كيف سيؤثر المسار الجديد لنهر النيل على مصر؟

“البلد الذى يفيض فيه النيل هو مصر فكل من يشرب من النيل فى مجراه التحتانى بعد جزيرة إلفنتين (تقع بمدينة أسوان جنوبي البلاد) فهو مصري”، هكذا نقش المصريون القدماء على جدران المعابد في حضاراتهم القديمة.

وعندما عثر على وثائق قديمة لنصوص أدبية فرعونية، وجدوا فيها ترنيمة تتغنى بالنيل: “إنه غذاء مصر وطعامها ومؤونتها، إنه يسمح لكل امرىء أن يحيا، الوفرة على طريقه، والغذاء على أصابعه، وعندما يعود يفرح البشر، كل البشر”.

لكن للأسف، ومع تولي العسكر حكم مصر تبدل الحال، ووصل الإخفاق ذروته في عهد قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي، الذي أثبت فشلا ذريعا في إدارة ملف سد النهضة الإثيوبي بتوقيعه على اتفاقية “وثيقة إعلان مبادئ سد النهضة” مع إثيوبيا والسودان في 23 مارس/آذار 2015، بما يهدد أكثر من 100 مليون مصري بالعطش، إضافة إلى أزمات غذاء وطاقة متوقعة، قد تتفاقم مستقبلا.

في خضم ذلك سعت إسرائيل، التي عملت منذ سنوات طويلة على تعزيز علاقاتها الإفريقية خاصة في أديس أبابا، للحصول على حصة من مياه النيل، والضغط على مصر من خلال دولة المنبع (إثيوبيا)، وإنشاء سد النهضة، ومن خلال امتلاك شركات متعددة الجنسيات، متخصصة في إدارة الموارد المائية، التي تخطط لتمرير النيل إلى إسرائيل.

أنفاق سرية 

في 18 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري كشف الفنان ورجل الأعمال محمد علي عن الخطة بقوله: “النظام المصري قام بتشييد أنفاق سرية تحت قناة السويس، بغرض منح المياه لطرف أجنبي (إسرائيل)، في وقت يواجه فيه الشعب خطر شح المياه وجفاف نهر النيل، بسبب مشروع سد النهضة الإثيوبي”.

وفي تصريحاته لموقع ميدل إيست آي، تسائل علي: “إذا كانت المياه ذاهبة إلى سيناء، فلماذا لم يشرعوا في إنشاء محطات لمعالجة المياه؟. هذا يعني أن المياه ليست ذاهبة لسيناء، إنها ذاهبة لمكان آخر”. وأكد محمد على أن: “بعض معارفه من المهندسين الذين عملوا في تشييد هذه الأنفاق، أخبروه بأمر هذا المشروع الذي تكلّف مليارات الدولارات”.  وفي 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 أثار حديث السيسي عن وجود خطة لمنع مياه النيل عن أجزاء من مصر التساؤلات حول دلالات ذلك، وهل يعني أن مصر سلمت بالأمر الواقع بالنسبة لملف سد النهضة؟ وأنها بدأت بتنفيذ خيارات قد تكون مكلفة وصعبة على المصريين.

السيسي قال: “الدولة انتهت من خطة لقطع مياه النيل عن الساحل الشمالي والبحر الأحمر، والاعتماد على تحلية المياه بهذه المناطق في العام 2020، تكلفة المعالجة والتحلية ستصل إلى 300 مليار جنيه”. حديث السيسي جاء متزامنا مع الإعلان عن مفاوضات مصرية مع شركة “طرور” المجرية، وشركة “مينوما” الإسبانية، لإقامة 6 محطات تحلية مياه بقيمة 780 مليون دولار من 3  إلى 5 سنوات.

ترعة السلام 

بعد 40 عاما من توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل التي أُنشئت بعدها ترعة السلام بهدف توصيل مياه النيل إلى القدس، أعلنت السلطات المصرية فجأة عن توصيل المياه إلى شمال سيناء، في ظل العلاقات الحالية بين مصر وإسرائيل، والتي تعتبر الأوثق تاريخيا.

في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، أعلن اللواء محمد عبد الفضيل محافظ شمال سيناء نقل مياه نهر النيل لمدن بالمحافظة للمرة الأولى، قائلا: “توصيل مياه النيل للمدينة عبر ترعة السلام يأتي في إطار خطة الدولة لتحقيق التنمية المستدامة والمشروع القومي لتنمية سيناء”.

بيان المحافظ أثار المخاوف وأكد الشكوك، ووفق مراقبين، فإن خطوة توصيل المياه لشمال سيناء ما هي إلا تمهيد لتوصيلها لإسرائيل، خضوعا لشروط غير معلنة مفادها أن توصيل إثيوبيا المياه لمصر رهن بوصولها في النهاية لإسرائيل التي تدعم أديس أبابا بالمعدات والخبرات ومنظومة التسليح الدفاعية. في تسجيل مصور بثه على مواقع التواصل، تحدث البرلماني المصري أحمد طنطاوي عن هذه المخاوف مؤكدا سوء إدارة ملف النيل، ومطالبا بضرورة نهوض كافة مؤسسات الدولة بأدوارها قبل فوات الأوان.

مبادرات إسرائيلية 

المطامع الإسرائيلية في مياه نهر النيل، ليست وليدة اللحظة الآنية، بل هناك تاريخ من محاولات دولة الاحتلال، الحصول على حصة من النيل، حتى من قبل بداية الإعلان عن دولتهم، وجاءت المحاولات كالتالي:

المشروع المائي الذي قدمه تيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية، في عام 1903 إلى الحكومة البريطانية في فترة الحماية البريطانية على مصر يتم من خلاله نقل مياه النيل عبر قناة السويس إلى سيناء، ومنها إلى فلسطين، بحجة تنمية شمال سيناء، إلا أن هذه الدراسة لاقت احتجاجا بالغا من الحكومة المصرية، فضلا عن قلق بريطانيا من تقليص كمية المياه بما يؤثر على زراعة القطن، ومن ثَم تم إهمال مشروع هرتزل.

في سبتمبر/ آب 1978، خلال سير مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، تقدم النائب السابق لمدير هيئة المياه الإسرائيلية شاؤول أولوزورف، بمشروع إلى الرئيس الراحل أنور السادات، في إطار مشروعات مشتركة لتطوير مياه النيل، يهدف إلى نقل مياه النيل إلى إسرائيل من خلال شق 6 قنوات تحت قناة السويس، بحيث ينقل حوالي مليار متر مكعب لري صحراء النقب، منها 150 مليون متر مكعب لقطاع غزة.

الرئيس السادات في خطابه بمدينة حيفا أعلن عن نقل مياه النيل إلى صحراء النقب عبر قناة السلام، ووعد آنذاك بأن تصل القناة إلى القدس، وأرسل خطابا إلى مناحم بيجين نشرته مجلة أكتوبر “الناطقة باسم الحزب الديمقراطي الحاكم آنذاك” في عددها بتاريخ 16 يناير/كانون الثاني 1979 بعنوان “مشروع زمزم الجديد”.

طلب السادات من المختصين الشروع في عمل دراسة علمية كاملة لتوصيل مياه النيل إلى القدس، لكن بعد احتجاج الرأي العام الداخلي في مصر، تم التراجع عن الفكرة، وصرح رئيس الوزراء السابق مصطفى خليل أن تصريحات السادات لا تتجاوز إظهار النية الحسنة، وبالفعل فقد تم تجميد المشروع. في نوفمبر/ تشرين الثاني 1996، خلال حكم مبارك، وبعد افتتاحه للنفق الثالث تحت قناة السويس أُشيع أن الغرض منه إمداد قطاع غزة وإسرائيل بمياه النيل تحت الإشراف الفني للحكومة الإسرائيلية، وهو ما لم يستدل على مدى صحته في وقتها، لكن يبدو أن الوقت قد حان لتنفيذ الخطة القديمة.

بنك إثيوبيا

الدكتور محمد حافظ أستاذ هندسة السدود والأنفاق والمشروعات المائية قال إن “إقدام الحكومات المصرية على إرسال المياه عبر سحارة سرابيوم، وسحارة ترعة السلام إلى سيناء، كان عشوائيا، بحيث أن المياه وصلت ولم تجد من يستغلها في الزراعة، ولم تخدم أبناء المحافظة، لأن الأساس الذي أعلن عنه وقتها، هو أن المياه جاءت إلى سيناء، للتخلص من الكمية الزائدة لبحيرة ناصر”.بحسب موقع الاستقلال

وأضاف حافظ: “موضوع توصيل المياه لإسرائيل سيكون أحد الأدوات في المشكلة بين مصر وإثيوبيا، وذلك بعد اكتمال بناء السدود الإثيوبية الثلاثة، فأديس أبابا تقيم بجوار السد الأكبر تلك السدود كمنظومة هيدروليكية متكاملة، تعمل على حجز الطمي، الذي يمكن أن يعطل سد النهضة”. وأردف: “بعد اكتمال منظومة السدود على نهر النيل الأزرق، وسيطرة إثيوبيا بشكل كامل على كل قطرة من المياه، ما يعني تخزينها لكمية هائلة من المياه، الخاصة بالفيضان لمدة سنتين بدون إخراج أي حصة لمصر والسودان.. ووقتها سوف تعلن ما يسمى بالبنك الإثيوبي لتصدير المياه”.

وأكد خبير السدود أن: “البنك الإثيوبي سيكون هو الوسيلة المتقدمة لاستثمار مياه النيل الأزرق لصالح الدولة، وهي ستعمل بدورها على تخصيص هذا البنك لإحدى الشركات الدولية المعترف بها في إدارة الموارد المائية الموجود في العالم”. مضيفا: “هذه الشركات عددها 5، وكلها إسرائيلية، وهي المسيطرة على إدارة الموارد المائية للدول التي تتشارك مع بعضها في الأنهار الدولية كالنيل والأمازون والفرات”.

واستكمل الخبير المصري: “عند هذه النقطة تحديدا سيبدأ دور سحارتي سرابيوم، وترعة السلام، لأنها ستكون المسار النهائي بعد استيراد مصر للمياه من إثيوبيا، وعندها ستشترط الشركات الدولية أن تحصل مصر على المياه، مقابل تمريرها لإسرائيل، مقابل دفع ضريبة مرور، وسوف يتحول الأمر إلى (بيزنس) وليس حقوق مكتسبة، لأن حصولنا على مياه النيل اليوم عن طريق ما يسمى بالحق المكتسب وفقا للاتفاقيات القديمة”. واختتم حديثه: “الأمر هنا يتخطى قدرة السيسي، وإنما يعود إلى دولة المنبع (إثيوبيا) التي ستضع شروطها، وتمليها وفقا لما تريده، وتبعا لبنك المياه الدولي، الذي سيتم إنشاؤه خلال 5 سنوات على أقصى تقدير”.

15,277 total views, 40 views today