 600 ألف حاوية سنويا، والتخلف عن تكملة بناء باقي الأرصفة التي كان مخططا لها عام 2011، وفقدان مصر لحصة كبيرة من حاويات المنطقة اختطفتها موانئ دولية لم تكن موجودة قبل 2011.

وسبق للمهندس الاستشاري للدكتور ممدوح حمزة في عام 2011، حيث كان يعمل استشاري بمشروع ميناء العين السخنة، أن قال أن هناك فساد في مشروع العين السخنة حيث تم تخصيص أراض مصرية لشركات أجنبية بالمخالفة للقانون، مطالبًا بإسترداد إدارة ميناء العين السخنة من شركة موانئ دبي العالمية، موضحًا أن ميناء السخنة يعمل بدون جمارك حكومية ويخضع لجمارك خاصة تمتلكها الشركة الاماراتية، كما دعا إلى ملاحقة شركة موانئ دبي قانونياً بسبب الخسائر التي سببتها لمصر.

“موانئ دبي” تستولي لتهمش

 على غرار ميناء العين السخنة وميناء سفاجا الذي استحوذت عليه موانئ دبي وجمدت تطويره..فإن  عقودا أخرى من موانئ دبي للاستيلاء على ميناء عدن وجيبوتي أوضحت أن السبب الرئيسي فيها هو توسع ميناء “جبل علي” على حساب أي ميناء من الممكن أن ينافسه في يوم من الأيام، وبعقود تمتد لأكثر من 30 عامًا.

في ذات العام الذي استولت فيه شركة موانئ دبي على ميناء السخنة أبرمت عقدًا آخر مع اليمن لتشغيل ميناء عدن، وهو يعد من أكبر الموانئ الطبيعية في العالم وخط أساسي للملاحة الدولية، والمنافس الرئيسي والمباشر لميناء جبل علي، إلا أن استيلاء الشركة الاماراتية عليه، أدخلت الميناء في حلقة خسائر خلال السنوات الماضية وفق التقارير اليمنية، ولم تنفذ موانئ دبي أي من بنود العقد المبرم مع السلطات اليمنية، ألغى العقد في 2012 لكن سرعان ما عادت الامارات للسيطرة عليه مرة أخرى مستغلة “عاصفة الحزم” ودخول قواتها الأراضي اليمنية.

استمرت الشركة الإماراتية في خطتها التوسعية، وفي عام 2016 تسلمت رسميًا إدارة ميناء بربرا في الصومال والمطل هو الآخر على خليج عدن، وشرحت أن الاستثمار، يشمل بناء رصيف ميناء بطول 400 متر، وتوسعة ساحة الحاويات لتمتد على مساحة 250 ألف متر مربع، إلى جانب تطوير منطقة حرة تهدف إلى تأسيس مركز تجاري إقليمي، وإلى الآن لم يحدث أي تطور ملحوظ في ميناء بربرا.

بعد استحواذ دام لـ12 عام استعادت جيبوتي في فبراير 2018 ميناء “دورالية” من شركة موانئ دبي، واتهمت الشركة الاماراتية بتهميش استخدام الميناء بشكل متعمّد لمصلحة محطات حاويات إقليمية أخرى، بما في ذلك ميناء بربرا في الصومال التي تديرها أيضاً موانئ دبي، وترى حكومة جيبوتي أنه من الناحية العملية، تم تشغيل محطة دوراليه، باتفاق بين المساهمين، لخدمة هدف وحيد هو تحقيق مصلحة موانئ دبي العالمية وقتل التنافسية، ولا يزال الخلاف بين جيبوتي والإمارات في أروقة المحاكم إلى الآن.

السيسي يبيع السويس للإمارات

بالرغم من فشل موانئ دبي في إدارة ميناء السخنة، وظهور عدة شبهات تؤكد تعمد تهميش الميناء المصري لصالح ميناء جبل علي، إلا أن العلاقات المصرية الاماراتية تزداد توسعًا خاصة في المجال الاقتصادي، حيث أعلنت الحكومة المصرية عن تفاوضها مع شركة موانئ دبي لإنشاء شركة مشتركة لتطوير وتنمية ما يقرب من 45 كيلومترًا مربعًا في المنطقة الصناعية بالعين السخنة، وتكون الشركة مملوكة بنسبة 51% لهيئة قناة السويس وبنسبة 49% لشركة موانئ دبي وتهدف الشركاة إلى جذب المستثمرين والشركات.

المشروع المعلن هو ذات المشروع الذي عارضته الامارات إيان حكم الرئيس الراحل دكتور محمد مرسي، والذي ساهم بشكل رئيس في دعم الامارات لعبدالفتاح السيسي للقيام بالانقلاب في يوليو 2013، لأن المشروع إذا تم تنفيذه بشكل جيد وكما هو مخطط له كان سيتسبب في إفلاس ميناء جبل علي، أحد أهم روافد اقتصاد دبي، وهو مشروع قريب لأحد مشاريع مبارك الذي أثنته الامارات عن تدشينه مقابل منافع شخصية لعائلته

لذا يرى خبراء أن استيلاء الإمارات على جزء كبير من محور قناة السويس هو سلسلة أخرى من تجميد التطوير وإفشال المشروع مقابل بقاء ميناء جبل علي الوحيد الذي يقدم خدمة مميزة للسفن المارة من الشرق للغرب والعكس، كما يروا أن موافقة عبدالفتاح السيسي على إعطاء الامارات 45 كيلومترًا مربعًا دونًا عن أي شركة أخرى هو بمثابة رد الجميل للإمارات لدعمه للوصول للحكم.

من جهته اعتبر وائل قدورة، عضو سابق في مجلس إدارة هيئة قناة السويس، أن هناك تعارض مصالح بين ميناء السخنة وميناء جبل علي، لكون ميناء جبل علي منافسًا مباشرًا للمنطقة الاقتصادية للقناة.. ونجاح منطقة القناة يعد خصمًا مباشرًا من نجاحه، لذلك لا يستقيم اختيار تلك الشركة، خاصة وأن الصفقة برُمتها لم تتضمن منافسة، بل جرى الاختيار بالأمر المباشر.

وأوضح قدورة أن منطقة جبل علي في دبي متخصصة في تقديم خدمات لوجستية وصناعية مرتبطة بالتجارة البحرية، وهي نفس الخدمات التي يفترض أن تقدّمها المنطقة الاقتصادية للقناة بعد تطويرها، مضيفًا أن مرور السفن على منطقة جبل علي في الوضع الحالي يمثل انحرافًا بعض الشيء عن طريقها المستقيم من الشرق إلى الغرب الذي يمر عبر قناة السويس، وهو ما يكلفها في المتوسط يومًا إضافيًا في رحلتها، فإذا كانت السفن ستمر في كل الأحوال عبر قناة السويس فسيصبح من المثالي بالنسبة لها أن توفر لها منطقة القناة نفسها الخدمات التي تحتاج إليها، بحيث لا تحتاج للمرور بميناء آخر للحصول على الخدمات.

في النهاية يبدو أن مصير محور قناة السويس سيكون مماثلاً لمصير ميناء العين السخنة، استيلاء بنية التطوير ثم تهميش المنطقة ثم تجميد تطويرها ثم تراجع دورها الاستراتيجي، والتأخر لسنين طويلة مقابل تطور سريع وهائل في موانئ جديده تابعة للامارات.

 

2,313 total views, 12 views today