أزمة ليبيا تأسيسية وليست دستورية!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏منظر داخلي‏‏‏

بقلم/إسماعيل القريتلي

يُسوق عديد الكتاب أن أزمة ليبيا دستورية، والحل عندهم يكمن في العودة إما لدستور 1951 كما ينادي التيار الفيدرالي البرقاوي، أو بالعودة لدستور 1963 كما يطالب التيار الملكي المركزي، وهناك من ينادي بالاستناد على ما يصفونها بالوثائق الدستورية الصادرة عن المجلس الوطني الانتقالي إبان فبراير 2011.

غير أن النظر في كل تلك الوثائق نجد أنها لم تحظ برضا سكان الأقاليم التي تفاوضت نخبتها لخلق ليبيا الحديثة في صيغة دولة قومية (Nation State) كما ورثناها عن خبرة المستعمر الإيطالي ثم المنتدب الإنجليزي.

دستور 1951 لم ينل رضا الإقليم الطرابلسي، لكن لم يكن أمام النخبة الطرابلسية من خيار لنيل الاستقلال عن بريطانيا والنجاة من مقترحي بريطانيا والولايات المتحدة إلا بقبول شروط الإقليم البرقاوي المتمثلة في خلق دولة نظام حكمها ملكي وشكل نظامها فيدرالي.

تعديل الدستور في 1963 الذي ألغى شكل النظام الفيدرالي للدولة وفرض النظام المركزي لم يراع في تعديله القواعد الدستورية ولا الإجراءات القانونية كما يعترف رئيس الحكومة أنذاك محمد الصيد في مذكراته، ليحتفي الطرابلسيون بالتعديل ويرفضه الفيدراليون البرقاويون.

فترة حكم العقيد معمر القذافي رسخت شكل النظام المركزي، الذي مكن بعد أربعة عقود من حكمه هرم المنظومة المركزية من القرار السياسي والسيادي والمالي والاقتصادي، ونظرًا لاختيار القذافي طرابلس مقرا للنظام المركزي فإن تغيرات ديمغرافية واجتماعية وسياسية ومالية حدثت في المدينة وأصبحت وجهة كل من يريد الاستفادة من النظام المركزي المغلق.

فبراير التي أعادت في أشهرها الأولى المسألة التأسيسية لدولة ليبيا ببدء حراك البرقاويين في شهر أبريل 2011 للمطالبة بالعودة إلى شكل النظام الفيدرالي للدولة الذي جمع الأقاليم المتجاورة في دولة قومية على النمط التاريخي الذي ولد في أوروبا.

لم تحظ تلك المطالب بالتفاوض بشأنها ووضع عدد من أعضاء المجلس الانتقالي مقترحا بالإعلان الدستوري بعد الاجتماع الدولي بخصوص ليبيا الذي انعقد في تركيا، وتم تمرير الإعلان داخل المجلس وبمباركة خارجية دون أن يكون هناك استفتاء شعبي بشأنه. منذ ذلك الحين وحتى الوقت الراهن ليس هناك اتفاق أو توافق على أي وثيقة دستورية بما فيها المسودة الدستورية المقترحة من لجنة الستين.

انتخابات 2012 ثم 2014 والاتفاق السياسي الموقع عليه في الصخيرات المغربية ديسمبر 2015 وكل ما لحقه من تفاصيل لا يمكن أن تشكل حالة تأسيسية لدولة ليبيا، بل من المحتمل أن يشكل الإصرار على تلك الوثائق والإجراءات بداية حرب أهلية بين الأقاليم قد يتخللها مرحلة استبداد بانتصار أحدها لينتهي الحال بليبيا غير المؤسسة إلى التفكك والانقسام.

تجاهل هذه الأزمة التأسيسية والركون لقرارات مجلس الأمن أو إلى وثائق لم تحظ بالاتفاق بين الأقاليم الذي أساسه الرضا وليس الاضطرار لحد التأثير على حرية الاختيار سيعمق النزاع ويحوله إلى صراع جهوي بأساليب لم نعهدها من قبل.

الحل إجرائيا، يبدأ بالاعتراف المتبادل بالأزمة التأسيسية بين الأقاليم الثلاثة المتجاورة، ومن ثم انتهاج الأساليب والطرق والإجراءات المستقرة في الخبرة الإنسانية مثل تهيئة الأوضاع الأمنية والنفسية وبرعاية ومراقبة وحماية من الأمم المتحدة لإجراء استفتاء داخل كل إقليم على حدة للإجابة على سؤال تأسيسي هل يريد سكان الإقليم تأسيس دولة بالشراكة مع الإقليمين الآخري؟ ونتيجة الإجابات تحدد الخطوة التالية، فإن كانت إجابة الأغلبية (المتفق على نسبتها) داخل كل إقليم هي نعم فعندها يبدأ التفاوض على قواعد عيش مشترك جديدة لا يكون الإقرار بها عن طريق المغالبة من أي إقليم أو الاضطرار، بل بالاستفتاء عليها داخل كل إقليم.

أما إن كانت الإجابة هي لا فعندها تبدأ الأقاليم التفاوض على الانفصال الآمن، أيضا برعاية ورقابة وحماية أممية، بدلا من الاقتتال والاحتراب. ما أخشاه هو دس رؤسنا عميقا في التراب وإنكار الأزمة التأسيسية في ليبيا، وعدم قراءة النتائج المتوقعة لذلك الإنكار.

 

141 total views, 3 views today