كيف عمل السيسي على التنكيل بأسرة الرئيس مرسي؟

“إنَّ لآل مرسي 50 من الرجال لو أُزهقت أنفاسهم نفسًا نفسًا، ولو قتلونا رجلًا رجلًا، أو اعتقلونا جميعًا، لن نعطي الدنية أبدًا، سنظلُّ على عهدنا مع والدي، وهذا ما ربَّانا عليه أبي.. أنا جاهز للاعتقال أو القتل، ولن يروا منا ضعفًا أبدًا”. قبل وفاته بأيام إثر أزمة قلبية وهو يقود سيارته، سجَّل الشاب عبدالله نجل الرئيس الراحل محمد مرسي، هذه الكلمات التي تُلخِّص ما تعرَّض له والده وعائلته لأشدِّ أنواع التنكيل، مُنذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو/ تموز 2013.

ملحمة من الصمود تجسَّدت برحيل الرئيس الأب في 17 يونيو/حزيران 2019، والذي غدا رمزاً للنضال والثبات، ثم رحيل الابن الأصغر بعده بـِ 80 يوماً فقط، لتُلَخِصَ وفاته قصة الاضطهاد والحصار والتنكيل الذي تعرَّضت ومازالت تتعرَّض له عائلة الرئيس الشهيد محمد مرسي. بالطبع لا وجه للمقارنة بين ما تعرَّضت له أسرة أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في تاريخ البلاد من انتقام، وبين ما تحياه أسرة الرئيس المخلوع حسني مبارك، أو أسرة عبد الفتاح السيسي.

ملاحقة الورثة

قبل أيام من وفاة عبد الله مرسي، النجل الأصغر للرئيس الراحل، أعلن مصدر قضائي مسؤول بنادي القضاة، لموقع “القاهرة 24″، أنَّ النادي سيُلاحق ورثة الرئيس مرسي، مطالباً إياهم بسداد غرامة قدرها مليون جنيه (نحو 60 ألف دولار) تعويضاً للقاضي علي محمد النمر، في القضية المعروفة إعلامياً بـ ِ”إهانة القضاء”.

وقال المصدر: إنَّ “لجنة التحفُّظ على أموال جماعة الإخوان المسلمين لم تحصل الغرامة المقررة من محكمة جنايات القاهرة ضد الرئيس الراحل محمد مرسي، و19 آخرين في القضية المعروفة إعلامياً بإهانة القضاء”. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2018، رفضت محكمة النقض الطعن المُقدَّم من الرئيس مرسي و19 آخرين على حكم حبسهم 3 سنوات في قضية إهانة القضاء، وقررت تأييد حبسهم وإلزام كل منهم بأداء مبلغ مليون جنيه على سبيل التعويض للنادي، كما ألزمت محمد مرسي بأداء مبلغ مليون جنيه للقاضي على النمر.حتى في مماته بدت رغبة السيسي ونظامه في الانتقام من الرئيس، فشدَّدت السلطات المصرية من إجراءات الدفن في مقبرة بمدينة نصر شرق القاهرة، خلافاً لرغبة مرسي، بدفنه في مسقط رأسه بالشرقية، واقتصرت جنازته على أفراد قليلين من أسرته ومحاميه، ومنعت أسرته من أخذ العزاء وسط حراسات شديدة، ووجود أعداد كبيرة من قوات الأمن.

اعتقال الأبناء 

البداية من الابن الصغير عبد الله مرسي، الذي لحِق بأبيه الأربعاء 4 سبتمبر/أيلول 2019، وكان من أكثر عناصر الأسرة تعاملاً مع الإعلام، وهو ما عرَّضه للملاحقات المستمرة، والتشويه المُتعمَّد. في 1 مارس/ آذار 2014، تمَّ اعتقاله لمدَّة عام، بدعوى تورُطِه في قضية “تعاطي مخدرات” مع أحد زملائه، بعد ضبطهما داخل سيارة كانا يستقلانها بضاحية العبور في محافظة القليوبية.

قضية “تعاطي مخدرات” اعتبرها حقوقيون “مُفبركة”، خصوصاً أنَّّه تمّ وقتها إخلاء سبيل عبد الله وزميله في اليوم التالي، لكنَّ السلطات أعادت اعتقال نجل مرسي بعد إخلاء سبيله أثناء سفره على متن أحد القطارات المُتجهة إلى صعيد مصر، بذريعة أنَُّه يحاول الهرب من العدالة، في محاولة من السلطة الحاكمة لتشويه سمعة عائلة مرسي. ونشر “خالد جاد” الصديق المقرَّب من عبد الله مرسي، تدوينة بعد أيام من رحيله، يتحدَّث فيها عن تلك القضية، ومدى الغبْن الذي كان يشعر به عبد الله، نتيجة النيل من سمعته. وأُعيد اعتقال عبد الله لاحقاً في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، من منزل الأسرة في ضاحية الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، في أعقاب حوار أجراه مع وكالة “أسوشييتد برس” الأمريكية، كشف فيه عن أنّ “السلطات تمنع العلاج عن والده، وتجبِره على النوم أرضاً، بالمخالفة للوائح السجون والاتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر في مجال حقوق الإنسان”.

وأشار عبد الله في الحوار إلى أنَّه “يذهب كل شهر إلى سجن طرة مُنذ 5 سنوات، وينتظر تحت الشمس الحارقة، في محاولة للحصول على تصريح لرؤية والده، لكن دون جدوى”، مُؤكِّداً أنّ “الرئيس لا يعلم بمجريات الأمور في البلاد مُنذ اعتقاله، لأنهم يحاصرونه في السجن الانفرادي، ويعزلونه عن بقية السجناء، ولا يسمحون له بقراءة الصحف”. أمّا أسامة نجل الرئيس الراحل، فقد اعتقل في 9 ديسمبر/ كانون الأول 2016، من داخل منزله بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، عقب دعوته الأمم المتحدة إلى الالتفات لملف انتهاك حقوق والده داخل محبسه، وذلك تحت مزاعم اتهامه بـِ”ممارسة العنف ضد قوات الأمن خلال فضّ اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، في 14 أغسطس/ آب عام 2013″.

خلال تلك الفترة كان أسامة يتابع أيضاً قضية شقيقه الراحل عبد الله البالغ من العمر وقتها 19 عاماً، بعدما لفّقت له أجهزة النظام اتهامات بحيازة مواد مخدرة، في محاولة بائسة للضغط على والده وثنيه عن صموده لانتزاع اعتراف منه بالانقلاب العسكري وإضفاء شرعية على قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي. وفي 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، قضت محكمة جنح مستأنف ثان الزقازيق بقبول استئناف أسامة على حكم حبسه 3 سنوات، في قضية أخرى متهم فيها بحيازة سلاح أبيض، وتخفيف العقوبة إلى السجن لمدة شهر، إلا أنَّه لا يزال قيد الاحتجاز حتى الآن على ذمة القضية الأولى المتعلقة باعتصام رابعة.

إسقاط الجنسية

النيل من السمعة والتشويه المتعمد، لم يكن آخر فصول النظام في التضييق على أسرة الرئيس الراحل، حيث أقام أحد المحامين المقربين من النظام دعوى أمام  محكمة القضاء الإداري تطالب بإسقاط الجنسية عن الشيماء ابنة مرسي لتجنسها بالجنسية الأمريكية، دون الحصول على إذن السلطات المصرية”. وفي 30 يوليو/ تموز الماضي قضت المحكمة بعدم قبول الدعوى لانتفاء شرط المصلحة، حسبما أفادت البوابة الإلكترونية لصحيفة “أخبار اليوم” المملوكة للدولة.

وقالت المحكمة: “لا بد من توافر شرط لقبول دعوى الإلغاء، هو أن يكون المدعي في حالة قانونية، تجعل القرار المطعون فيه مؤثراً تأثيراً مباشراً في مصلحة شخصية خاصة به، وهو من غير المتوافر في الدعوى الماثلة، ومن ثم ينتفي شرط المصلحة اللازم لقبول الدعوى”.ودون أن يذكر الحكم أو منطوقه، قال أحمد مرسي، المتحدِّث باسم أسرة الرئيس الراحل: “نحن مسلمون مصريون عرب وطنيون..عقيدتنا وتراب أوطاننا وأوقافنا الإسلامية وقيمنا أغلى من الدنيا كلها ولو وزنت الذهب”.

وأضاف نجل مرسي، عبر صفحته على “فيسبوك”: “لا أنتم تملكون صكوك الإسلام ولا الوطنية ولا العروبة. صادروا أموالنا وحرياتنا وحتى حقنا في الحياة، ولكن والله وتالله وبالله، لا نغيّر ولا نُبدِّل ولا نتبدل، وعند الله الحق العدل الملتقى والحساب” محاربة أسرة الرئيس الراحل بدأت حتى وهو في قصر الاتحادية، عندما تقدَّم ولده عمر من خلال مؤهله الدراسي للحصول على وظيفة في الشركة القابضة للمطارات والملاحة الجوية في فبراير/ شباط 2013.

ورغم أنَّ وزير الطيران المصري في ذلك الوقت وائل المعداوي، صرح قائلاَّ: إنَّ “عمر محمد مرسي، الذي تخرَّج من الجامعة العام الماضي خضع للإجراءات الاعتيادية قبل التعاقِد معه، وأنَّ اختياره كان على أساس الكفاءة” إلا أنَّ وسائل الإعلام جعلتها مادة دسمة للتشنيع بالرئيس متهمة إياه بمحاباة ولده وهو ما جعل عمر يعلن تراجُعه عن استكمال أوراق التقدُّم للوظيفة. حينها قال نجل الرئيس على فيسبوك: “تقدَّمت للاختبار للوظيفة وأنا أعلم أنني سوف أهاجم وستنال مني الشائعات والأكاذيب كما نالت أبى وأسرتي مُنذ توليه المسئولية.. وللعلم مرتب الوظيفة ليس بالآلاف ولكنه 900 جنيه شهرياً (نحو 180 دولاراً وقتها). ومع هذا اخترت أن لا أكمل تقدُّمي بأوراقي لهذه الوظيفة..”.

زوجة الرئيس

السيدة “نجلاء علي محمود” زوجة الرئيس، أخذت نصيبها من تنكيل نظام السيسي، من خلال وسائل الإعلام، وكانت البداية من الصحفي المثير للجدل المحسوب على السلطة مصطفى بكري، الذي أصدر في 31 مارس/ آذار 2014، كتاب “مرسي في القصر.. نوادر وحكايات” عن الدّار المصرية اللبنانية، ويقع الكتاب في 255 صفحة. حيث زعم بكري أنَّ السيدة نجلاء: “حطَّمت بلاط حمامات قصر السلام المستورد، واستبدلته بسيراميكا، كما رفضت أثاث القصر واستبدلته بموبيليا دمياطية وأجلت السكن فيه إلى ما بعد 30 يونيو/حزيران (2013)”.

ونشرت صحيفة “فيتو” المقربة من الأجهزة الأمنية تقريراً في فبراير/ شباط 2013، خلال فترة حكم الرئيس، زعمت فيه أنَّ “السيدة نجلاء زوجة الرئيس تمارس جنون السلطة في طابا وأنها أنفقت 200 ألف دولار في رحلة هناك على متن طائرة خاصة استضافت خلالها 12 أسرة إخوانية في حماية حرس الرئاسة”.

وحاولت الآلة الإعلامية تقديم حرم الرئيس الراحل في صورة السيدة البسيطة، رغم أنها درست في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة في بيت الطالب المسلم كمترجمة فورية للأمريكيات اللاتي أشهرن إسلامهن، وعملت مترجمة في المركز الإسلامي بكاليفورنيا.

الرئيس مرسي ذكر في لقاء خاص مع الإعلامي عمرو الليثي، عندما سُئِل عن عدم إقامة أسرته في القصر الرئاسي، وتفضيله لبيته المستأجر، ليرُدَّ الرئيس أنَّ “هذا أمر طبيعي، فلا يوجد رئيس سيظلُّ رئيساً، فأنا في بيتي، والقصر بمثابة المكتب لإدارة شؤون الدولة، لكن بيتي أُقيم فيه مع آخرين (مستأجرون)، لأقابلهم وأصلي معهم وأزورهم، وأولادي يتنقلون ويتعاملون معهم”.

 

11 Comments

leave a reply