كيف ساعدت أمريكا إثيوبيا في بناء سد النهضة؟

على مدي 66 عاما، قدمت الولايات المتحدة الأمريكية مساعدات مباشرة وغير مباشرة لإثيوبيا من أجل بناء سد لحجز المياه، تنوعت ما بين استشارات هندسية ودارسات مسحية، مرورا بتقديم معلومات استخباراتية مهمة، ووصولا بالحشد الدولي لتقديم الدعم المالي اللازم لبناء السد الذي عرف فيما بعد بـ “سد النهضة”.

في عام 1953 بدأت فكرة بناء سد النهضة، عندما أعلنت أثيوبيا عن اعتزامها إنشاء سد كبير على النيل لتوليد الكهرباء؛ ووقتها استعان الإمبراطور الإثيوبي “هيلا سيلاسي” بمكتب الاستصلاح الزراعي التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، وفقا لتقرير أورده موقع “ساسة بوست. وفى المقابل قدم مكتب الاستصلاح الزراعي الأمريكي دراسة مسحية لـ “سيلاسي”  على امتداد النيل الأزرق، تقترح 26 موقعًا صالحًا لإنشاء السدود، بينها الموقع الحالي لسد النهضة.

وحين شرعت إثيوبيا في بناء السد، أرسل الرئيس الأسبق “جمال عبد الناصر” رسالة تهديد لصديقه الإثيوبي “سيلاسي”، جاء فيها: “نطالبكم بوقف أعمال بناء السد، لأننا نعتبره تهديدا لحياتنا؛ مما يستدعي تحركا مصريا غير مسبوق”. ثم عادت الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل مرة أخري، في ملف السد، في عهد الرئيس الأمريكي أيزنهاور (1953 – 1961)، لإقناع الإمبراطور بتقليل ارتفاع السد من 112 مترًا إلى 11 مترًا فقط.

وكان “هيلا سلاسي” آخر أباطرة إثيوبيا، وانتهى حكمه عام 1974، عندما خلعه القادة العسكريون وأنشأوا حكومة مؤقتة. وبعد سقوط النظام الإثيوبي الحاكم في عام 1991، صعد إلى سُدة الحُكم عبر انقلابٍ عسكري، رئيس الوزراء الراحل “مليس زيناوي”، الذي قاد بلاده لنهضة اقتصادية وزراعية. وفي عام 2009، شجع تحالف “زيناوي” مع الولايات المتحدة، قيامه بإجراء دراساتٍ مسحية للمواقع التي حددتها سلفًا الخارجية الأمريكية على النيل الأزرق، والتي انتهت باختيار موقع سد النهضة الحالي.

بعدما انتهت إثيوبيا من وضع التصميمات الهندسية للمشروع، حصل “زيناوي” أواخر عام 2010 على معلومةٍ استخباراتية مفادها أنّ مصر تستعد للتدخل العسكري لاستهداف موقع السد، ليتهم القاهرة علانيةً بالتخطيط للحرب. المعلومة الاستخباراتية السابقة نشرها موقع “ويكليكس” عام 2012، وأكدها الرئيس الأسبق “حسني مبارك” في تسريبٍ صوتي منسوب له، قال فيه إنه كان مُستعدًا لضرب السد بطائرة “توبوليف” – قاذفة قنابل سوفيتية تسبق سرعة الصوت– في حال أقدمت إثيوبيا على تنفيذ تهديدها.

وبعدما أعلنت إثيوبيا في عام 2011 وضع حجر الأساس لبناء السد، الذي تبلغ تكلفته نحو 5 مليارات دولار، كشفت وكالة “بلومبرج” الأمريكية أنّ الشركة العسكرية الإثيوبية “Metals & Engineering Corp”، التي أُسند إليها تنفيذ المشروع، تعمل بالشراكة مع شركة “Spire Corp” الأمريكية، التي تتولى توفير التوربينات والمولدات وجميع المعدات الكهربائية التي يحتاجها السد. وبحسب الصفقة، فإن الشركة مسئولة عن توريد ثماني توربينات ومولدات لوضعها في السد، بقيمة 250 مليون يورو للشركة الإثيوبية. وبحسب تصميم المشروع، فأديس أبابا صممت 16 بوابة للسد، وجميعها أيضًا صناعة أمريكية من ماركة “francis

الدعم الأمريكي المباشر لإثيوبيا كشفه نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم الفضاء بالأمم المتحدة، “علاء النهري”، والذي أعلن لوسائل إعلام مصرية أن الولايات المتحدة تشوش على الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية لسد النهضة الإثيوبي، من خلال القمر الأمريكي المتاح لالتقاط الصور للسد “land sat 8”. وأضاف المسؤول الأممي أن واشنطن كانت تضع قناعًا أبيض على الصور؛ كي لا تتمكن مصر من متابعة مراحل بناء السد وتفاصيله.

غير أن الرغبة الأمريكية في تغطية السد الإثيوبي عن الأنظار سُرعان ما تلاشت، عقب الصور التي نشرها القمر الصناعي “جاسون2″، المتخصص في تجميع منسوب مياه البحيرات والأنهار في العالم، والذي أعلن عام 2015 عن انخفاض منسوب بحيرة ناصر بنحو أربعة أمتار، وهو الخبر الذي تكتمت عليه السلطات المصرية، وأكد أنّ واشنطن تساعد أديس أبابا في مشروعها المائي. ويبدو الحشد الأمريكي لدعم إثيوبيا، بحسب ما نشرته الأمم المتحدة عبر موقعها الرسمي الخاص بأفريقيا.

ففي الوقت الذي واجهت فيها أديس أبابا أزمة تمويل، طالب الموقع الدول الكبرى بدعم مشروع سد النهضة، الذي وصفته بأنه مشروع شجاع في دولة من أفقر الدول في العالم، وهو الذي سيحولها لأقوى دولة في القارة. في الثاني من أبريل/نيسان عام 2018، تولى “آبي أحمد”، رئاسة الوزراء في إثيوبيا، ليصبح أصغر رؤساء حكومات أفريقيا الذين قادوا مجموعة من الإصلاحات التي أنقذت بلاده من الحرب الأهلية.

وخلال 10 أشهرٍ من حُكم “آبي”، أصبحت إثيوبيا الدولة الأسرع نموًّا في القارة اقتصاديًّا، وبفضل موقعها الاستراتيجي المُتاخم للقرن الأفريقي، فإنها تسعى لتصبح مركزًا للاقتصاد في المنطقة، بفضل الطرق الدولية والسكك الحديدية التي تصلها مع دول الجوار، وهو ما دفع الشريك الأمريكي الذي تدخل بقوة في دعم مشروع سد النهضة، إلى تحذير رئيس الوزراء الإثيوبي من التوغل في الأنشطة التجارية الصينية؛ خوفًا من الغرق في الديون. وبالرغم من الدور الأمريكي الواضح للولايات المتحدة الأمريكية، أعلنت الرئاسة المصرية عن تطلعها إلى تدخل الولايات المتحدة الأمريكية لحل أزمة سد النهضة مع إثيوبيا ، مؤكدة أنها وصلت لطريق مسدود.

من جانبه رحب البيت الأبيض بالدعوة المصرية، وقال إن واشنطن ستتدخل بصفتها وسيطًا محايدًا، غير أن أديس أبابا قابلت المقترح المصري والترحيب الأمريكي بالرفض التام، مستندة لبنود “وثيقة السد” التي وقعها “السيسي” عام 2015. والأسبوع الماضي، شهدت الخرطوم، الاجتماع الثلاثي لوزراء الموارد المائية والري في مصر والسودان وإثيوبيا، لبحث ملف مقترحات ملء وتشغيل السد.

وفيما لم يصدر عن الاجتماع بيان ختامي، قالت القاهرة إن مفاوضات سد النهضة الإثيوبي وصلت إلى “طريق مسدود”، وطالبت بتدخل وسيط دولي، في مقابل نفي إثيوبي ورفض للوساطة، وتفاؤل سوداني بقدرة اللجنة الفنية على مواصلة العمل لحلحلة التعقيدات والاختلافات بين الدول الثلاث، وفق بيانات وتصريحات آنذاك. وأكد “السيسي”، عقب الاجتماع، أن “المؤسسات المصرية (لم يوضحها): مستمرة في اتخاذ ما يلزم من إجراءات على الصعيد السياسي وفى إطار محددات القانون الدولي لحماية حقوق مصر”.