وزير الخارجية الإيطالي الجديد يزيد مخاوف السيسي بسبب قضية ريجيني

أثار زيادة عدد المقاعد الوزارية الخاصة بحركة “الخمسة نجوم” الإيطالية، وتولي زعيمها الشاب “لويجي دي مايو” وزارة الخارجية، خلفا للوزير المستقل القريب من “سالفيني”، “إنزو ميلانيزي”، قلق “عبدالفتاح السيسي”. وكان “دي مايو” عبر عن مواقف متشددة وداعية لاستخدام طرق غير تقليدية وقاسية ضد القاهرة، خلال وجوده في المعارضة عام 2016، الذي شهدت بدايته مقتل الطالب الإيطالي “جوليو ريجيني” في العاصمة المصرية.

وبعد دخوله حكومة “جوزيبي كونتي” وزيرا للتنمية الاقتصادية العام الماضي، كان “دي مايو” الضيف الإيطالي الأثقل على الرئيس المصري، عندما حذر بشكل واضح في أغسطس/آب 2018 لدى زيارته القاهرة من انهيار العلاقات المصرية الإيطالية بسبب تمسك المسؤولين المصريين بعدم الإفصاح عن طبيعة التحقيقات التي يقومون بها في قضية “ريجيني”، وعدم تقديم أي مساعدة للجانب الإيطالي، تمكنه من التوصل للشخصيات الضالعة في الجريمة. وخلال لقائه الوحيد بـ”السيسي”، قال “دي مايو” إن “حل قضية ريجيني أساس تجديد التناغم في العلاقة بين البلدين، وبعدها يمكن الحديث عن ضخ مزيد من الاستثمارات الإيطالية في مصر استغلالا لرغبة السيسي في جذب مزيد من الاستثمارات وتقديم حوافز كبيرة لرجال الأعمال الإيطاليين”.

وكان زعيم “الخمسة نجوم” يطالب سابقا، من مقاعد المعارضة، الحكومة باتخاذ خطوات لمعاقبة مصر اقتصاديا ردا على كل خطوة يترتب عليها تأخير التوصل لحقيقة ما جرى للطالب الإيطالي، وتقديم المجرمين للعدالة. وفيما يخص قضية “ريجيني”، فإن “سالفيني” كان من أنصار عدم ممارسة ضغوط خارجة عن المألوف على مصر، وكان له تصريح شهير في ديسمبر/ كانون الأول 2018 قال فيه “نحن نحكم إيطاليا ولا نحكم مصر”، وهو ما لم يكن مرحبا به من قبل رئيس الوزراء “كونتي”، المعروف بقربه فكريا وسياسيا من حركة الخمسة نجوم، والتي يبدو زعيمها “دي مايو” الصوت الأقوى والأكثر تأثيرا في الحكومة حاليا.

ضغوط سياسية

وكان آخر ضغط سياسي على مصر بالطرق الدبلوماسية حصل بعد تشكيل حكومة “كونتي” الأولى ويتمثل في استدعاء وزير الخارجية السابق “إنزو ميلانيزي” السفير المصري لدى روما “هشام بدر” في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أيضاً، لحثه على نقل الغضب الإيطالي من التباطؤ المصري، بعدما أصرت النيابة العامة المصرية على عدم منح نظيرتها الإيطالية تفاصيل التحقيقات التي من المفترض أنها أجرتها في قضية مقتل أفراد عصابة السرقة التي ادعت الشرطة أنها هي التي اختطفت ريجيني بدافع السرقة وعذبته حتى الموت ووجدت الشرطة متعلقاته مع أفرادها، وهي الرواية التي اضطر النائب العام المصري “نبيل صادق” لإعلان عدم معقوليتها تحت ضغط الإيطاليين منذ أكثر من عام، لكن لم يحدث أي تحسن ملموس.

وأرسل المدعي الإيطالي في أغسطس/آب الماضي، بحسب مصادر قضائية مطلعة، طلباً للنيابة العامة للاطلاع على مستجدات التحقيق في القضية، وما تم فيها خلال الشهور الثمانية الماضية التي سيطر عليها جمود في التعاون الثنائي القضائي بين البلدين في هذه القضية، نتيجة عدم سماح السلطات المصرية باستجواب أي من الضباط المشتبه فيهم في إيطاليا، وامتناعها عن تقديم أي إفادات عما إذا كانت قد أجرت بعض التحقيقات معهم من عدمه، وذلك بعد إعلان رئيس الوزراء جوسيبي كونتي في اجتماع السفراء الدوري في روما أنه لن يكف عن مطالبة مصر بتوضيح الحقيقة بالطرق السياسية.

وتم تعليق التنسيق بين الطرفين تماماً منذ ديسمبر/كانون الأول 2018 عندما زار وفد إيطالي دبلوماسي قضائي مشترك القاهرة للتعرف على مصير الطلبات الإيطالية بتسليم التحقيقات الخاصة بقضية مقتل أفراد عصابة السرقة التي سبق اتهامها بتعقب وقتل “ريجيني” قبل أن يعلن الطرفان المصري والإيطالي عن استحالة حدوث تلك الرواية وسقوطها من اعتبارات المحققين.

وفي مايو/أيار الماضي، حصلت روما من ضابط أفريقي تحدث أمامه بالصدفة ضابط مصري شارك في عملية القبض على “ريجيني” وقتله، على معلومات تفيد بأن “ريجيني” لفظ أنفاسه الأخيرة داخل السيارة التي ألقت جثته، وأغلب الظن أنه لم يمت في مكان ثم تم نقله بالسيارة، بل أن تعذيبه واستجوابه وقتله تم داخل السيارة التي ألقت جثته. ويطرح هذا الأمر تساؤلات عديدة عن سيناريو الأيام السابقة لواقعة القتل، وطبيعة المعلومات التي حصل عليها الضباط من “ريجيني” أو سألوه عنها، وما إذا كانوا ينوون تركه، وما إذا كانت آثار التعذيب التي بقيت في جسده وليدة لحظة القتل أم أنه عانى آلام التعذيب لأيام عدة قبلها. ولا يملك الادعاء الإيطالي وفقا للقانون الدولي والاتفاقيات المشتركة حق توجيه اتهام من جانب واحد لأي مسؤول مصري.

وتتهم وسائل إعلام إيطالية، أجهزة الأمن المصرية، بالضلوع في تعذيب وقتل “ريجيني”، وهو ما تنفي القاهرة صحته. وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، أعلنت روما فتح تحقيقات بحق 5 مسؤولين أمنيين مصريين. وأعلن البرلمان الإيطالي، في الشهر ذاته تعليق العلاقات البرلمانية مع نظيره المصري احتجاجا على سير التحقيقات. وكانت العلاقات بين البلدين قد وصلت إلى أدنى مستوياتها على خلفية تلك القضية، وبلغت حد سحب السفير الإيطالي من القاهرة للتشاور وسط اتهامات للسلطات الأمنية بتعذيب الباحث الشاب حتى الموت وإلقاء جثته لاحقا على الطريق، وهو ما تنفيه القاهرة بشدة، مؤكدة تعاونها التام في القضية.

Comments are closed.