أصحاب شهادات قناة السويس أول ضحايا خفض الفائدة المصرفية

كما توقع غالبية المحللين الاقتصاديين قرر البنك المركزى المصرى تخفيض سعر الفائدة بواقع 150 نقطة أي 1.5% في اجتماع لجنة السياسات النقدية، لتسجل 14.25% للإيداع و15.25% للإقراض، وهو أول تخفيض بهذه القيمة منذ تحرير سعر الصرف وتعويم الجنية.

استند البنك المركزي في قراره على عدد من الأسباب، منها وجود موجة لخفض سعر الفائدة في الأسواق العالمية، على رأسها هبوط الفائدة الأمريكية، كما اعتمد على حدوث انخفاض حاد في معدل التضخم خلال شهر يوليو الماضي، ليتراجع نسبة التضخم من 13% في يوليو 2018 إلى 7.8% في يوليو 2019، وهو تراجع شكك فيه عدد من المحللين الاقتصاديين.

تفائل كثيرون من المحللين الاقتصاديين بقرار تخفيض الفائدة من قبل البنك المركزي، واصفين القرار بالناجح كما توقعوا أن يعود بالمنفعه على الاقتصاد المصري بشكل كبير، كتنشيط الاستثمار المحلي في مجالات شتا وتشجيع الاستثمار الأجنبي، لكن على جهة أخرى اعتبره محللون اقتصاديون، أن القرار تناسى صغار المودعين وأصحاب شهادات استثمار قناة السويس، لأن البنوك هي الأخرى سارعت في خفض أسعار الفائدة على الأوعية الادخارية، مما سبب لكثير من المصريين الذعر، وهم الشريحة الأكبر.
وعمليا ظهر أن أصحاب شهادات قناة السويس هم اول الضحايا الذين قررت البنوك خفض الفوائد على شهاداتهم ، بل انها لم تكتف بذلك وتحركت بشكل جماعي لمحاولة دفع حملة الشهادات لعدم مطالبة البنوك بفوائدها التي حل موعد استحقاقها خلال هذا الاسبوع والقبول بتحويلها الى أوعية استثمارية اخرى داخل الجهاز المصرفي

عادة ما يبحث السواد الأعظم من المصريين على الاستثمار الآمن، وهو ما يتمثل في شهادات ذات العائد الثابت والودائع وحسابات التوفير، ويبتعدوا عن المخاطرة بأموالهم ومدخراتهم في مشاريع بها نسبة فشل، تحديدًا في وضع اقتصادي صعب التنبؤ به، سواء في المستقبل البعيد أو القريب حتى.

يقول محمد نصر الحويطي، الخبير الاقتصادي، أنه نظريا قد نتفق على أن خفض أسعار الفائدة له تأثيرات إيجابية على الاقتصاد المصري وتحفيز الاستثمارات، لكن عمليًا هذا لن يحدث بنفس التصور الذي يعتقده الناس، مؤكدًا أن الفائدة لازالت كبيرة ومغرية، كما أن حائزى الشهادات أصحاب تفضيل أزلي لهذا النوع من المنتجات المالية، الشهادات والودائع، لا يرغبون أبدًا في المجازفة والمخاطرة بأموالهم، حتى لو دفعتهم الحكومة لإستثمار أموالهم في منتجات مالية أخرى. ويضيف الحويطي، أن البنوك تدرك جيدًا عقليات المودعين من هذا النوع، وهي لا محالة ستجد طرق ترويج وتسويق لأدوات جديدة، خاصة أن العملاء مستعدين للاقتناع، بينما ليس من المتوقع أن تنجذب الشركات لقرار البنك المركزي بتخفيض الفائدة، لأن الشركات تدرك جيدًا أن هناك تباطؤ اقتصاد عالمي منتظر.

ويشير الخبير الاقتصادي أن نسبة الانخفاض في الفائدة ليس كبيرا ليحدث حوله كل تلك الضجة، فنسبة 1.5% لن تدفع أصحاب الشهادات والودائع إلى سحب أموالهم فورًا من البنوك، فهي تماثل 150 ألف جنية فرق فائدة على 10 مليون جنية، وأكد الحويطي أن الأموال الساخنة ستظل موجودة في الأدوات قصيرة الأجل.

من جهته قال الخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام، أن القرار جاء في إطار تحميل المواطن فاتورة ما يسمى ببرنامج الاصلاح الاقتصادي، كما تم سابقًا تحميله فاتورة إصلاح نظام الدعم الحكومي عبر زيادة أسعار الوقود والكهرباء والغاز والمياه، وكذا تحميله خطة خفض عجز الموازنة العامة للدولة عبر زيادة الضرائب والجمارك والرسوم.

وأضاف عبدالسلام أن البنك المركزي استند في قراره على انخفاض معدل التضخم، قائلًا “كيف يحدث هذا التراجع الشديد في التضخم؟ في الوقت الذي رفعت فيه الحكومة أسعار البنزين والسولار والغاز بمعدلات كبيرة، وكيف تتراجع الأسعار مع زيادة فواتير الكهرباء والمياه والرسوم الحكومية وتذكرة الخط الثالث لمترو الأنفاق؟”، وأضاف عبدالسلام “أن المبرر القوي لقرار البنك المركزي والخاص بخفض الفائدة هو فقط لمساعدة الحكومة على خفض الدين العام المحلي وتوفير أكثر من 11 مليار جنيه من كلفته سنويا.”

وأوضح الخبير الاقتصادي أن توقيت خفض الفائدة عليه الكثير من علامات الاستفهام، تحديدًا أن الاموال التي سيستلمها أصحاب شهادات استثمار قناة السويس خلال أيام والبالغ قيمتها 64 مليار جنية، وهي بالضرورة أموال تبحث عن فرص استثمار آمنة، وبقرار البنك المركزي تخفيض الفائدة، يكون من الواضح الهدف منه تفويت الفرصه عليهم.

وأشار عبدالسلام أن الخطورة هنا أن يقع أصحاب المدخرات المحدودة في مصيدة شركات توظيف الأموال التي ستغريهم بالفائدة المرتفعة والربح السريع، وهنا نكرر كارثة شركات توظيف الأموال التي وقعت في فترة الثمانينات من القرن الماضي وكبدت الاقتصاد والبنوك والمجتمع خسائر فادحة طالت سنوات طويلة.

فيما قال المحلل الاقتصادي ممدوح الولي، أن تلك الشريحة من أصحاب الشهادات لا خبرة لهم بباقي مجالات الاستثمار كالبورصة والعقار والعملات، كما أن صغر قيمة أموالهم تحول دون الاتجاه إلى بديل مثل العقار المرتفع القيمة، بالإضافة إلى أنه يصعب عليهم تنويع استثماراتهم في أكثر من مجال كشرط للاستثمار، مشيرًا أن أغلبهم مضطرون على الاستمرار في إيداع أموالهم في البنوك.

وأضاف الولي أن مناخ الاستثمار ما زال مناخ الاستثمار غير جاذب للاستثمار الأجنبي وما يصل لمصر من الاستثمارات معظمها في البترول والغاز الطبيعي، فضلاً عن أن معدل الفائدة بعد انخفاضه بمصر ما زال عاليا بالمقارنة بما هو عليه بالخارج، مما لا يعد أمرا جاذبا للاستثمارات.

ويؤكد المحلل الاقتصادي أن مطلب المستثمرين ما زال يرتكز على مزيد من خفض الفائدة حتى مستوى 8% على الأقل، مشيرًا إلى أن الدوافع للاستثمار المحلي لا تتوقف فقط على الفائدة، فما زالت هناك معوقات عديدة أمام التوسعات بالشركات القائمة أو المشروعات الجديدة من “بيروقراطية وجباية وبطء قضاء وعدم استقرار سياسي”.