ما مصير اللاجئين والمنطقة الآمنة بعد الاتفاق التركي الأمريكي؟

الاتفاق الأمريكي التركي على الهدنة بشمال سوريا، يثير أسئلة كثيرة حول مصير اللاجئين وملامح المنطقة الآمنة المزمع إنشاؤها. فكيف ستكون هذه المنطقة ؟ وهل ستكون آمنة فعلا ويعود إليها اللاجئون طوعا؟ ولماذا تصر أنقرة على إنشائها؟

منطقة بعمق 20 ميلاً (32 كيلومتراً) تمتد من شرق نهر الفرات حتى الحدود العراقية، هذه هي المنطقة التي تسعى تركيا إلى إنشائها في شمال سوريا لتوطين نحو مليوني لاجئ سوري فيها، وفقاً لتصريحات المسؤولين الأتراك. ورغم الرفض الكردي لإنشاء هذه المنطقة في البداية خوفاً من “تغيير ديمغرافي”، إلا أن التهديدات التركية التي تُرجمت فيما بعد إلى عملية عسكرية في شمال سوريا، بعد “ضوء أخضر” من ترامب، حسب مراقبين، جعلت الأكراد يوافقون على آخر اتفاق تركي أمريكي حول هذه المنطقة.

“اتفاق ضبابي”

فبعد الاتفاق الجديد بين أنقرة وواشنطن، أعلن جيمس جيفري المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، أن الولايات المتحدة وتركيا حددتا “المنطقة الآمنة” بأنها “المنطقة التي تعمل فيها تركيا حالياً” بعمق 30 كيلومتراً في جزء رئيسي من شمال شرق سوريا. وأعلن الأكراد قبول الاتفاق الذي ينص، كما قالوا، على أن تكون هذه المنطقة محصورة بين مدينة رأس العين وبلدة تل أبيض.
ورغم وصف مسؤولين أتراك الاتفاق الجديد مع أنقرة بأنه “نصر” لهم، يرى الباحث السياسي التركي إسلام أوزكان أن الوقت مبكر لمعرفة الطرف المنتصر في هذا الاتفاق، ويضيف أوزكان أن “الاتفاق فيه ضبابية كبيرة وهناك مواد مفتوحة للتفسير بشكل مختلف”، مشيراً إلى أن المنطقة التي يتم الحديث عنها الآن لا تشكل سوى “جزء بسيط” مما تريده تركيا. بحسب موقع مهاجر نيوز

وفقاً للرؤية التركية، حسب ما نقلت صحيفة ديلي صباح الموالية للحكومة، فإن المنطقة الآمنة تشمل المساحة الجغرافية الواقعة شمال الطريق الدولي M4 الاستراتيجي، الذي يربط الشمال السوري بعضه ببعض، وتضم هذه المنطقة مدناً وبلدات من ثلاث محافظات سورية، هي حلب والرقة والحسكة، وتمتد على طول 460 كم، بعمق 32 كم على طول الحدود التركية السورية. وحسب ما نقلت صحيفة “ديلي صباح”، فإنه “سيجري توطين مليون سوري في 200 ألف مسكن، سيتم إنشاؤها في المنطقة الآمنة”. وتتضمن الخطة، وفق الصحيفة، إنشاء 10 بلدات مركزية بتعداد سكاني يصل إلى 30 ألف نسمة لكل منها، وبناء مناطق صناعية فيها، بالإضافة إلى 140 قرية بطاقة استيعابية تصل إلى 5 آلاف نسمة لكل منها.

أما بالنسبة لكيفية توطين اللاجئين السوريين في المنطقة، فقد أكد وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو أن “عودة اللاجئين إلى المنطقة الآمنة ستكون طوعية”، مشيراً إلى أن تهيئة البنى التحتية في المنطقة ستشجع الناس على العودة. لكن الباحث السياسي التركي إسلام أوزكان يشك في أن تكون عودة جميع اللاجئين الذين تريد تركيا توطينهم في شمال سوريا طوعية، ويوضح: “لا يمكن أن يعود كل هذا العدد بشكل طوعي، إلا أن السلطات التركية قد تجعلهم يوقعون على استمارة لتظهر أن العودة تتم بشكل طوعي رغم أنها قد لا تكون كذلك”.

اللاجئون السوريون ورقة التغيير الديمغرافي

ويعتقد أوزكان أن إنشاء المنطقة سيصب في مصلحة بعض اللاجئين السوريين الذين يرغبون في العودة إلى بيوتهم في شمال سوريا، لكنه يتخوف من مسألة التغيير الديمغرافي ويتابع: “يتحدثون عن عودة ما بين مليون إلى مليوني لاجئ سوري وهذا سيشمل لاجئين من مناطق أخرى في سوريا تريد الحكومة التركية توطينهم في الشمال من أجل تغيير ديمغرافية المنطقة وهذا شيء خطير”.

لكن المبعوث الأمريكي، جيمس جيفري، أشار إلى أن تركيا تعهدت بأنها تسعى فقط لإخراج مقاتلي وحدات حماية الشعب فحسب، وليس السكان الأكراد جميعاً، وأضاف جيفري: “نأمل ألا يكون هناك نقل جماعي للسكان”، وشدد: “لقد كنا متصلبين جداً وبغاية الإصرار حول هذا الأمر”. وقد أكد قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم كوباني بعد الاتفاق على ضرورة “عدم تغيير ديمغرافية المنطقة وإعادة جميع المدنيين إلى ديارهم مرة أخرى”. إلا أن الباحث السياسي التركي إسلام أوزكان يشير إلى أن أردوغان يستخدم اللاجئين السوريين كورقة من أجل القيام بتغيير ديمغرافي في شمال سوريا، ويضيف: “استغلال اللاجئين السوريين من قبل أردوغان ليس جديداً، فهو دائماً يستخدم هذه الورقة ضد الاتحاد الأوروبي أيضا

بسبب التكاليف.. “مخطط غير واقعي”

وتعول تركيا على الحصول على تمويل أجنبي من أجل إنشاء المنطقة الآمنة، حسب صحيفة ديلي صباح الموالية للحكومة، التي أشارت إلى أن تكلفة المنطقة تصل إلى “23,5 مليار يورو، تمول من قبل صناديق أجنبية”. وفي هذا السياق قال رئيس إدارة الميزانية في الرئاسة التركية، ناجي إقبال، إن تركيا قد تخصص أموالاً في ميزانيتها لعام 2020 لبناء مساكن للاجئين في “المنطقة الآمنة”. لكن أوزكان يعتقد أن الحكومة التركية لا تستطيع تمويل المشروع لوحدها، خصوصاً وأنها تمر بأزمة اقتصادية “كبيرة” حسب تعبيره.
وبسبب التكاليف الاقتصادية، فإن معارضين أتراك يرون أن إنشاء “المنطقة الآمنة مخطط غير واقعي”، كما قال أونال تشيفيكوز نائب رئيس “حزب الشعب الجمهوري” التركي المعارض.
ولا يعتقد أوزكان أن تقدم الدول الأوروبية الأموال التي يريدها أردوغان من أجل إنشاء المنطقة الآمنة. وأشار رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر إلى ذلك في وقت سابق من هذا الشهر، عندما قال: “إذا كانت خطط تركيا تتضمن إقامة منطقة آمنة، فإن الاتحاد الأوروبي لن يشارك مالياً في ذلك”.

لا عودة طوعية بدون سلام

وبحسب وجهة نظر أوزكان، لا يمكن الحديث عن منطقة “آمنة” إلا إذا كان هناك توافق دولي على إنشائها، ويضيف: “إنشاء هذه المنطقة من طرف واحد سيعرض المنطقة لمخاطر كبيرة ويقوض الاستقرار فيها”. وفي وقت يتم فيه الحديث عن منطقة “آمنة”، نزح أكثر من 300 ألف مدني نتيجة العملية العسكرية التركية في شمال سوريا في “واحدة من أكبر موجات النزوح خلال أسبوع” منذ اندلاع النزاع في سوريا في العام 2011، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان. وقال المرصد إن نحو 500 شخص قتلوا من بينهم عشرات المدنيين، غالبيتهم من الجانب الكردي. ويشدد أوزكان على ضرورة عدم إعادة اللاجئين إلى سوريا “دون أن يكون هناك سلام تام بكل معنى الكلمة”، مشيراً إلى أنه وبدون “سلام نهائي” فإن اللاجئين السوريين لن يعودوا إلى وطنهم طوعاً.

 

195 total views, 3 views today