بعد مرور 6سنوات على انقلابه..هل استطاع السيسي تغيير عقيدة الجيش؟

مع وصول عبد الفتاح السيسي للحكم في مصر بانقلاب عسكري في 3 يوليو/تموز 2013، سعى نحو توجيه قوة الجيش نحو معارك داخلية، والانشغال بالمعارك السياسة، وحماية نظامه، ما أثار العديد من التساؤلات مفادها هل ما زالت عقيدة الجيش المصري كما هى لم تتغير، لا سيما بعد التعاون الظاهر بين نظام السيسي والكيان الصهيوني والتنسيق الأمنى والعسكري في سيناء، وفتح المجال الجوى في سيناء للطيران الإسرائيلي بذريعة ضرب معاقل الجماعات الإرهابية. بالإضافة إلى التفريط في جزيرتي تيران وصنافير والتنازل عنها للسعودية لمصلحة إسرائيل،فهل نجح السيسي في تغيير عقيدة الجيش القتالية بعد 6 سنوات من انقلابه، أم أنه بات يواجه ممانعة وصعوبة في ذلك؟

رمزية المساجد 

في 20 يوليو/ تموز 2016، قامت مجموعة من الجيش بالتدريب على اقتحام مسجد على هيئة مجسم وإطلاق الرصاص عليه، حيث اقتحموه ودمروه بالكامل وذلك أثناء حفل تخرج دفعة جديدة من طلبة الكلية الجوية العسكرية، بحضور السيسي، ووزير الدفاع السابق صدقي صبحي. وهو الأمر الذي أحدث جلبة في ذلك الوقت، وانتقده سياسيون وحقوقيون، معبرين عن  استيائهم من هذه “الإهانة” لرمز الدين الإسلامي في بلد مسلم، ينص دستوره على أن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع.

وجاء التصويب باتجاه المسجد، برأي نشطاء، بمعنى أن عقيدة طلاب الكليات العسكرية في مصر، “يتم محاولة تغييرها على قدم وساق، حيث إنه من المنطقي أن تكون الأهداف التي يصوب عليها الطلاب غير واضحة المعالم، أو حتى باتجاه إسرائيل، على اعتبار أنها عدو، أما أن يتم التصويب ناحية مسجد بدعوى مكافحة الإرهاب، وكأن المساجد أصبحت مقرات تؤوي إرهابيين”.

أما سياسة استهداف المساجد، فلم تكن من خلال المجسم فقط، فحرق المساجد واقتحامها ومحاصرتها، لم تكن الأشكال الوحيدة لانتهاك المساجد في عصر السيسي، كما حدث في مسجد رابعة العدوية الذي أحرق يوم الفض في 14 أغسطس/ آب 2013، بالإضافة إلى محاصرة مسجد الفتح في رمسيس، وإطلاق قنابل الغاز والدخان بداخله، وأيضا حصار واقتحام مسجد القائد إبراهيم بالإسكندرية.

كما اتبع السيسي سياسة التضييق على المصلين ومنع إقامة الشعائر، وتعميم الخطبة الموحدة، وإبعاد الأئمة والخطباء، بمباركة الأوقاف، فلم تعد المساجد تفتح إلا وقت الصلاة فقط وتغلق بعدها مباشرة، ومنع الاعتكاف في رمضان إلا بتصريح من جهاز الأمن الوطني.

وأكد مراقبون أن التوجه الجديد للقوات المسلحة في عهد السيسي، يقول إن: “القادة الجدد للجيش بدأوا بالفعل بتغيير عقيدة القوات المسلحة، من قتال إسرائيل إلى محاربة الإسلاميين”. وقال الدكتور محمد أبو زيد أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر لـ”لاستقلال”: إن “ما يحدث نتاج طبيعي مأساوي لدخول الجيش في السياسة، فهنا تتحول فوهة السلاح من قتال العدو الخارجي، إلى قتال أبناء وطنك وبني جلدتك”.

ويضيف أبو زيد: “أبناء الجيش المصري هم أبناء الوطن وحماته، ولا خلاف على ذلك، لكن استغلالهم في معارك سياسية، واستخدامهم في إقرار نظام فاسد يؤدي إلى اختلال المقصد، وعدم وضوح الرؤية، فنجد النموذج الفج لاستهداف المساجد، وبيوت الله، وهذا غير مقبول، فلم نرَ أي دولة غربية أو شرقية، تضع نموذج الكنيسة، أو الكنيس اليهودي، وإلا لقامت الدنيا، ولم تقعد”. واختتم الأستاذ بجامعة الأزهر حديثه: “ليس من مصلحة الوطن مستقبلا استمرار هذا الوضع، ولنا في حرب 10 رمضان خير مثال، عندما عاد الضابط والمجند المصري إلى عقيدته والتزم بها تحقق النصر المنشود، وعندما ابتعد عنها حدثت الهزيمة”. بحسب موقع الاستقلال

ضلوع واشنطن 

نشر موقع ويكليكس وثائق دبلوماسية أمريكية في ديسمبر/ كانون الأول 2010، أشارت إلى: “أن الولايات المتحدة منزعجة من استمرار الجيش المصري اعتباره إسرائيل (العدو الأساسي)، رغم توقيع اتفاقية سلام معها منذ أكثر من 3 عقود”.

وجاء في برقية صادرة في مارس/ آذار 2009 أن: “الولايات المتحدة سعت إلى اقناع الجيش المصري بتوسيع مهمته بطريقة تتواكب مع التهديدات الأمنية الإقليمية الجديدة مثل القرصنة والأمن على الحدود ومكافحة الإرهاب، إلا أن القيادة المصرية القديمة قاومت جهودنا وهي راضيه عن المضي فيما تقوم به منذ سنوات، من التدريب على نزاع تتواجه فيه قوتان بمزيد من القوات البرية والمدرعات، تحسبا لنزاع محتمل مع إسرائيل في المستقبل”.

وجاءت حادثة اختراق الطيران الإسرائيلي الأجواء المصرية في أبريل/ نيسان 2011، ليعلن المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري في مصر وقتها على الصفحة الرسمية على فيسبوك بأنه أصدر تعليمات: “بمهاجمة كل طائرة حربية تخترق الحدود المصرية والإسقاط الفوري لها”.

وهو الأمر الذي يشير إلى استقرار العقيدة القتالية للجيش المصري على أن العدو هو “إسرائيل”، حتى بعد اندلاع ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، إلى أن صعد السيسي إلى سدة الحكم في مايو/ آيار 2014، حيث سعى إلى تبديل وزعزعة هذه العقيدة.

وحسب ويكليكس، ذكرت برقية، صدرت في فبراير/ شباط 2010، أن: “إدارة أوباما قالت لمسئولين عسكريين مصريين أن الجيش الحديث يجب أن يكون مجهزا بعتاد نوعي حديث وليس بكميات ضخمة من العتاد القديم، ورد هؤلاء المسئولون بأن التهديدات التي تواجهها مصر مختلفة عن تلك التي تواجهها الولايات المتحدة”.

وتؤكد الوثيقة أن العسكريين المصريين قالوا إنه: “يجب أن يكون لمصر جيش تقليدي قوي لمواجهة الجيوش الأخرى في المنطقة، مشددين على أن الأولوية بالنسبة لهذا الجيش هي الدفاع عن الأراضي المصرية وعن قناة السويس”.

وفي هذا الصدد قال الصحفي عامر حسن سيظل الجيش المصري الدرع الحامية للوطن ضد إسرائيل أو أي معتد آخر، فهذه من الثوابت المعلومة ولا يستطيع أحد المساس بها” واستكمل: “العقيدة القتالية للجيش مستمدة من عقيدة الشعب نفسه، الذي يؤمن أن فلسطين أرض محتلة ومغتصبة، وللشعب الفلسطيني الحق في الحرية والحياة”.

وأكد الصحفي المصري: “تاريخنا مليء بالصراع مع المحتل، وخضنا حروبنا الحديثة في مواجهته، بداية من العدوان الثلاثي، إلى حرب أكتوبر، ولا يمكن أن ننسى دماء الشهداء، أو نغفل تاريخنا”.  واختتم حديثه: “الإشكالية الحقيقية القائمة، تتمثل في الاستقطابات السياسية، والاختلافات بين أبناء الوطن، والدخول في معارك جانبية لا طائل من ورائها، فنحن نحتاج إلى أن نكون لحمة واحدة، ويد واحدة، هنا فقط يتحقق الأمان لمصر”.

إنزعاج إسرائيلي 

في إحدى الوثائق المشفرة التي نشرها موقع ويكليكس وكانت تحمل رقم 05 القاهرة 289 وحررت بتاريخ 14 أبريل/ نيسان 2005 كشفت تلك الوثيقة بوضوح أن أمريكا وإسرائيل ضغطتا بكل قوة من أجل تخفيض عدد الجيش المصري، لكن المشير طنطاوي رفض الطلب وكان عقبة في سبيل تحقيقه بل إنه سعى منذ ذلك التاريخ لتحديث الجيش وتطويره.  وتؤكد الوثيقة أن المشير كان يعمل بطريقة أكدت للإدارة الأمريكية أن هناك حدثا سياسيا كبيرا سيقع في مصر حتي أنهم في الوثيقة رصدوا لقاء تم بين المشير الذي زار الصين في ربيع 2004 ووزير الدفاع الصيني.

المشير طلب مساعدة الصين لتطوير الجيش المصري، بالمخالفة للإرادة الأمريكية والإسرائيلية، وأشارت الوثيقة إلى أن الجيش المصري على حد علمهم لم يكن يثق في مبارك ونظامه، حتى أن المشير كان لا يترك مصر كثيرا، وكانت سفرياته شبه سنوية بواقع زيارة كل عام، بحسب الوثيقة”.

ويضاف إلى ذلك ما كشفته وثيقة لوزارة الخارجية الأمريكية سربت لموقع “ويكليكس” ونشرتها صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية يوم 08 أبريل/ نيسان 2011، أن: “ضباطا من الجيش الإسرائيلي اشتكوا لنظرائهم الأمريكيين من طنطاوي، بأنه كان بمثابة عائق أمام الجهود التي تبذلها إسرائيل لمحاربة نقل الأسلحة إلى قطاع غزة.

وتُظهر الوثيقة من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2009 أن ضباطا في الجيش الإسرائيلي اشتكوا أمام نظرائهم الأمريكيين في لقاءات الحوار الإستراتيجي بين أمريكا وإسرائيل من أن المشير طنطاوي: “لا يساهم في جهود محاربة تهريب الأسلحة إلى القطاع بل يشكل عائقا”.

وفي 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، قال السيسي: إنه “لن يسمح بتحول سيناء إلى قاعدة لتهديد أمن إسرائيل وجيران مصر، مستعينا بذلك بالإجراءات الأمنية المشددة التي اتخذها مؤخرا هناك”. وجاءت تصريحات السيسي ردا على سؤال مذيعة قناة فرنسا 24 خلال حوار صحفي، هل ترى أنه يجب محو حركة حماس كما تراه إسرائيل؟، وأجاب السيسي بأن: “الإجراءات الأمنية التي تم اتخاذها في سيناء هي أولا لتأكيد السيادة المصرية هناك، وعلى أن مصر لن تسمح باتخاذ سيناء كقاعدة لتهديد الجيران، وشن هجمات ضد اسرائيل”.

الثابت في العقيدة القتالية للجيش المصري، هو الدفاع عن الأرض، وعدم التفريط فيها، ومحاولة السيسي نزع تأييد مطلق وكامل من المؤسسة العسكرية فيما يتعلق بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، وهو ما رفضه قادة سابقون للجيش، على رأسهم سامي عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة السابق. وفور التصديق على الاتفاقية في 14 يونيو/ حزيران 2017، قال سامي عنان: “ليس من المهم الآن إثبات مصرية تيران وصنافير فمصريتهما ليس مشكوك فيها.. ولكن المشكوك فيه هو مصرية من يعارضون مصرية الجزيرتين”.

أما الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء والمرشح الرئاسي السابق والقائد السابق للقوات الجوية، فأكد أيضا مصرية تيران وصنافير، وحذر من مغبة التفريط في التراب الوطني بهذه الطريقة. أما الفريق مجدي حتاتة، رئيس أركان القوات المسلحة وقائد الحرس الجمهوري سابقا، أكد أن “جزيرتي تيران وصنافير” مصريتان، وقال: “أبدا لم تكن ولن تكون إلا مصرية، حقيقة عرفتها كمقاتل وتأكدت منها كقائد، تيران وصنافير مصرية.. عاشت مصر حرة مستقلة”.

وزاد من طبيعة الصراع مشاركة ممثلة عن جهاز المخابرات سابقا في تأييد مصرية الجزر وهي المستشارة هايدي فاروق الخبيرة في ترسيم الحدود الدولية، ومديرة مكتب رئيس المخابرات المصرية السابق ونائب رئيس الجمهورية الراحل عمر سليمان، التي استعان بها النواب المعارضون في جلسة، وأكدت تكليف “سليمان” والمشير طنطاوي وزير الدفاع السابق لها بجمع وثائق عن تبعية تيران وصنافير انتهت لأنها “مصرية”.

الصحفي المصري محمد مجدي قال إن “قضية التفريط في تيران وصنافير، من النقاط السوداء في التاريخ المصري الحديث، وهي غصة في قلب كل مصري أن يرى تراب وطنه، ودماء الشهداء يتم التفريط فيها وبيعها، بهذه السهولة”.  وأكد مجدي، أن: “الكثير من الجهات السيادية في مصر لم تكن راضية عن بيع تيران وصنافير، وعلى رأسهم قادة القوات المسلحة مثل الفريق سامي عنان، والفريق أحمد شفيق، وأقول على مسؤوليتي لو تم عمل استفتاء داخل الجيش على بيع الأرض لرفض الجميع بشكل قاطع، فالذين سبقوا في الجيش دفعوا ثمن هذه الأرض من دمائهم لتبقى للأجيال، لا ليتم بيعها”.

دعم إسرائيلي للسيسي 

المسألة الأخطر في عقيدة السيسي العسكرية، يتمثل في التنسيق الكامل مع إسرائيل، ففي 31 يناير/ كانون الثاني 2016 كشفت صحيفة معاريف الإسرائيلية النقاب عن معلومات تفيد بأن: “إسرائيل قدمت دعما للجيش المصري في سيناء يتمثل في الصواريخ الاعتراضية والمعلومات الأمنية عن المسلحين هناك”.  وذكرت أن: “رئيس جهاز الشاباك الإسرائيلي يورام كوهين زار القاهرة خلال الحرب على غزة صيف 2014 وبعدها، وتباحث مع المصريين في قضايا تتعلق بغزة وحركة حماس”.

كما أضاف وزير البنى التحتية والطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينتس، أن: “السيسي غمر الأنفاق على حدود بلاده مع قطاع غزة بالمياه (بناء على طلب من إسرائيل)، وأن التنسيق الأمني بين إسرائيل ومصر أفضل من أي وقت مضى”.

كان الجيش المصري بدأ في 11 سبتمبر/ أيلول 2015 ضخ كميات كبيرة من مياه البحر في أنابيب مدها على طول الحدود مع قطاع غزة لتدمير الأنفاق الموجودة أسفل الحدود عبر إغراقها، ولاستكمال مخطط إنشاء منطقة خالية من الأنفاق في الشريط الحدودي مع غزة الذي بدأت السلطات المصرية العمل فيه منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2014″.

وفي 5 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، في مقالها بعنوان “مصلحة أمنية حيوية: لماذا تتضامن إسرائيل سرا مع سيسي مصر”، أشارت الصحفية السابقة بهآرتس الإسرائيلية ليلي جليلي، إلى قول مسؤولي مخابرات سابقين إن: “إسرائيل تدعم رئيس مصر في تكتم لتقويته في مواجهة موجة الاحتجاجات الحالية، لكنها لا تجرؤ على دعمه علنا خشية إضعافه أكثر”.

وقالت جليلي في مقالها بموقع ميدل إيست آي البريطاني: إن “أعضاء البرلمان الإسرائيلي المعارضين -على غير عادتهم بالامتناع عن التحدث علنا حول هذه المسألة- يقولون إن هناك قلقا عميقا بشأن مستقبل رجل غالبا ما يوصف بأنه زعيم مصر الأكثر تأييدا لإسرائيل على الإطلاق”.

وأضافت الكاتبة: أن العلاقة بين السيسي ونتنياهو ليست من نوع الانسجام المتبادل، ولكنها علاقة مصالح مشتركة. وفي عهد السيسي وصل التعاون العسكري مع إسرائيل في سيناء إلى مستويات غير مسبوقة فيما يتعلق بتبادل المعلومات الاستخبارية حول تنظيم الدولة والقاعدة في سيناء كتهديد مشترك.

14,884 total views, 38 views today