اليوتيوبرز ..كيف جعلوا من السيسي مادة ساخرة للضحك؟

“السخرية سلاح الضعفاء في مواجهة استبداد الطغاة والأقوياء” مقولة لأستاذ العلوم السياسية المصري د. سيف الدين عبد الفتاح تدعم ما قاله عالم السياسة الأمريكي، وأستاذ علم الإنسان جيمس سكوت في كتابه: (المقاومة بالحيلة.. كيف يهمس المحكومون من وراء ظهر حكامهم) إن: “السخرية تنال من الطاغية المستبد وتفضح كذبه وتهتك ستره”. حسب سكوت: “الساخرون يعرفون أن الطاغية يستطيل ببطشه ويستعرض بسلطانه، فيجعلونه بسخريتهم منه أضحوكة تنال من هيبته وقوته المزعومة، وتبرز خيبته وضعفه الكامن، حتى وهو يحاول أن يظهر قوة سلطانه وعنفوان طغيانه”.

ما سبق من كلام الساسة والفلاسفة يؤكد التطور النوعي الذي أضافه اليوتيوبرز الساخر عطوة كنانة “عيد سعيد رمضان مبارك عليكم” لأداء الفنان ورجل الأعمال المصري محمد علي، بدعمه له وإلهامه أفكارا ثورية جديدة وذكية، كدعوة المحتجين ضد عبد الفتاح السيسي، للنزول للتظاهر ضده في أوقات الذروة، “الإثنين الساعة الثانية، الثلاثاء الساعة الثالثة، الأربعاء الساعة الرابعة، والخميس الساعة الخامسة”، بقصد إنهاك قوى قمع التظاهرات وإبقائها في حالة استنفار دائم طوال أيام الأسبوع.

كذلك فكرة “طلوع” الأسطح بدلا من “نزول” الشوارع، لحماية المتظاهرين من الاعتداء أو الاعتقال. فضلا عما أحدثته ردود “كنانة” على فيديوهات “علي” بعد صدورها مباشرة، وتفنيد محتواها بطريقة الرد السلبي، من خلال الإيهام باتخاذ جانب الخصم (السيسي) والدفاع عنه بينما هو في الحقيقة يمعن في فضحه وطعنه، مما يزيد من تأثير فيديوهات “علي” في الوعي الشعبي.

شكلت استجابة اليوتيوبرز المصري الساخر عبدالله الشريف لنداء محمد علي بالمساعدة في توثيق اتهاماته للنظام، بنشر صور ومقاطع فيديو لقصور واستراحات السيسي ورجاله المقربين مما ذكره “علي” في فيديوهاته، ليحدث دويا هائلا على مواقع التواصل الاجتماعي، ويزيد من إحراج النظام ورفع مصداقية “علي” لدى الجماهير. أما اليوتيوبر جو شو، ومثيله أحمد بحيري، فلم يتأخرا في تغطية فيديوهات الفنان المقاول بحلقات ساخرة نارية حققت مشاهدات مليونية.

كل ما سبق يكشف لنا مدى تأثير هذه القوة الإعلامية الثورية الساخرة على حركة الشارع في مصر، بعد 8 سنوات من الأداء الإبداعي التراكمي بشجاعة منقطعة النظير، والذي يتبلور الآن في شكل قوة ضاربة تنزل بثقلها خلف محمد علي الذي أصبح يعبر عن ضمير الشعب المصري وقواه الحية بكافة أطيافها في هذه المرحلة. ما يجعلنا نتوقف أمام نجاح هذه الكتيبة وتأثيرها، رغم اختلاف الأفكار وتنوع الأساليب بين أفرادها، وعما يشكله سلاح السخرية الذي تملكه من تهديد للأنظمة المستبدة.

جو شو

لم يغب جو شو عن التفاعل مع مقاطع الفيديو التي نشرها رجل الأعمال والفنان محمد علي، وخصص حلقة من برنامجه تحت عنوان: “محمد علي vs السيسي”، شاهدها قرابة 5 ملايين. جو شو برنامج سياسي يقدمه الشاب المصري يوسف حسين، يسخر فيه من النخبة السياسية والإعلامية في مصر والمنطقة العربية، بدأ يوسف نشاطه بمقطع فيديو بثه في يوليو/ تموز 2013، دافع فيه عن الرئيس الراحل محمد مرسي وحصد أكثر من نصف مليون مشاهدة، ليطلق بعدها بحوالي شهر قناة على يوتيوب تحت اسم “جوتيوب” بالاشتراك مع صديقه المخرج الشاب أحمد الذكيري، تجاوز عدد المشتركين فيها مليونا ونصف المليون، قدم من خلالها – عبر 31 حلقة – انتقادا لاذعا للواقع المصري السياسي والإعلامي بعد الانقلاب، ودافع عن شرعية الرئيس مرسي.

قبل أن ينتقل جو بعدها إلى شبكة تلفزيون العربي في عام 2016، ويستأنف مسيرة برنامجه باسمه الجديد الحالي “جو شو” ويحقق نجاحا كبيرا بفضل أفكاره المتنوعة، والتطور الذي يطرأ عليه دائما، حيث وصل عدد متابعيه على فيسبوك إلى نحو 6 ملايين شخص، وتويتر إلى أكثر من 67000 متابع. وفي إطار محاولات انتقام السلطات من يوسف حسين، قالت وسائل إعلام مصرية، تقدم محامي يدعى أيمن محفوظ ببلاغ رسمي لوزير الداخلية طلب فيه إسقاط الجنسية عن مقدم برنامج “جو شو”.

وبرر المحامي طلبه بأن حسين: “دأب على السخرية من النظام الحاكم وكافة رموز الدولة المصرية وتعدى حد الانتقاد إلى العمالة والخيانة”.وقال: “مقدم برنامج جو شو صدر ضده أحكام قضائية جنائية عديدة لتعمده الإضرار بمركز مصر السياسي، وتعدى ذلك بعمل برنامج على قناتي العربي وسوريا العميلتان للإخوان، لمباركة الاحتلال التركي العثماني لشمال سوريا”.ورد  يوسف حسين على مقدم البلاغ ضده بالقول: “فاكرين الانتماء إلى الوطن بمجرد حتت (قطعة) ورقة يمنحوها لينا أو ياخدوها”، مضيفا أنه يعرف: “واحد خاين باع الأرض وقمع وجوّع الشعب ومعاه باسبور (جواز سفر) دبلوماسي”، في إشارة إلى السيسي المتهم بالتفريط في جزيرتي تيران وصنافير بمنحهما للسعودية.

عبد الله الشريف

من غرفته الصغيرة بأحد أحياء الإسكندرية بدأت علاقة عبد الله الشريف بعالم الإنترنت، فقدم مجموعة من القصائد العامية السياسية الرافضة لأحداث 30/ 6/ 2013 وما بعدها، حققت مشاهدات بمئات الآلاف. قدم الشريف برنامج “الشاب أشرف” في أغسطس/آب 2014، وتصدرت حلقاته قائمة يوتيوب في مصر، وكان يتقمص فيها شخصية شاب منافق يتملق النظام، ليتفرغ بعدها لقناته التي تحمل اسمه على يوتيوب، والتي تظهر قدرته الفذة على التجويد والتطوير والوصول أكثر للجماهير.

فجر الشريف قنبلة تسريبات القصور والاستراحات الرئاسية التي أحدثت ضجة كبرى على مواقع التواصل الاجتماعي واقتربت مشاهداتها من حاجز الـ 3 ملايين مشاهدة، وأعطت جهود محمد علي زخما كبيرا، أما صفحته على فيسبوك فيقترب متابعوها من مليون ونصف المليون متابع، ويتابع حسابه الرسمي على تويتر مليون شخص. لم يسلم الشريف من سياسة الانتقام التي تمارسها السلطات ضد عائلات المعارضين بالخارج خاصة الإعلامين منهم حيث اتهم الشريف، السلطات الأمنية في مصر بممارسة الابتزاز والتهديد لعائلته، بهدف انتزاع تصريحات مؤيدة للسيسي. وقال الشريف في تغريدة على تويتر: “الآن في هذه اللحظة يتم تصوير والدي وغيره من أهل منطقتي وانتزاع التصريحات منهم تحت التهديد”.

عطوة كنانة

عندما دعا الفنان محمد علي جموع الشعب المصري للنزول إلى الشوارع، في الثالثة من بعد ظهر الثلاثاء، للمطالبة برحيل عبد الفتاح السيسي عن الحكم، حرص أن يشير إلى أنه استوحى الفكرة من حساب المعارض الساخر “عطوة كنانة” الذي كان قد أعلنها في مقطع فيديو بثه على يوتيوب وشاهده قرابة 800 ألف، قبل حديث محمد علي بقليل، وذلك ليل الإثنين 30/ 9/2019 ، باعتبار أن دعوته هذه ستُصعب من مهمة قوات الجيش والشرطة في قمع المظاهرات أو اعتقال المشاركين فيها.

شخصية “عطوة كنانة” التي ابتكرها واشتهر بها د. تامر جمال، الخبير في الصحة النفسية، من أكثر الشخصيات التي تحصد ملايين المشاهدات على يوتيوب وفيسبوك وتويتر، لثرائها وتنوعها وغلبة الأداء التمثيلي المبدع علي ما تقدمه من أفكار مبتكرة في السخرية السياسية والتثقيف النفسي، ومنها شخصية “عطوة النضاف”، و”نبراوي”، و”أفشخاي”، وشخصية “عيد سعيد مبارك عليكم”، التي قدمها مع الفنان الساخر محمد فوزي “باكوس”، وحلقات “النفسية في أسبوع”، “كلمتين لشخص”، “ساعة لكلبك”، و”بث مباشر علم نفس”.

أحمد بحيري

لم يتأخر أحمد بحيري هو الآخر عن مشاركة محمد علي حملته وسارع بتخصيص عدة حلقات نارية تفصل وقائع الفساد التي فجرها حقق بعضها مشاهدات تتجاوز المليون ونصف المليون مشاهدة. أحمد بحيري ممن دفعتهم الأحداث السياسية المتلاحقة للتحول من ناشط دعوي يذيع حلقات صوتية عن السيرة النبوية في مدونته على الإنترنت، إلى ناشط سياسى مصري من نشطاء يوتيوب، يقوم بنشر مقاطع  فيديو سياسية ساخرة ينتقد الأحوال السياسية في مصر والمنطقة في حقبة الثورة المضادة، من خلال عدة برامج منها غسيل مخ، و تعال اشرب شاي، والأسبوع في كيس، وأخيرا كشف حمادة، بخلاف صفحته الرسمية على فيسبوك ، وتويتر.

مقاومة بالحيلة

لا تعدم الثورات الوسائل مهما بلغ التضيق مداه، لذا اتخذ النشطاء من يوتيوب، وفيسبوك، وتويتر وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، منصات إعلامية لمواجهة إعلام الثورة المضادة السلطوي، وسبقوه بتحقيق مشاهدات مليونية، عبر أساليبهم الشبابية الذكية الساخرة، وبأقل الإمكانيات المتاحة.

في مقال صحفي له استشهد د. سيف عبد الفتاح بدراسة مهمة عن السخرية السياسية، كتبتها منة الله الحريري ونُشرت في مجلة فورين بوليسي، قائلا: “السخرية تُفجّر في الإنسان عبقرية الترميز من خلال الرموز التي يصنعها ليجعلها تحمل الرأي الحقيقي الذي يريد أن يقوله، فيلجأ إلى تغليف رأيه بأقنعة لغوية أو كاريكاتورية عبر ذكائه في استغلال المتاح لاختراق غير المتاح، توظيف المسموح للنفاذ إلى المناطق المحرمة الممنوعة، بهدف واحد هو إحراج السلطة. ومما يميز السخرية السياسية أنها موجهة وأكثر حرية وأمانا، لأنها متخفية ومن الصعب محاصرتها، لذا فهي تضع الطغاة في مأزق، فإما أن ترد الحكومة على الاستفزازات، فتضع نفسها في موقف مثير للسخرية أكثر من الفعل نفسه، أو أن تتجاهل السخرية ضدها، وتفتح على نفسها فيضانا من المعارضة”، حسب عبد الفتاح.

السخرية السياسية

وفي دراسة بعنوان “البرامج السياسية الساخرة في شبكة الجزيرة: فاعلية الخطاب النقدي وآليات اشتغاله”، أعدها “عبد اللطيف حيدر” الباحث في قضايا الاتصال والإعلام، يعتبر علماء الاتصال السياسي البرامج الساخرة من أبرز أساليب الوصول إلى الجمهور. لذا اتسعت موجة السخرية المتلفزة وأصبحت منتشرة على نطاق واسع في الشاشات العربية وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت تستقطب مشاهدات واهتماما لافتا، خصوصا في الفترة الأخيرة.

ويتضح ذلك من خلال نسب المشاهدة العالية التي باتت تستقطبها هذه البرامج حيث تصل مشاهدات بعض هذه البرامج إلى أكثر من 3 ملايين مشاهدة مثل برنامج “جو شو” في موقع يوتيوب، بينما تصل مشاهدات بعض الحلقات في موقع فيسبوك نحو 14 مليون مشاهدة، وتزامن ظهور البرامج الساخرة مع اندلاع ثورات الربيع العربي في البلدان التي شهدت انتفاضات، وتمكنت من تحطيم الكثير من القيود والمحرمات السياسية، وأتاحت قدرا كبيرا من الحرية في مواجهة الأنظمة الحاكمة ونقد سياساتها.  ويرى الإعلامي الساخر نزيه الأحدب، أن البرامج الساخرة تُعد: “الأقرب إلى عقل المشاهد حيث تبسط له الأحداث، ولعل أهم ما تقوم به هذه البرامج هو كسر هيبة الحاكم الغطروسية التأليهية”. ويرى نيكولاس خوري، مقدم برنامج “السليط الإخباري”: “أن هذه البرامج تعمل على إيصال الأخبار إلى فئة عمرية معينة تفضل هذا الأسلوب وتهرب من الأسلوب التقريري”.

 

258 total views, 12 views today