لماذا خلت قائمة اليوم العالمي للمدن لـ”عام 2019″ من أي مدينة مصرية؟

الفن انعكاس لواقع الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لذلك لم يكن مفاجأة خلو قائمة اليونسكو في اليوم العالمي للمدن لعام 2019، من اسم أي مدينة مصرية. وسبق لمصر الفوز بمثل هذه الجوائز من قبل، فما حققته مدينة أسوان بإدراجها في القائمة كمدينة للفنون والحرف في عام 2005 كان أمرا متوقعا، كما فازت القاهرة كمدينة للفنون والحرف أيضا في عام 2017، لكن ماذا حدث كي تخرج مصر من مضمار هذا السباق الأممي؟.

في بيان اليونسكو بمناسبة اليوم العالمي للمدن، الذي يوافق 31 أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام، أعلنت أودري أزولاي المدير العام للمنظمة أسماء 66 مدينة ضمن قائمة الإبداع لعام 2019، قائلة: “تحرص المدن المُبدعة في أنحاء العالم، على جعل الثقافة ركيزة إستراتيجية، وهو ما يشجع الابتكار السياسي والاجتماعي، ويمثل أهمية خاصة للشباب”. وتتنافس المدن المبدعة حول العالم في 7 مجالات، هي: الأدب، الحرف والفنون الشعبية، التصميم، السينما، الطهو، الفنون الإعلامية، والموسيقى، وقد انطلقت المسابقة في عام 2004.

مدن عربية

هذا العام ضمت قائمة المدن الفائزة 6 مدن عربية هي: رام الله (فلسطين) والصويرة (المغرب) في الموسيقى، بيروت (لبنان) والسليمانية (العراق) في الأدب، الشارقة (الإمارات) في الفنون والحرف، والمحرق (البحرين) في التصميم.

في معرض تفسيره لخلو قائمة المدن المبدعة من أية مدينة مصريه، يقول د. حسين دقيل، الباحث المتخصص في الآثار، في تدوينة له: “هذه المدن لم تُدرج في القائمة دون بذل جهود مضنية من قبل المسؤولين، فاختيار بيروت في مجال الأدب جاء إقرارا من اليونسكو بالمكانة الإبداعية لبيروت والتي صنعتها لعقود من الريادة في النشر والترجمة وإقامة معارض الكتب، ولاحتضانها الكتاب والأدباء العرب الذين انجذبوا نحوها لمناخها الفكري المنفتح وصحافتها الحرة التي افتقدتها الكثير من الدول العربية”. مستطردا: “أما في مصر، وبالرغم من أن حضارتنا ممتدة لآلاف السنين، فإن منظمة اليونسكو لم ترَ أن أي مدينة مصرية تتلاءم مع شروط قائمتها، فمصر – وفقا لليونسكو- لم تلتزم بالمعايير المطلوبة للإدراج على القائمة، والتي من أهمها أن تكون الثقافة والاهتمام بها وبمجالاتها المختلفة من صميم إستراتيجيات الدولة”.

مضيفا: “بالإضافة للالتزم بالمعايير المتعلقة بالإدماج والمواطنة العالمية وتعزيز التقدم الاقتصادي والاجتماعي وتحسين مستوى المعيشة وهي من أهم أهداف المنظمة التي تخلو منها مصر للأسف الشديد، ولذلك لم تجد لها مكانا بالقائمة”.

وكنموذج للمدن العربية المُبدعة، تأتي مدينة الشارقة التي فازت بالقائمة لأول مرة كمدينة للحرف والفنون الشعبية، بعد أن عملت بلا كلل للحفاظ على التراث من خلال إطلاق أول خط إنتاج يضم 78 قطعة فاخرة في 12 مجموعة حصرية، مع التركيز على ديكور المنزل، والأثاث، والمجوهرات، وزجاجات العطور، وحقائب اليد، وغيرها.

وتم إنشاء هذه العناصر بالتعاون مع صانعي الحرف من جميع أنحاء العالم، من باكستان إلى فلسطين، وجميعها مصنوعة يدويا من قبل حرفيات إماراتيات يعملن في برنامج بدوى للتنمية الاجتماعية في دبا الحصن بمدينة الشارقة. وكذلك بذلت بقية المدن العربية الست جهودا كبيرة لوضع اسمها لأول مرة على هذه القائمة الأممية الهامة. أما مصر فقد شهدت في السنوات الأخيرة فترة لم تشهد مثلها من قبل من غلق للمجال العام و مصادرة لأبسط حقوق الإنسان، ساهمت في تردي مكانتها في المنافسة العالمية.

ممنوع التصوير

دراسة هامة أصدرتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير، بعنوان: “لماذا لن نستطيع الإبداع في مصر؟” ترصد جانبا من المعوقات التي تحول بين الفن المصري والجوائز العالمية في هذه المرحلة. الدراسة تقول: “إذا أردت أن تقوم بتصوير مشاهد خارجية بالأماكن العامة لفيلم قصير أو سينمائي أو مجرد فيديو في مصر، فمن المتوقع أن تجد شرطيا يستوقفك ويقوم بالقبض عليك ومصادرة الكاميرا وتعريضك للحبس والغرامة، إذا لم يكن بحوزتك تصريح بالتصوير من وزارة الداخلية، وهو التصريح الذي يتطلب تقديم السيناريو للاطلاع عليه، لقبوله أو طلب تعديله أو رفضه”.

مضيفة: “ثم التوجه بقائمة بمواقع التصوير إلى مديرية الأمن التابعة لها، وتصريح من غرفة صناعة السينما بعد تقديم كشف للغرفة بأسماء المشاركين في العمل، ثم ما يفيد بموافقة نقابتي المهن السينمائية والتمثيلية على التصوير بعد تقديم كشف بأسماء المشاركين في العمل، ودفع غرامة لكل فرد في طاقم العمل غير مسجل في إحدى النقابتين، وتصريح بالتصوير من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية”. و”تستغرق هذه الإجراءات حوالي 20 يوما للحصول على تصريح صالح لمدة 20 يوما أخرى، وهو ما يضطر معظم من يقومون بالتصوير في الشارع للعمل دون الحصول عليه، فيصبحون عرضة لخطر الحبس، فالقيام بالتصوير بدون تصريح الآن يحمل نفس خطورة التظاهر بدون تصريح”، حسب الدراسة.

خنق الإبداع

وفق الدراسة: فإن الأجهزة الأمنية تأتي على رأس الجهات المسيطرة والمتحكمة بشكل رئيسي في إنتاج الفيديو والأفلام كنشاط إبداعي، “حيث تقوم باحتجاز وحبس وسجن المبدعين لمجرد التعبير عن أفكار مختلفة عن ما يروج له النظام، أو ممارسة النقد والسخرية لسياسات الدولة، لا سيما إذا ارتبط ذلك الإبداع الفني بالشارع، أو تم نشره على الإنترنت.

وهو بالضبط ما فعلته فرقة “أطفال شوارع”، وهي فرقة غنائية ساخرة كانت تقدم عروضها في أماكن عشوائية في الشارع،  من خلال طرح عدد من قضايا الاجتماعية والسياسية في قالب ساخر، ويقومون بعرضها من خلال فيديوهات قصيرة يصوروها بأنفسهم (سيلفي) وينشروها علي مواقع التواصل.

قدمت الفرقة مجموعة من العروض الساخرة، انتهت بفيديو (السعودية 7000 سنة حضارة) والذي يسخرون فيه من قضية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وفيديو(السيسي رئيسي)، وفيديو (عبيد البيادة)، قبل أن تقوم السلطات المصرية بالقبض عليهم. حسب الدراسة: “بعد ذلك يأتي جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، ونقابتي المهن التمثيلية والمهن السينمائية، ثم غرفة صناعة السينما، وهي المتحكم الرئيسي في توزيع الأفلام بسبب امتلاكها لكافة دور العرض”.

فمثلا عندما يصرح عبد الفتاح السيسي، أثناء افتتاح مشروع تحيا مصر في مايو/ آذار 2016 “بعدم رغبته في رؤية أفلام تعرض العشوائيات في مصر”، فمن الممكن أن يؤدي تصريحه هذا إلى مزيد من تعنت أجهزة الدولة والنقابة والغرفة مع هذا النوع من الأفلام. كذلك: في حالة تسفير فيلم للخارج، يستلزم تصريح السفر حضور مسؤول من جهاز الرقابة لمعاينة خام الفيلم للتأكد من عدم وجود ما (قد يضر بصورة مصر)، أما إذا كان الفيلم أجنبيا ويتم تصويره بمصر فيستلزم الأمر حضور مراقب من جهاز الرقابة للتصوير كاملا.

تجريم الموسيقى

أما بالنسبة للموسيقى، حسب الدراسة: فإن “نقابة المهن الموسيقية تُجرِّم من يقوم بممارسة الموسيقى بدون عضوية أو تصريح من النقابة، وتعرضه للحبس الذي يصل إلى 3 شهور والغرامة التي تصل إلى 20 ألف جنيه، فإذا كنت تقوم بتأليف مقطوعات موسيقية، أو العزف، أو تأليف كلمات أغاني، أو تقوم بالغناء، فلن يمكنك نشر تلك الأغاني والمقاطع، ولن يمكنك نسخها، أو التعاقد مع فنان آخر للعمل عليها، أو حتى أدائها بشكل مباشر أو إذاعتها في مكان عام بدون التعامل مع جهاز الرقابة على المصنفات الفنية أولا.

وتضيف الدراسة: “إذا أردت أن تقوم بعرض أغنيتك في مكان ما، يجب أن يكون هذا المكان حاصلا على تصريح من وزارة الثقافة، ويجب لتأدية مقطع موسيقى أو نسخه أو نشره أن تكون أنت حاصلا على تصريح من جهاز الرقابة على المصنفات الفنية أولا ونقابة الموسيقيين ثانيا، وإلا تكون مهددا بالحبس 3 شهور وفقا للقوانين المُنظِمة للنقابات الفنية”. “وقد يقوم عضو بمجلس النقابة بالقبض عليك بنفسه، ذلك إلى جانب كونك مهددا بالحبس سنتين، طبقا للقانون، وذلك لممارستك عمل فني سمعي، بدون الحصول على تصريح من وزارة الثقافة متمثلة في جهاز الرقابة على المصنفات الفنية”، وفق الدراسة.

“الفن ميدان”

“وتتحكم الأجهزة الأمنية في الإبداع الموسيقي بشكلين، أولهما إلغاء الفعاليات الفنية، وثانيهما العمل مع نقابة الموسيقيين على إلغاء الحفلات والقبض على الموسيقيين الغير مرخص لهم من النقابة. ويعتبر مهرجان “الفن ميدان” الذي انطلق في فبراير/ شباط 2011 احتفالا بالثورة، وتم دعمه من وزارة الثقافة في أكتوبر/ تشرين الأول من نفس العام، من أهم وأبرز الفعاليات الفنية التي قامت الأجهزة الأمنية بمنعها في عهد السيسي، استنادا إلى “قانون التظاهر”.

كما تقوم الأجهزة الأمنية باحتجاز الموسيقيين والقبض عليهم، بدون التعامل مع جهات أخرى حيث صدر في أبريل/ نيسان 2016 أمر بضبط وإحضار المطرب محمد عبدالعال الشهير بـ (مادو) بعد إطلاقه أغنية “تراب الأوطان”، عن تيران وصنافير، وطُورد حمزة نمرة حتى فر من البلاد.

الحرف اليدوية

رغم مما تحققه الحرف اليدوية المصرية من مردود ثقافى واقتصادى متوارث، يعكس ثقافة وتاريخ الشعب المصري ويمثل عامل جذب للسياح، فإنها تشهد تراجعا بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام، حتى أصبحت مشكلة الحرفيين الأساسية خلال الفترة الحالية هى المادة الخام وخصوصا الأخشاب.

ويتجلى هذا بوضوح في فن الأرابيسك، فبعد سنوات طويلة تربع فيها هذا الفن على عرش الصناعات والحرف المصرية الأصيلة، وفرض نفسه كواحد من أرقى الفنون التي تسابق عليها غير المصريين لاحترافها، وكانت مصدر جذب للسائحين من مختلف دول العالم، باتت اليوم تبحث عن منقذ لها.

فرغم التاريخ الطويل لفن الأرابيسك والشهرة الفائقة التي حققها على مدار عقود طويلة مضت إلا أنه خلال السنوات الأخيرة يعاني من شبح الانقراض، إذ بدأ يعاني من إهمال وتجاهل شديدين، على المستوى الرسمي والشعبي، الأمر الذي يهدد واحدة من أكثر الحرف المصرية تاريخا.

وقد تعززت تلك المخاوف مع زيادة الضرائب المفرطة على الخامات، ودخول الآلة في مراحل التصنيع، لتفقد المنتج مذاقه اليدوي الخاص، الذي يجعل كل قطعة متفردة بذاتها، تعكس ذوق وفن الصانع، لتتحول القطع إلى قوالب متكررة، ليس بها أي نوع من أنواع الإبداع والابتكار المتفرد.

28,336 total views, 553 views today