قبل حلول ذكرى يناير..هل مصر على أعتاب ثورة جديدة تطيح بالسيسي؟

أقل من ثلاثة أشهر تفصل المصريين عن الذكرى التاسعة لثورة 25 يناير التي أسقطت نظام مبارك، دون أن تتحقق مطالبهم “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”، وسط ظروف أشد قسوة، قد تشعل نارا تحت الرماد. ويمكن القول أن الظروف التي مهدت للثورة التي أطاحت بالرئيس المخلوع “حسني مبارك”، أعيد إنتاجها بشكل أشد بشاعة، بل زاد الأمر وطأة، تورط نظام “عبدالفتاح السيسي” في جرائم عدة تتعلق بإراقة الدماء، وبيع الأرض (تيران وصنافير)، وأزمة المياه (سد النهضة) وارتفاع نسبة الفقر.

وفي ضوء ذلك توشك هذه الأحداث أن تدفع المصريين بقيام ثورة جديدة على نظام عبد الفتاح السيسي، لكن هل يسمح نظام “السيسي” بتكرار ما حدث لـ”مبارك”، وهل هناك قوى سياسية قادرة على إدارة وقيادة الحراك الجماهيري، وهل يسمح النظام الإقليمي والدولي باستيقاظ الربيع العربي من جديد، وفي مصر تحديدا.. تساؤلات عدة على المسرح المصري، تطرح نفسها بقوة، في أعقاب حراك 20، و27 سبتمبر/آيلول الماضي، والذي فجره الفنان والمقاول “محمد علي”. التقرير التالي يحاول أن يميط اللثام، عن ظروف الواقع، ومستجدات الوضع، بما قد يوفر رؤية استشرافية قد تمنح الشارع المصري، بعض الإجابات.

بكرة تشوفوا مصر 

لا جدال في أن بذور ثورة تختمر في مصر، وهو أبرز ما خلصت إليه صحيفة “الإندبندنت” البريطانية، في رؤية لها لمستقبل الاحتجاجات ضد حكم “السيسي”، والتي وصلت إلى حرق صوره، ورفع شعار “ارحل”، بل والنيل منه شخصيا ومن أسرته، عبر مواقع التواصل. ويبدو أن تسريبات “علي” عن حجم الفساد وتبديد أموال البلاد على قصور رئاسية ومشروعات لا جدوى من ورائها، كانت “مجرد شرارة”، تخفي ورائها الكثير من الغضب المكتوم، جراء تدهور الأوضاع المعيشية في البلاد.

الحال تدرج في عهد “السيسي”، من وعود بـ”انتوا نور عينينا، وبكرة تشوفوا مصر، وهتبقى أد الدنيا”، إلى  “اصبروا ستة شهور، ثم سنتين”، ولاحقا “مفيش، معنديش، هتاكلوا مصر يعني، احنا فقرا أوي أوي”.

ربما كان هناك قطاع يحاول تصديق الجنرال الذي أطاح بأول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد، في 3 يوليو/تموز 2013، لكن العاصمة الإدارية الجديدة، والمقار الجديدة للوزارات الحكومية، وناطحات السحاب في مدينة العلمين، والمقر الصيفي للحكومة المصرية، وصفقات السلاح الضخمة، كانت تحمل جرس إنذار بأن شيئا غير صحيح يجري وراء كواليس إدارة الدولة المصرية.

القشة التي قصمت ظهر البعير- إن صح التعبير- إصرار “السيسي” على تحدي المقاول “محمد علي”، معترفا خلال مؤتمر للشباب، الشهر الماضي، بصحة اتهاماته، قائلا: “أيوة ببني قصور، وهعمل، وأعمل وأعمل تاني”، بدعوى أنه يبني “دولة جديدة”.

 

فقر وقمع

الدولة الجديدة التي يبنيها السيسي، باتت محملة بمديونية تتجاوز حاجز الـ106 مليارات دولار كدين خارجي، إلى جانب ديون داخلية تفوق 241.9 مليارات دولار، وفق بيانات حكومية. كذلك زادت معدلات الفقر (أكثر من 33% من المصريين تحت خط الفقر)، وارتفعت الأسعار بشكل فاحش، مع انهيار العملة المحلية، وتزامن ذلك مع إجراءات قاسية من الحكومة بخفض الدعم، وفرض الضرائب، وتقليل مخصصات التموين، ووقف التعيينات في الجهاز الحكومي.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد طال التدهور أوضاع حقوق الإنسان، وزادت انتهاكات الأجهزة الأمنية، وسط ارتفاع لوتيرة عمليات التصفية، وتطبيق أحكام الإعدام بحق معارضين، وتزايد أعداد المعتقلين والمختفين قسريا، وحجب الصحف، وتكميم وسائل الإعلام، وتقييد حرية العمل الأهلي والخيري، وهي كلها مؤشرات تؤكد أن طنجرة الضغط المصرية تقترب من الانفجار.

إذن باتت البيئة خصبة لتكرار سيناريو يناير بعد أن تم كسر جدار الخوف، وبات الحديث عن فساد “السيسي” علنا، مع الأخذ في الاعتبار أن قبضته الحديدية ليست قوية بالقدر الكافي الذي كانت عليه من قبل، بعد أن توالت التسريبات من داخل قصوره واستراحاته الرئاسية، وباتت تبث يوميا عبر قنوات معارضة من الخارج.

مبارك” و”السيسي

الأخير ليس مثل سلفه، الذي تنحى عن الحكم تحت ضغط المجلس العسكري للقوات المسلحة في 11 فبراير/شباط 2011، مقارنة برأس النظام الحالي الذي هدد في وقت سابق، قائلا: “يا حياتي.. يا مدتي”، في إشارة إلى أنه لن يتخلى عن إكمال مدته الرئاسية، التي تنتهي في 2024.

ووسط مؤشرات عن صراع أجنحة داخل أروقة الحكم، ومعركة تكسير عظام بين جناح موال للسيسي، وآخر مناوئ له، يتخلص “السيسي” من آن لآخر، من قيادات بارزة كانت داعمة للانقلاب العسكري على الرئيس الراحل “محمد مرسي”، ويقوم بتصعيد نجله “محمود” ليتولى منصب نائب رئيس جهاز المخابرات العامة.

ومع توالي الحديث عن بيزنس “محمود”، وقصور وفيلل العائلة، يبدو أن غضبا يتصاعد تجاه تصاعد نفوذ نجل الرئيس، مع تغييب قيادات لها وزنها داخل أجهزة سيادية، قد تدعم مشهدا على غرار 30 يونيو/حزيران 2013، يجنب البلاد الانزلاق إلى سيناريو الفوضى، ويتوافق مع مصالح إقليمية ودولية تخشى انفجار الأوضاع في مصر إلى ما يحمد عقباه.

بموازاة ذلك، يجب الأخذ في الاعتبار أن جيلا جديدا من الشباب المصري، ممن لم يتعرض لإحباط فشل يناير، قد دخل إلى الساحة، محملا بطموح جديد نحو إحياء الربيع العربي، الذي هبت رياحه من جديد في السودان، والجزائر، والعراق.

إذن فإن موجة جديدة لثورة يناير، تكتسب قوة دفع جديدة، باستمرار تسريبات “محمد علي”، وإخفاقات “السيسي”، وإصرار الأجهزة الأمنية على ارتكاب الأخطاء ذاتها التي قد تشعل النار في الهشيم.

لكن أمام هذا السيناريو، عقبتان، الأولى تتمثل في فقدان تلك الموجة، عنصر المفاجأة الذي توافر لثوار ميدان التحرير، والثانية، غياب القوى الفاعلة قسرا عن المشهد مثل جماعة “الإخوان” وحركة “6 إبريل”، وروابط “الأولتراس”، جراء الاعتقال والملاحقات الأمنية.

موجة محتملة دون قيادة سياسية، أو كوادر ميدانية، قد يعجل بفشلها قبل أن تبدأ، لكن ربما يكون ذلك سببا يحول بينها وبين مواءمات الساسة، وتنازلات التيارات المؤدلجة، ما قد يكسبها زخما شعبيا، يوقظ روح التحرير من جديد، في مختلف ميادين مصر، وحال ذلك، قد تتناغم مع تلك الروح، حسابات المؤسسة العسكرية في البلاد.