كيف نكل السيسي بالوافدين الأجانب عقب مظاهرات 20سبتمبر؟

(مصر قريبة) أوبريت غنائي مصري ظهر في فبراير 2015، يدعو إلى زيارة مصر والتمتع بأجوائها، وإظهار الود والترحاب الذي يبديه المصريون لضيوفهم، وخاصة من الدول العربية الشقيقة. لكن ما حدث للوافدين العرب والأجانب، عقب مظاهرات 20 سبتمبر الماضي، المطالبة برحيل السيسي، بددت كل معاني حسن الضيافة والأمان، وبدلتها إلى قلق وخوف.

الإعلام المصري الرسمي المحسوب على نظام عبد الفتاح السيسي، حرض تحريضا مباشرا على الأجانب، ووصمهم بالجواسيس، وتم اعتقال بعضهم، وجلهم من الطلبة المبتعثين، وأخرجوا على القنوات المصرية ليدلوا باعترافات تفصيلية عن اشتراكهم في مؤامرة ضد أم الدنيا.

وبعد تدخل دولهم وسفاراتهم أفرج عنهم، وأعيدوا إلى بلادهم، ليكشفوا تفاصيل مأساوية عن الانتهاكات التي تعرضوا لها، وإجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها، لتندد منظمات حقوقية ودولية بما حدث، وتتخذ مؤسسات علمية، كجامعة إدنبرة البريطانية، قرارات بالامتناع عن الذهاب إلى القاهرة، والتعاون معها.

غادروا مصر 

في 12 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، استدعت جامعة إدنبرة البريطانية في أسكتلندا جميع طلابها المشاركين في برنامج طلابي مع الجامعة الأمريكية بالقاهرة بعد اعتقال اثنين من طلابها خلال الأيام الماضية في القاهرة.  وكان طلاب الجامعة البريطانية في مصر يدرسون ضمن برنامج تبادل طلابي مع الجامعة الأمريكية في القاهرة، يتخصص في الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية. وتم اعتقال الطالبين ضمن حملة اعتقالات طالت أكثر من 2000 شخص، بحسب منظمات حقوقية، خلال الاحتجاجات السياسية التي شهدتها البلاد للمطالبة برحيل السيسي. وقال موقع “ذا تاب” الذي يشرف عليه طلاب جامعة إدنبرة: إن “اثنين من طلاب السنة الثالثة في الجامعة قد اعتقلا من قبل السلطات المصرية”. وأكد أن: “جميع الطلاب خضعوا للاستجواب”.

الجامعة قالت بعدها: إنها “تشعر بقلق بالغ” وأن لديها عددا من برامج التبادل مع جامعات أخرى في العالم، بما في ذلك الجامعة الأمريكية في القاهرة، والتي تستضيف طلاب الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية الزائرين، لكنها قررت إلغاء التبادل مع مصر. وقال المتحدث باسم الجامعة: “بالطبع تشعر الجامعة بقلق شديد عندما تسمع عن حوادث مثل هذه، وخصوصا عندما يتعلق الأمر بطلابنا. نحن نتحمل مسؤولية التصرف بما يحقق مصلحة طلابنا واتخاذ إجراءات حاسمة عندما تكون هناك مخاوف تتعلق بالسلامة، لهذا طلبنا من جميع طلابنا في مصر العودة إلى المملكة المتحدة”.

واختتم حديثه: “لقد قام جميع الطلاب بذلك الآن أو في طور مغادرتهم، ونحن نعمل عن كثب مع الطلاب لتقليل تأثير أي اضطراب على دراساتهم وتوفير أماكن بديلة لهم”.  وأكدت الأجهزة الأمنية، أنه أفرج عن الطالبين لاحقا دون أن تتضح أسباب اعتقالهما، لكن الجامعة طلبت من جميع طلابها الموجودين في مصر العودة إلى بريطانيا.

مصدر الخطر

الطالب التركي مراد توبشو، بكلية الإلهيات في إسطنبول يروي قصته في مصر قائلا: “ذهبت إلى مصر عام 2014 لدراسة اللغة العربية في الأزهر الشريف، وواجهت تعسفا شديدا في الإجراءات الروتينية، جعلني أعرض عن استكمال الدراسة في الجامعة، وكانت الأجواء السياسية مضطربة، والمظاهرات تعم الشوارع والميادين بالقرب من الجامعة، ومكان الإقامة في مدينة نصر”. بحسب موقع الاستقلال

وذكر مراد: “ذهبت إلى السفارة التركية في منطقة وسط البلد بالقاهرة، قربا من ميدان التحرير لإنهاء بعض المعاملات، وبعد خروجي بخطوات تم توقيفي من قبل دورية أمنية، وأساءوا التعامل معي دون سبب يذكر، ووضعوني في سيارة الترحيلات، رغم حملي جميع الأوراق الرسمية الخاصة بالإقامة، ولولا قرب سفارة تركيا من مكان الواقعة، وسرعة إرسال الموظف للإفراج عني، لكان الوضع مختلفا”.

واختتم الطالب التركي حديثه: “تم إطلاق سراحي، وقررت مباشرة مغادرة مصر، وسافرت بعدها بأقل من أسبوع، وبلا شك أحمل كل المودة للشعب المصري، ولكن على السلطة مراجعة سياستها تجاه الوافدين الأجانب”.

وفي أبريل/ نيسان 2019، حذر مجلس الحريات الأكاديمية طلاب الشرق الأوسط (ميسا)، المشرف علي سفر الطلاب الأجانب لمصر ودول الشرق الأوسط للدراسة والبحث، أي طالب أجنبي من السفر لمصر مؤكدا أن: “الأجهزة الأمنية المصرية هي مصدر الخطر علي حياة وسلامة الأكاديميين”.  وعام 2017، أعلنت جامعة ليفربول الإنجليزية: أن “السفير المصري لدى بريطانيا عرض إمكانية إنشاء فرع لها في مصر، لكن بعد بحث الأمر قررت رفض العرض لعدم تعرُّض سمعتها للضرر، بسبب سجل حقوق الإنسان المتردي في مصر”.

فضيحة مدوية

في 5 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أدلى الطالب السوداني وليد عبد الرحمن حسن، ببعض التفاصيل والملابسات التي رافقت عملية اعتقاله، وإجباره من قبل أجهزة الأمن المصرية على الاعتراف الكاذب خلال استضافته في برنامج عمرو أديب، الإعلامي المقرب من السيسي.  وقال الطالب السوداني، في تصريحات لوسائل إعلام عربية: “كل ما قيل في الإعلام كان خارج إرادتي تماما، وكان يتم تلقيني الكلام بعدما قبض علي”.

وأكد وليد: أن “الكلام الذي تلاه في المقطع المصور هو عبارة عن ورقة مكتوبة ومصاغة من قبل السلطات المصرية، حفظت الكلام بالصيغة ذاتها المكتوبة من الألف إلى الياء”.  وتداولت وسائل الإعلام المصرية مقطعا مصورا لوليد يتضمن اعترافات له بأنه مناصر للثورات عبر الإنترنت، وأنه اعتقل وسط ميدان التحرير، فيما اتهمه عمرو أديب بأنه “جاسوس” للإخوان ومتورط في الاحتجاجات الأخيرة المناهضة لنظام السيسي.

ونفى الطالب علاقته بجماعة الإخوان، موضحا أن ذهابه إلى القاهرة: “كان بهدف دراسة اللغة الألمانية، وهي المرة الأولى التي أدخل فيها مصر، وليس كما ادعى أديب في برنامجه بأني جئت بهدف رصد التظاهرات أو التحريض عليها”.

وذكر عبد الرحمن الجهود الكبيرة التي بذلتها الاستخبارات السودانية لإتمام عملية إطلاق سراحه.  ومن بين المحتجزين الأجانب الذين عرض أديب أسماءهم، بالإضافة إلى تركيّين وسوداني يدعى وليد عبدالرحمن ومصري مغترب في السعودية:

  • أشرف طافش، من فلسطين، اتُهم بأنه عضو في حركة حماس، دخل مصر من غزة عن طريق معبر رفح.
  • بيتر هارون، من هولندا، اتُهم بتصوير المظاهرات بطائرة درون لنقلها، حسب الادعاءات، إلى إحدى الجهات الأجنبية. 
  • عبدالرحمن الرواجبة، من الأردن، اتُهم بأنه “أحد العناصر الشيوعية المناهضة للحكومة الأردنية”. 
  • وثائر حسام مطر، من الأردن، اتهم بـ”إشعال الفوضى والتحريض على التظاهر ونشر فيديوهات محرضة عبر مواقع التواصل الاجتماعي”.

الخارجية المصرية أعلنت الإفراج عن الشاب السوداني الذي اعتقل قبل نحو أسبوعين خلال الاحتجاجات الأخيرة في القاهرة. ومن جهتها أوضحت وزارة الخارجية الأردنية، في بيان نشرته على تويتر، وباسم مدير العمليات، السفير سفيان القضاة، أن السلطات المصرية أفرجت عن المحتجزين الأردنيين.

وفي 27 سبتمبر/ أيلول الماضي، ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش للدفاع عن حقوق الإنسان أن: “السلطات المصرية أوقفت (قرابة 2000 شخص) بعد تظاهرات 20 سبتمبر/ أيلول الماضي”، وصرحت سارة لي ويتسون مديرة الشرق الأوسط، أن: “التوقيفات الجماعية التي قامت بها الحكومة والقيود على الإنترنت تهدف على ما يبدو إلى ردع المصريين عن التظاهر”.

وأوضحت أنه: “بالتزامن مع تحقيقات النيابة العامة، ألقي القبض على عناصر أجنبية بمحيط أماكن التظاهرات بمحافظة القاهرة”. وأضافت أن: “منهم فلسطيني اعترف بانضمامه لتنظيم الجهاد الإسلامي الفلسطيني، وآخر هولندي ضُبط بحوزته طائرة مُسيّرة لاسلكية، إضافة إلى أردنيين”.

لعنة ريجيني

وصل انتهاك حقوق الأجانب في مصر إلى ذروته، عقب الانقلاب العسكري في 3 يوليو/ تموز 2013، وهو ما وقع في فبراير/ شباط 2016، عندما عثر على جثة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني (28 عاما) وعليها آثار تعذيب، بالقرب من العاصمة المصرية القاهرة، وسط اتهامات للأمن المصري بالتورط في مقتله، ونفي متكرر من السلطات المصرية.

وتوترت العلاقات بشكل حاد بين القاهرة وروما، على خلفية الحادث، وفي ديسمبر/ كانون الأول 2018، قام رئيس مجلس النواب الإيطالي بتجميد العلاقات الدبلوماسية مع نظيره المصري، واستدعاء وزير الخارجية للسفير المصري في روما، فضلا عن إعلان محامية أسرة الباحث الإيطالي عن “قائمة متهمين تضم 20 اسما من ضمنهم 5 ضباط مصريين مشتبه في تورطهم في اختطاف وتعذيب ريجيني”.

وعُثر على جثمان ريجيني، خارج القاهرة في 3 فبراير/شباط 2016 بعد أسبوع من اختفائه في يوم ذكرى ثورة 25 يناير، وذكر تقرير الطب الشرعي المبدئي بعد فحص الجثة في روما أن ريجيني تعرّض للتعذيب على مدى عدة أيام، وأنه فارق الحياة بعد تعرضه لكسر فقرات عنقه.

ورغم مرور أكثر من 3 سنوات على مقتله، إلا أن ملف القضية لم يغلق بعد، وما تزال السلطات الإيطالية تطلب من مصر الكشف عن الحقيقة كاملة حيال هذه الجريمة.  وقال تقرير سابق لموقع مونيتور الأمريكي إن: “البحث العلمي في مصر بات منطقة محرمة، حيث يمنع العديد من الباحثين من القيام بأبحاث معينة بدعاوي الأمن القومي وكذا تسييس المؤسسات ونقص النزاهة الأكاديمية”.

أشار الموقع الأمريكي إلى أن: “خطورة أوضاع الباحثين في مصر باتت تحت المجهر الدولي بعد مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في القاهرة، واتهام أجهزة الأمن المصرية بالوقوف وراء الجريمة”.

تدهور السياحة

يواجه قطاع السياحة بمصر خطر الانهيار، مع التردي المستمر في الأوضاع السياسية، واستهداف الوافدين من قبل الأجهزة الأمنية، والإعلامية التي تشكك في هوية الأجانب، وتعتبرهم جواسيس. ومن أبرز الإحصائيات المتعلقة بالسياحة المصرية، ما صدر عن مجلس السياحة والسفر العالمي، في مارس/ آذار 2017، عن تدهور النشاط السياحي في مصر، باعتباره الأكثر تدهورا بين الوجهات السياحية الرئيسة في العالم، مشيرا إلى هبوط معدلات حركة السياحة في مصر بنسبة تصل إلى 80% نتيجة عدم الاستقرار السياسي.

وأكد مصدر في وزارة الشباب والرياضة المصرية مفضلا عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية: أن “الدور الذي يلعبه الإعلام المصري يساهم بشكل واضح في التأثير على قطاع السياحة في البلاد، واستهداف الأجانب بشكل عشوائي وتوقيفهم يمثل ضربة قاضية لهذا القطاع.”.

وقال: “الاشتباه في الأجانب أنهم جواسيس ليس من دور الإعلام، أو كمائن الأمن في الشوارع والميادين، فهناك أجهزة استخبارات قادرة على رصد الجواسيس والتعامل معهم، لكن توقيف الأجنبي في الشارع واعتقاله بتهمة التجسس والتآمر، أمر غير مقبول، ويؤثر على سمعة مصر في العالم”. وتسائل: “لمصلحة من اعتقال مجموعة متفرقة من الطلبة الأجانب، وإخراجهم في وسائل الإعلام بهذه الطريقة المهينة؟، فكم بلد قد تأثرت علاقتنا بهم، وأخذوا صورة سلبية عنا، بسبب ما حدث؟”.

تعليقا على اعتقال الطالب السوداني في مصر، وظهوره في برنامج عمرو أديب، الصحفي جمال الجمل قال إن مصر تمتلك إعلاما موجها، خارج المعايير المهنية، تديره أجهزة المخابرات، فلا عجب أن تحدث مثل هذه الحالات المأساوية، فالإعلام الذي يكشف الحقيقة اختفى دوره، وظهر الإعلام الذي يؤطر للسلطة، ويشرعن سلوكها الاستبدادي”.

الجمل أضاف: “عمرو أديب مجرد ذراع من أذرع السلطة التي تمتلك العشرات على شاكلته، ودورها وضع القيود على الحقائق، وإلباسها بالباطل، لتخرج صورة مشوهة”.  وأردف الجمل: “مصر أصبحت دولة طاردة للأجانب، بداية من التضييق على مراسلي الصحف الأجنبية، والطلبة المبتعثين من الخارج، وسجن الباحثين، أو قتلهم كما حدث مع الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، كل ذلك أساء للدولة العريقة، التي كانت محور الشرق في يوم من الأيام”.

 

14,860 total views, 20 views today