هل يدفع فشل السيسي في إدارة الدولة رجال العسكر للتنازل عن الحكم؟

في 11 سبتمبر/ أيلول 1973، بعد أن حاصرت قوات الجنرال “أوغستو بينوشيه” القصر الرئاسي، مطالبة رئيس جمهورية تشيلي سلفادور الليندي بالاستسلام أو الهروب، رفض الرئيس المنتخب الاستسلام، وارتدى الوشاح الرئاسي الذي ميز رؤساء تشيلي طوال قرنين من الزمان، وصمد في قصره إلى أن سقط قتيلًا رافضًا التخلي عن حقه الشرعي.

بعد سنوات نجحت التحالفات المعارضة في تنظيم حركات احتجاجية واسعة أجبرت بينوشيه على تقديم تنازلات، وكانت اللحظة الأهم هي مطالبة المعارضة بإجراء استفتاء على تجديد مدة حكم بينوشيه، وبالفعل في 14 ديسمبر/ كانون الأول 1989، خسر الجنرال الانتخابات، وتم تسليم الحكم لسلطة مدنية منتخبة تحت قيادة باتريشيو أيلوين، زعيم الحزب الديمقراطي المسيحي. وبذلك سطر النضال الشعبي نهاية حقبة الحكم العسكري، وانضمت تشيلي إلى الديمقراطيات في أمريكا اللاتينية بعد البرازيل والأرجنتين.

وفي تركيا أجبرت الإجراءات الاقتصادية، والتضخم، الجنرالات على تسليم الحكم بعد انقلابات عسكرية دموية، أبرزها الانقلاب العسكري في 12 سبتمبر/ أيلول 1980، بقيادة الجنرال كنعان إيفرين، الذي انتهى عام 1989، بعدما تركزت السلطة بيد مطلقة في قبضة العسكريين.

دراسات عديدة تناولت العلاقات المدنية العسكرية في مصر على شاكلة التجارب في أمريكا اللاتينية وتركيا، باعتبار تدخل الجيش في حيز السياسة معوقًا للانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي، بالإضافة إلى خلق مشاكل اقتصادية صعبة، تجعل من استمرار التجارب محل شك دائم، في ظل عجز الجنرالات على استيفاء شروط الاستقرار والتنمية، وتأمين الطبقات الوسطى والكادحة، من الظروف المعيشية المضطربة.

جمهوريات الانقلابات

في 30 يوليو/ تموز 2019، نشر الدكتور يزيد صايغ، الباحث في مركز “كارنيغي” للشرق الأوسط، مقالة بعنوان “وحيدًا على الذُرى في مصر”، قال فيها:” إن القوات المسلحة لا تستطيع أن تعالج طويلًا القصور في الدوائر المدنية للدولة في توفير الإدارة الاقتصادية والخدمات العامة الأخرى”.

مضيفًا:” أو على أقل تقدير، قد يستنتج كبار الضباط في السلك العسكري الذين ليست لديهم مصالح مُتجذرة في النشاطات الاقتصادية والتجارية للجيش، بأنه يمكن خدمة المصالح الاحترافية للقوات المسلحة على نحو أفضل، من خلال وقف الدور الراهن الذي تقوم به، وبالتالي ربما يسعى هؤلاء (المؤسساتيين العسكريين) إلى مخرج من هذا الوضع”. وتابع صايغ:” هذا قد يُعد المسرح أمام القوات المسلحة للمبادرة إلى تدشين عملية انتقال سلمية. والحال أن مثل هذا التطوّر سيشكّل خبرًا طيبًا، لكن تنتصب في وجهه عقبة خطيرة”.

صايغ قال:” تجدر العودة هنا إلى ما أطلقه الجيش البرازيلي، لأسبابه الخاصة، من مبادرة الانفتاح في العام 1974، والتي أعادت السلطة إلى المدنيين بعد نحو عقد من الحكم العسكري، وكذا فعل زميله التشيلي حين وافق على الهزيمة الانتخابية للدكتاتور أوغستو بيونشيه في العام 1988، وتفاوض الجيشان مع كلٍ من أحزاب المعارضة السياسية وحلفائهما من رجال الأعمال حول صيغ عملية الانتقال”.

ثم أردف:” بيد أن إدارة السيسي في مصر قد استأصلت أو همّشت كل المتحاورين المُحتملين، فسحقت ولاحقت الإسلاميين، والليبراليين، والديمقراطيين الاشتراكيين، والشبان النشطاء اليساريين.. أما قطاع الأعمال فهو يعتبر صديقاً للنظام لكن يعوزه الاتساق كطبقة حليفة، حيث إن أربابه الرئيسين هم إما على علاقة تبعِيَّة طُفَيليَّة مع الدولة للحصول على العقود، أو أنهم متضايقون من تجاوزات الجيش”.

ثم عقب يزيد صايغ على تعديلات الدستور المصري التي أقرَّت في أبريل/ نيسان 2019، قائلًا:” هذا التعديل مصمّم كذلك لتمكين القوات المسلحة من انتشال نفسها من لُجج الصراعات السياسية المعقّدة ومن حلبة التنافسات المؤسسية الخاصة بحكم مصر، لكن من دون التخلي عن السلطة كليًا”. واختتم مقاله:” مثل هذا الدور السياسي المُتبقي هو ما سعت إليه القوات المسلحة التشيلية في الدستور المعدّل الذي صاغته العام 1980، وهو ما حصل عليه الجيش التركي قبل إعادته السلطة الفعلية إلى المدنيين بعدها بثلاث سنوات”.

مؤكدًا:” قد يكون من المغالاة بالتفاؤل ترقّب ولادة مماثلة في مصر، غير أنه، حتى لو أدركت القوات المسلحة المصرية تمامًا الحاجة إلى تحقيق هذه الخطوة ودفع الرئيس والشركاء الآخرين في الائتلاف المؤسّسي الحاكم إلى التفاوض على عملية انتقالية، ربما يكون الأوان قد فات ليكون الانتقال سلميًا ومنظّمًا في آن”.

إشكاليات داخلية

“روبرت سبرنغبورغ” الخبير بالكلية الحربية للدراسات العليا في مونتيري بولاية كاليفورنيا، ذكر في كتابه “العلاقات المدنية العسكرية والتحول الديمقراطي في مصر بعد ثورة 25 يناير” :” أن التنظيم والتجنيد العام للقوات المسلحة المصرية لم يتحسّنا بشكل لافت، لكن على الجانب الآخر، لايزال الضباط يتعلّمون بشكل شبه حصري في المؤسسات العسكرية، لذا فهم غير معرضين للآثار الواسعة التي تنتج من التفاعل مع الأكاديميين والطلاب المدنيين، كما هو الحال في الجيوش الغربية”.

وأكد سبرنغبورغ:” يجب أن يعمل ضباط الصف لمدة 18 عامًا قبل أن تتاح لهم الفرصة ليصبحوا ضباطاً مكلّفين، لكن معظمهم لا يحصل على هذا المركز إلا عقب التقاعد وشرفياً فقط، ولا يوجد دليل على أن مساهمتها الحيوية في الفعالية العسكرية يتم تقديرها حتى الآن، بينما يقضي الضباط وقتاً طويلاً في المهمة نفسها، وبالتالي لاتتوفّر لديهم فرص كافية لتعلم مهارات وتطلعات جديدة مرتبطة بتجارب متنوعة”.

وأضاف الباحث الأمريكي:” معظم الشباب المثقفين في الجامعات يكرهون الخدمة في الجيش، وبدلاً من اعتبارها خطوة مهنية، فإنهم يرون أن الخدمة العسكرية هي بمثابة خطوة إلى الخلف تعوّق حياتهم المهنية، بل يقوم الكثير من الشباب بكل ما هو ممكن لتجنّب التجنيد، بما في ذلك دفع الرشاوى. ويشكّل المجندون ذوو المستوى التعليمي الضعيف الأغلبية الساحقة من العدد الإجمالي لأفراد الخدمة الفعلية والاحتياطيين والبالغ عددهم 850 ألفًا”.

وأردف:” في الوقت الحالي، تظل أعداد أفراد القوات المسلحة المصرية كبيرة بشكل مفرط، ولاتتمتع باحترافية كبيرة، كما تعتمد بدرجة كبيرة على عسكريين ذوي مستوى تعليمي ضعيف وغير مقدّرين ولا تتم مكافأتهم بالقدر الكافي في المستويات الدنيا، وترتبط هذه الخصائص بثقافة تنظيمية لا تقبل التغيير، ورغم أنها تُعَدُّ عقبة ذاتية، وليست موضوعية عند رفع المستويات المهنية، إلا أنه من الصعب التغلب عليها”.

وتعليقًا على الإصلاحات التي تمت في بنية الجيش خلال العهود الحالية والسابقة، وضح روبرت سبرنغبورغ:” ظاهريًا، تم تطوير الجيش المصري، لكن في الواقع تم تهميشه من خلال الموافقة الإستراتيجية للقاهرة على عدم تهديد إسرائيل، مقابل وصول المساعدات من الولايات المتحدة لدعم حكومة مبارك. وهكذا بات برنامج المساعدة الأميركية يعمل في إطار سياسة تضعف فعالية الجيش، ما جعله بمثابة عملاق نائم ضمن الجيوش العربية”. هذا الطرح يفتح الباب أمام العديد من التساؤلات المتعلقة، بمدى قدرة الجيش على الاستمرار في قيادة البلاد، في ظِلِّ حاجته إلى تطوير نفسه، وتجاوز إشكالياته الداخلية.

فشل السيسي

الطرح المتعلق بالربط بين فشل النظام الاقتصادي، وإمكانية إقدام الجيش على تسليم السلطة لحكومة مدنية، من وحي التجارب السابقة في أمريكا اللاتينية، وتركيا، تأتي في ظِلِّ توارد التقارير الدولية عن عجز نظام السيسي في انتشال مصر من أزمتها الاقتصادية، فضلًا عن إغراقها في بحر عريض من الديون المتلاحقة.

هيئة تحرير وكالة بلومبرغ الأمريكية نشرت تحليلًا اقتصادياً في 17 أغسطس/ آب 2016، حمّلت فيه رئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي المسؤولية المباشرة عن الفشل الاقتصادي الذي تعيشه مصر، وهو ما اتفق معه خبراء اقتصاديون ورجال أعمال داخل البلاد.

وتساءلت بلومبرغ في مقالها:” أين ذهبت عشرات مليارات الدولارات التي تلقاها السيسي من الخارج منذ الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013، والتي لا يبدو لها أثر في ظِلِّ عجز في الموازنة، وبطالة متفشية بين الشباب، واحتياطي نقدي مستنزف”. وفي 8 أغسطس/ آب الجاري، نشرت مجلة ذي إيكومنست البريطانية تقريرًا بعنوان “رغم إجراءات مصر الاقتصادية.. الفقر يزداد”، تحدثت فيه عن سياسة الحكومة المصرية الاقتصادية، وكيف ساهمت في ارتفاع معدلات الفقر والفقر المدقع، ودفع المواطن ثمنها غاليًا.

وذكر التقرير أن مصر تعهدت في العام الماضي بتخفيض مستويات الفقر إلى النصف بحلول عام 2020، والقضاء عليه بحلول عام 2030، إلا أنها تسير في الطريق الخاطئة، ففي 29 يوليو/ تموز 2019، أعلنت هيئة الإحصاء الوطني عن تقرير تم تأخيره حول دخل أصحاب البيوت المصرية، ووجدت أن 33% من 99 مليون مصري يعدون فقراء حتى العام الماضي، وهي نسبة أعلى بـ 28% مسجلة في عام 2015.

أزمة سلطة

في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2018، في مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، قال الباحث الأمريكي المتخصص بالسياسة الخارجية، ستيفن كوك:” السيسي لن يتمكن من تحقيق نجاحات تُذكر رغم كل ما يشاع عن المشروعات العملاقة في البلاد، وحالة الرضا عن الحكومة، لكن الأمر غير ذلك، في حالة حدوث تغيرات فإن الأمر لن يصل إلى حد الثورة”.

وتابع الكاتب الأمريكي:” على المرء أن يتساءل ما إذا كان السيسي ينهار تحت الضغط الهائل من توليه مسؤولية بلد يبدو عصيًا على الحكم. لا شك في أنه قد أرسى لنفسه بعض السيطرة السياسية على البلاد منذ أن تولى السلطة، لكن يصعب كذلك القول إن السيسي يحكم مصر فعلًا”.

وعقّب:” في الأشهر الستة الأخيرة، فرض على المصريين تحمّل نقص في البطاطس والمياه، وبدلًا من التطرق إلى قضايا أشارت لها المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالحق في السكن اللائق مؤخرًا، هاجمتها الحكومة المصرية هي ومن أجرت معهم مقابلات في سياق بحثها”. وبحسب كوك “يواجه السيسي أزمة سلطة، يبدو كما لو كان غير قادر على ممارسة السلطة التي يملكها بالفعل”.

وأكد ستيفن كوك:” يُعدُّ السيسي امتدادًا منطقيًا لنظام موجود منذ أن أعلن الضباط الأحرار عام 1953 إلغاء الملكية وقيام الجمهورية. وعرف ذلك النظام كيف يعيد خلق نفسه حتى بعد مواجهة تحدياتٍ ضخمة مثل هزيمة يونيو/حزيران عام 1967 في حرب الأيام الستة، وموت عبد الناصر، واغتيال السادات، والثورة التي أسقطت مبارك”.

مضيفًا:” وبعد كل تلك اللحظات الفارقة، كانت مصر تعاد إلى الوضع الاستبدادي، لم يكن رؤساء مصر يملكون نظرية مثالية في الإدارة السياسية. فلو كانت لديهم نظرية كهذه، ما كان عبد الناصر ليطالب بانسحاب الأمم المتحدة من سيناء في مايو/أيار من عام 1967، وما كان السادات ليخطط لخفض الدعم في يناير/كانون الثاني من عام 1977، وما كان مبارك ليمنح ابنه دورًا بارزًا في تسيير البلاد”.

ثم قال:” بدلًا من ذلك، يميز مصر امتلاكها مجموعة ذاتية الدعم من مؤسسات سياسية تعكس النظام الاجتماعي السائد في البلاد. ومع أن الحكام تغيروا وتذبذبت معهم درجة القمع الواقع على البلاد، فإن نمط السياسة في مصر ظَلَّ متشابهًا بشكل لافت للنظر على مر 65 عامًا”.