لماذا لن يجلب حكم السيسي الاستقرار لمصر؟

عندما اجتمع قادة العالم في نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر/أيلول 2019، هنأ الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” صديقه “عبد الفتاح السيسي” على إنجازاته. وقال “ترامب”: “لقد قام ببعض الأشياء المدهشة للغاية في فترة قصيرة من الزمن. عندما تولى المنصب منذ وقت ليس ببعيد، كانت مصر في حالة اضطراب. وقد أصبحت مستقرة الآن”.

لكن الكثير من المصريين يختلفون مع “السيسي”. فربما لا تعاني مصر من اضطرابات واسعة النطاق حتى الآن، لكن الآلاف من الناس احتجوا على مدى الأسبوعين الماضيين في شوارع عدة مدن للتعبير عن استيائهم من حكم “السيسي” لأول مرة منذ أعوام. وفي حين حاول “السيسي” التقليل من أهمية الاحتجاجات قبل مغادرته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، تظهر الإجراءات الصارمة في الداخل أنه يأخذها على محمل الجد.

وتكثف الحكومة حملتها الأمنية من خلال تعطيل الإنترنت والاعتقال الجماعي لنحو 2000 شخص للحد من المظاهرات. وفي حين منعت هذه الإجراءات العديد من المصريين من الانضمام إلى الاحتجاجات حتى الآن، تعد الحملة القمعية رمزا للاستقرار القسري الذي قاده “السيسي” في الأعوام الأخيرة. ويجب أن تذكّر عودة الاحتجاجات العامة في مصر الاتحاد الأوروبي بأن سياساته لا توفر أساسا للاستقرار طويل الأجل في مصر، ويجب على دول الاتحاد الضغط على السيسي من أجل تصحيح المسار والدعوة إلى وقف القمع.

الإحباط الاقتصادي وفقدان الكرامة

وجاءت نقطة الانطلاق للاحتجاجات الأخيرة من مصدر غير محتمل إلى حد ما، حيث جاءت مدفوعة برسائل فيديو مسجلة اتهم فيها رجل الأعمال “محمد علي”، المقيم في المنفى في إسبانيا، “عبد الفتاح السيسي” بإهدار المليارات على مشاريع فخمة للتفاخر الشخصب، وتسهيل الفساد المنهجي. وحققت مقاطع الفيديو نجاحا كبيرا على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تلقت ملايين المشاهدات. ويؤكد “علي” مصداقيته كمستفيد سابق من النظام الفاسد يبلغ الآن عن المخالفات، ويصدر مقاطع الفيديو تحت عنوان “أسرار محمد علي”، وهو اسم قناته على “يوتيوب”. ويستخدم “علي” منصات التواصل للدعوة إلى مظاهرات سلمية، ويطالب المصريين بالخروج لاستعادة حريتهم.

وبوضع التكهنات بأن بعض منافسي “السيسي” الداخليين يقفون وراء ما حدث جانبا، فإن رسائل الفيديو تلك تعكس دلالات أوسع بكثير. وعلى الصعيد الاقتصادي، من المؤكد أن مزاعم الفساد ليست جديدة في نظام تهيمن عليه النخبة العسكرية. وفي حين أنتجت إصلاحات “السيسي” بعض النمو الاقتصادي، بيد أنها لم تحسن بعد الظروف المعيشية لغالبية الشعب المصري. ويزداد معظم المصريين فقرا كل يوم، حيث يعيش ثلثهم بالفعل تحت خط الفقر. والأهم من ذلك، كان هذا التراجع الاقتصادي مصحوبا بحملة سياسية وأمنية منهكة أسوأ بكثير مما شهده المجتمع المصري تحت قيادة “حسني مبارك”. وكانت هذه العوامل هي ذاتها التي دفعت المصريين إلى المطالبة بسقوط نظام “مبارك” في ميدان التحرير عام 2011.

وفي عهد “السيسي”، قمعت السلطات الأصوات المعارضة، وأبرزها جماعة الإخوان المسلمين. وفي أغسطس/آب 2013، قتلت الأجهزة الأمنية أكثر من 900 محتج خلال “مذبحة رابعة” الشهيرة. ولم يتم التحقيق رسميا في هذا الحادث، حيث تم منح الحصانة لمرتكبي المذبحة رسميا، ما يشير إلى أن الحكومة لم تتسامح مطلقا مع جماعة الإخوان المسلمين، التي حظرتها وأعلنت أنها منظمة إرهابية في عام 2013. واحتجزت السلطات قادة الإخوان وعشرات الآلاف من أعضاء الجماعة أو المتعاطفين معها باسم مكافحة الإرهاب. وبين عامي 2013 و2019، أصدرت المحاكم المصرية ما لا يقل عن 2400 حكم بالإعدام. وكانت جنازة الرئيس السابق “محمد مرسي”، الذي توفي مؤخرا في الحجز في ظل ظروف غير واضحة، عبارة عن عملية أمنية مشددة.

وفي مصر “السيسي”، أصبحت مزاعم التآمر بدعم الإخوان المسلمين، واستدعاء التدخل الأجنبي، أداة قوية لتشويه سمعة المعارضين السياسيين واضطهادهم. ومما لا يثير الدهشة، أن السلطات وجهت نفس الاتهامات إلى المشاركين في الاحتجاجات الحالية. وفي حين قد تحتفي النخبة العلمانية في مصر بمطاردة الإسلام السياسي، إلا أن ذلك يلحق الضرر بالنسيج الاجتماعي في مصر، حيث يظل الإسلام السياسي والعديد من مؤسساته الاجتماعية غير الرسمية ذا أهمية عميقة للمجتمع المصري.

وفي حين يبطش أفراد الشرطة والجيش بالمصريين دون أي عقاب تقريبا، يواجه المواطنون الذين يعبرون عن السخط عواقب وخيمة. وتحت راية “مكافحة الإرهاب”، قضت الحكومة إلى حد كبير على الحق في التجمع وحرية التعبير والاحتجاج، وقمعت الصحافة المستقلة. وحظر “قانون المنظمات غير الحكومية” لعام 2018، الذي تم تعديله بشكل هامشي بعد نقد دولي، معظم المنظمات التي تعمل بشكل مستقل ووضعت المنظمات فعليا تحت سيطرة الدولة. وغالبا ما تقوم السلطات باحتجاز وتعذيب الصحفيين والفنانين والناشطين، حيث يقع بعضهم ضحية للاختفاء القسري أو حتى الإعدام خارج نطاق القضاء.

إعادة تقييم

منحت إدارة “ترامب” مشروع “السيسي” الاستبدادي الضوء الأخضر، في مقابل ولائه العسكري والاقتصادي. وانتقدت أوروبا “السيسي” من حين لآخر، لكنها في النهاية وجهت رسالة مماثلة، وهي أنه طالما تضمن الدولة المصرية الاستقرار، خاصة في أعقاب أزمة الهجرة، فسوف يتجاهل القادة الأوروبيون الانتهاكات. ويرى القادة الأوروبيون من أن تأثيرهم ضئيل بالفعل على “السيسي”، بالنظر إلى علاقته بالولايات المتحدة ودول الخليج. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال مصر لاعبا رئيسيا في النزاعات الإقليمية، مثل النزاع في ليبيا، وكذلك في عملية السلام في الشرق الأوسط. وتعد مصر أيضا شريكا اقتصاديا وسوقا مهمة لأوروبا، فضلا عن كونها متلقيا رئيسيا للأسلحة من ألمانيا وفرنسا.

ولكن في هذا المنعطف الحرج، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يتراجع عن قبوله لسياسات “السيسي”. ولفترة طويلة جدا، ظلت الكتلة الأوروبية مكتوفة الأيدي بينما تقوم حكومته بانتهاكات شاملة للحقوق الأساسية للمصريين. ويحتاج الاتحاد الأوروبي إلى إعادة تقييم منهجه، وإرسال رسالة واضحة إلى “السيسي” مفادها أن أي تصعيد إضافي في قمع الدولة سيقود الاتحاد إلى تقليص ارتباطه بمصر. وهذا مهم بشكل خاص بالنظر إلى المساعدات المالية الكبيرة التي قدمتها أوروبا لمصر، التي تضم أكثر من 11 مليار دولار في شكل منح وقروض ومبادلة ديون، بالإضافة إلى قرض صندوق النقد الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، البالغ 12 مليار دولار.

وتهتم بلدان البحر المتوسط ​​الأوروبية بشكل خاص بفعل كل ما يلزم للتوافق مع “السيسي”. وبالمقارنة مع تلك الدول الموجودة في شمال وشرق أوروبا، سوف تواجه الدول الواقعة على الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي تحديا أكبر نتيحة أي ارتفاع في أعداد اللاجئين الفارين جراء الأزمة المتصاعدة في مصر.

وفي الوقت نفسه، تحتاج مصر إلى تحويل مقاربتها للتنمية الاجتماعية والاقتصادية بعيدا عن التركيز الحصري على نمو الناتج المحلي الإجمالي، نحو التركيز على تهيئة فرص أفضل لجميع المصريين. ويجب على الحكومة ألا تتجاهل مزاعم الفساد، بل تحقق فيها بشكل موثوق. وفي الوقت الذي يعملون فيه لاحتواء الأزمات المختلفة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يجب على القادة الأوروبيين أن يدركوا أن حكم “السيسي” الاستبدادي لا يوفر الاستقرار الذي يرغبون فيه.

وقد قام “السيسي” بالفعل بتغيير الدستور للسماح بتمديد حكمه حتى عام 2030. وبعد أعوام من الاضطراب السياسي وعدم اليقين، سئم المصريون من التغيير ويطمحون لتحقيق الاستقرار. وقد يرى البعض “السيسي” على أنه الخيار الأفضل لزيادة استقرار الوضع الداخلي في مصر. لكن المصريين قد يفقدون صبرهم قريبا، فالسخط المكبوت على نطاق واسع، والغضب المكتوم من النظام، لا يمكن أن يشكلا أساسا للتنمية المستدامة.

وفي خطابه الأخير في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ادعى وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” أن هناك حاجة إلى وضع سياسات أكثر استدامة تهدف إلى منع الأزمات بدلا من التعامل معها. والآن هو الوقت المناسب للدول الأوروبية للانخراط في عمل متضافر يساعد مصر على الخروج من مأزقها الاقتصادي والسياسي. وإذا لم تفعل ذلك، فقد تنضم أكبر دولة من حيث عدد السكان في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى القائمة الطويلة لتلك الدول التي وقعت ضحية الصراعات المستعصية في المنطقة.