بعد تفاقم أزمة سد النهضة..هل تلجأ مصر إلى الحرب لحماية أمنها المائي؟

إذا اتخذت إثيوپيا أي فعل ضد حقنا في مياه النيل، فلن يكون أمامنا بديل عن استخدام القوة، التلاعب بحق أمة في الماء هو تلاعب بحقها في الحياة، والقرار بالذهاب للحرب من أجل ذلك لن يكون موضع جدل في المجتمع الدولي. هكذا كان رد فعل الرئيس الراحل محمد أنور السادات على إثيوبيا إذا أقدمت على بناء سد النهضة والمساس بحصة مصر في مياه النيل، فهل نشهد موقف مماثل من رأس النظام عبد الفتاح السيسي في الأيام القادمة لردع الجانب الإثيوبي؟ 

فقد تصاعدت الأزمة المصرية الإثيوبية بشأن سد النهضة بشكل دراماتيكي، بعد أن فشل نظام السيسي في تمرير اتفاقيات تحفظ حقوق الشعب المصري في المياه، وبروز احتمالات دخول مصر في فقر مائي، أصبحت فرضيات تطور الصراع نحو الأسوأ تفرض نفسها.

تاريخ صراع وادي النيل ليس وليد اللحظة، بل في سنوات غابرة، سيرت الدولة المصرية حملات عسكرية إلى الحبشة، واندلع قتال مستعر على ضفاف النهر العتيق، مازال ذكره قائما في تراث البلدين. ومع التصريحات المتحفزة التي أطلقها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن الاستعداد للقتال، والدفاع عن مشروعهم القومي، عادت التكهنات إلى فكرة الحرب المحتملة، وجاءت المقارنات حول القوة العسكرية للدولتين.

ظهرت مصر كقوة عسكرية كبرى في إفريقيا مع تأسيس الدولة الحديثة على يد محمد علي باشا الذي بدأ حكمه لمصر عام 1805، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر اتجه خديوي مصر إسماعيل لإقامة إمبراطورية كبرى في القارة السمراء، تسيطر على القرن الإفريقي ومنابع النيل، لذلك عمل على إقامة جيش مصري كبير، على رأسه بعض القادة الأوربيين، وكان الصدام مع الإثيوبيين حتميا، فكانت معركتا “غوندت” و”غورا”.

ثم توجهت قوة مصرية مكونة من 1200 جندي في ديسمبر/كانون أول 1874، من ميناء كسلا بقيادة الضابط السويسري “مونزينغر واحتلت “كيلين”، لكن الجيش المصري انسحب وخلف حامية وراءه تحت ذريعة حماية بعثة كاثوليكية كانت موجودة في المنطقة منذ أكثر من 40 عاما دون حماية.

وفي أكتوبر/ تشرين أول 1875 احتلت قوة مصرية أخرى بقيادة الكولونيل الدنماركي “سورن آريندوب” منطقة “غيندا”، وأرسل مبعوثا إلى يوحنا السادس ملك إثيوبيا، يطالبه بترسيم الحدود، واعتبر الملك الإثيوبي الرسالة بمثابة تهديد فسجن الرسول، وفي 23 أكتوبر/تشرين أول أعلن يوحنا السادس الحرب على مصر.

جاء ذلك في وقت وردت فيه الأنباء للجانب الإثيوبي بأن المصريين يعززون قواتهم داخل الأراضي الإثيوبية بنحو 2000 جندي قدموا بقيادة “مونزينغر باشا” من كسلا فنصب لها الأثيوبيون كمينا بالقرب من العدوة حيث لقي مونزينغر وكل القوة التي كان يقودها تقريبا حتفهم على يد قبائل الدناكل، وذلك في 7 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1875.

وفي 14 نوفمبر/تشرين الثاني هوجمت قوات الكولونيل “آريندوب في غوندت”، وكانت القوات المصرية تتكون من 2500 جندي بقيادة ضباط أوروبيين وأمريكيين وفوجئوا باستخدام القوات الإثيوبية للبنادق ولقي آريندوب حتفه في هذه المعركة وكان ذلك مصير ضباطه أيضا ومنهم أراكل نوبار ابن شقيق رئيس وزراء مصر حينئذ نوبار باشا. وبحلول يوم 16 نوفمبر/تشرين ثاني كانت المعركة قد انتهت، ولم ينج منها سوى عدد قليل.

معركة فاصلة

هي معركة فاصلة وقعت أثناء حملة الحبشة، وبدأت في الفترة من 7 إلى 9 مارس/ آذار 1876، بعد هزيمة الكولونيل “آريندوب في غوندت”، أرسل الجيش المصري حملة أكبر قوامها 20 ألف جندي إلى إثيوبيا، بقيادة محمد راتب باشا والجنرال الأمريكي وليام لورينغ، حيث تقدم المصريون إلى غورا وأقاموا حامية هناك. وفي 5 و 6 نوفمبر/تشرين الثاني شن الجيش الإثيوبي، وكان قوامه 200 ألف مقاتل، هجوما على القوات المصرية. وكانت القوات الإثيوبية المهاجمة مسلحة بالبنادق ومدفع واحد.

وكان راتب باشا يريد المبادرة بمهاجمة الإثيوبيين غير أن الجنرال لورينغ فضل التحصن في المعسكر الذي كان محاطا بتلال اعتلتها القوات الإثيوبية التي فتحت نيرانها على من في المعسكر المصري. وحاول أحد القادة وهو إسماعيل باشا كامل إعادة تجميع الجيش دون جدوى. وفي 8 و9 مارس/ آذار 1877 هاجمت القوات الإثيوبية غورا، وفي 10 مارس/آذار قاد رشيد باشا وعثمان بك نجيب هجوما مضادا ضد الإثيوبيين الذين صدوه وأنزلوا بالقوات المهاجمة خسائر فادحة واستولوا على الكثير من المعدات.

وفي 12 مارس/آذار 1877 وصل القنصل الفرنسي في مصوع السودانية، “مسيو سارزاك” إلى ساحة المعركة، حيث اصطحب الجرحى المصريين عائدا إلى مصوع. ومازال الإثيوبيون يحتفظون بمدفعين حصلوا عليهما من القوات المصرية حينئذ في مدينة أكسوم. ذلك الماضي الذي حمل صراعات، واقتتال بين الجانبين، يبدو أنه لم ينته بعد، بل ترك حساسية لدى الشعبين، تجددت حيثياته مع قرب الانتهاء من إنشاء سد النهضة الأثيوبي.

تلويح بالحرب

في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، لوح رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد، بورقة الحرب عندما قال: “إذا كانت هناك ضرورة للحرب فنستطيع حشد الملايين، وإذا كان البعض يستطيع إطلاق صاروخ، فالآخرون قد يستخدمون القنابل، لكن هذا ليس في مصلحتنا جميعا”.

وأكد رئيس الوزراء، الذي فاز بجائزة نوبل للسلام، أن “الحروب لن تفيد أي طرف، لا مصر ولا السودان ولا إثيوبيا، وقال إن السد سيُستكمل بطريقة لن تضر دول حوض النيل، نافيا وجود أي رغبة لدى بلاده في الإضرار بالمصريين”.  وشدد آبي أحمد: “يقول البعض أمورا عن استخدام القوة (من قبل مصر)، ينبغي التأكيد على أنه ما من قوة تستطيع منع إثيوبيا من بناء السد”.

من جانبها قالت وزارة الخارجية المصرية: إنها تتابع “بقلق بالغ وأسف شديد التصريحات التي نقلت إعلاميا ومنسوبة لرئيس الوزراء آبي أحمد، معربة عن صدمتها وقلقها البالغ”.  حيث رأت أن التصريحات “تضمنت إشارات سلبية وتلميحات غير مقبولة اتصالا بكيفية التعامل مع ملف سد النهضة، الأمر الذي تستغربه مصر باعتبار أنه لم يكن من الملائم الخوض في أطروحات تنطوي على تناول لخيارات عسكرية”.

وفي مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، انهارت المحادثات بين مصر وإثيوبيا بشأن مشروع سد النهضة، الذي تقدر قيمته بخمسة مليارات دولار، وهو الأكبر من نوعه في إفريقيا، واكتمل 70% من إنشاءاته، في ظل التوقع بأزمة مائية كبرى سوف تضرب مصر، في حال ملء الخزان، حسب خبراء.  لقاء عبد الفتاح السيسي برئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، بمدينة سوتشي الروسية على هامش القمة الروسية الإفريقية، لم يسفر عن أي تطور يذكر.

اللقاء الذي شهد جدلية واسعة بسبب طريقة جلوس آبي أحمد، التي اعتبرت مهينة للسيسي، في ظل ضعف الموقف المصري بسبب وثيقة إعلان المبادىء، التي وقعها رئيس النظام المصري في مايو/ آيار 2015، وبموجبها أنجزت أديس أبابا شوطا واسعا في بناء السد.

مقارنة عسكرية

يظل خيار اشتعال حرب جامحة بين مصر وإثيوبيا مستبعد نسبيا، لعدة عوامل جيوسياسية واقتصادية، ولكن فكرة الصراع ذهبت إلى عقد مقارنات عسكرية بين الجيشين المصري والإثيوبي. حسب إحصاءات موقع “غلوبال فاير باور” العسكري، تتفوق القاهرة على أديس أبابا كما ونوعا من حيث العدد والعدة، حيث تتفوق مصر على مستوى القوى البرية، إذ تمتلك نحو 2160 دبابة فضلا عن 5735 مدرعة، و1000 قطعة برية.

وتمتلك أسطولا متنوعا من الدبابات، يضم 1360 دبابة أميركية من طراز M1A1، و500 دبابة سوفيتية من طراز T-62، كما طلبت مصر من روسيا نحو 500 دبابة من طراز T-90. وبالنسبة للمدرعات، تمتلك مصر نحو 1030 مدرعة هولندية-بلجيكية من طراز YPR-765، و200 مدرعة سوفيتية من طراز BMP-1، بجانب 2320 مدرعة أميركية من طراز M113.

أما إثيوبيا، فتمتلك نحو 300 دبابة سوفيتية من طراز T-72، و80 مدرعة سوفيتية من طراز BMP-1. و158 راجمة صواريخ روسية من طراز BM-21 Grad. ويبلغ عدد الجيش المصري سواء ضباطا أو جنودا في الخدمة أو الاحتياط نحو 920 ألفا، فيما يبلغ عدد الجيش الإثيوبي نحو 140 ألف عنصر فقط، بحسب موقع “غلوبال فاير باور”.

القوة الجوية

تمتلك مصر أسطولا جويا من المقاتلات والمروحيات الحربية يصل تعداده إلى 1092 قطعة، فيما يبلغ أسطول إثيوبيا الجوي نحو 82 قطعة. ويضم الأسطول المصري طائرات حديثة نسبيا، إذ يضم نحو 218 مقاتلة من طراز F-16 الأميركية، و24 مقاتلة من طراز رافال الفرنسية، و75 مقاتلة من طراز ميراج 5، و15 من مقاتلة من طراز ميراج 2000.

كما يمتلك الجيش المصري أسطولا كبيرا من المروحيات، فلديه نحو 62 مروحية روسية من طراز Mil Mi-17، و46 مروحية من طراز أباتشي الأميركية، و89 مروحية من طراز غازيل الفرنسية، و19 طائرة من طراز شينوك الأميركية. أما إثيوبيا، فلديها أسطول قديم وقليل، إذ يصل عدد القطع الجوية سواء مروحيات أو  مقاتلات أو نقل إلى 82 طائرة.

ويتكون أسطول المقاتلات الإثيوبي من 48 مقاتلات ميغ 21 السوفيتية، و10 من مقاتلات ميغ 23 السوفيتية، و39 من طراز سوخوي 25 السوفيتية، بجانب 14 من طراز سوخوي 27 الروسية. أما على مستوى المروحيات، فتمتلك إثيوبيا 37 مروحية من طراز Mil Mi-8 الروسية، و18 مروحية من طراز Mil Mi-24 الروسية، و16 طائرة من طراز إس إيه 316 الفرنسية.

تعتبر البحرية المصرية هي الأكبر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتمتلك مصر نحو 319 قطعة بحرية عسكرية، فيما لا تمتلك إثيوبيا أي قطعة بحرية عسكرية ثقيلة، باستثناء قوارب وسفن صغيرة الحجم، وذلك لأنها دولة غير ساحلية لا تطل على بحار أو محيطات. وتمتلك مصر نحو 10 غواصات ألمانية من طراز “Type 209″، وحاملتي طائرات مروحية فرنسية من طراز “ميسترال”، وفرقاطة فرنسية من طراز “FREMM”، و4 فرقاطات أميركية من طراز “أوليفر هازارد بيري”، بالإضافة إلى 4 فرقاطات فرنسية من طراز “غوويند”.

دفاعات إسرائيلية 

تمتلك مصر ترسانة متنوعة من الدفاعات الجوية، مثل نظام S-300 الروسي، ونظام IRIS الألماني، وصواريخ فولغا وباك السوفيتية، ونظام MIM-23 هوك الأمريكي. أما إثيوبيا فتستخدم أنظمة ومعدات قديمة مثل نظام HQ-64 الصيني، ونظام SA-3 Goa السوفيتي، وأفادت تقارير، حصول إثيوبيا على أنظمة “سبايدر” الإسرائيلية للدفاع الجوي لتحصين سد النهضة ضد أي هجمات.

وحسب مجلة “ميليتري ووتش” الأمريكية المتخصصة في الأبحاث العسكرية، فإن “سبايدر” الإسرائيلي، هو النظام الوحيد المعروف بإمكانية إطلاق نوعين مختلفين من الصواريخ في آن واحد.

صواريخ بايثون بمدى يبلغ 5 كيلومترات، وصواريخ ديربي بمدى يصل إلى 50 كيلومترًا، الصاروخان في الأصل جو – جو، لكن تم تعديلهما ليصبحا أرض – جو. صاروخ بايثون تايفون ذاته يمتلك توجيهًا خاصًا بالأشعة تحت الحمراء، وأرشيف صور مُخزن في ذاكرته لعدد ضخم من الأهداف التي يجب عليه إصابتها. فكلا الصاروخين يجد أهدافه بنفسه ويظل متتبعًا لها حتى يصيبها.

عملية سرية

مع ذكر الدفاعات العسكرية الإثيوبية القائمة، نسترجع أن الدولة الإفريقية الصاعدة لم يكن لديها هذا القدر من الإمكانيات قبل ذلك، ففي عام 2012، نشر مركز ستراتفور للدراسات الأمنية، رسائل إلكترونية تعود إلى عام 2010، والتي ذكرت تفاصيل محادثة بين رئيس المخابرات العامة المصرية حينها عمر سليمان، وبين رئيس الجمهورية آنذاك محمد حسني مبارك.

وتضمن محتوى الرسائل تفاصيل خطة مصر العسكرية بالتعاون مع السودان لحماية حصة الدولتين في مياه نهر النيل، وفيها ذكر لموافقة الرئيس السوداني السابق عمر البشير على طلب مصر ببناء قاعدة عسكرية في منطقة كوستي جنوب السودان لاستيعاب قوات مصرية خاصة “قد ترسل إلى إثيوبيا لتدمير مرافق المياه على النيل الأزرق”، بحسب نص الرسالة. وفي رسالة أخرى بعثها سليمان لمبارك، قال فيها: “الدولة الوحيدة التي لا تتعاون هي إثيوبيا، نحن مستمرون في الحديث معهم باستخدام النهج الدبلوماسي، نعم نحن نناقش التعاون العسكري مع السودان”.

وأردف سليمان في الرسالة قائلا “إذا تحول الأمر إلى أزمة، سنرسل طائرة لقصف السد وتعود في نفس اليوم، هكذا ببساطة، أو يمكننا أن نرسل قوات خاصة لتخريب السد”. ولفت سليمان إلى عملية عسكرية مصرية سابقة بقوله، “مصر قد نفذت عملية في عام 1976، عندما حاولت إثيوبيا بناء سد ضخم. لقد فجرنا المعدات التي كانت في طريقها إلى إثيوبيا بحريا”.

10,958 total views, 28 views today