أنور السادات لإحسان عبدالقدوس: بلاش تكتب قصص وروح ربي أولادك!

أكتشفت عظمة أبي بعد عزله

بقلم/ محمد عبدالقدوس

الصورة المرفقة في هذا الموضوع ترجع إلى عام 1953 وهي تجمع أنور السادات رحمه الله بالمايوه على بلاج ميامي مع العبد لله وأخي وحبيبي أحمد عبدالقدوس عندما كنا أطفال صغار. وشرحت قصة هذه الصورة بالتفصيل في المقال الماضي تحت عنوان : مصيبة على بلاج ميامي!!.. المهم أن الأولاد الموجودين في هذه الصورة كبروا وكان لهم موقف عام 1968 أغضب السادات منهم جدا لدرجة أنه أتصل ب أبي قائلا له في غضب: يا إحسان بلاش تكتب قصص “وروح ربي أولادك”!! فما هي حكاية هذه “الثورة الساداتطية” علينا.


والبداية ترجع إلى يوم السبت الأخير من شهر فبراير عام ١٩٦٨..يعني من نصف قرن وسنة كمان!! أتذكر هذا اليوم وكأنه حدث بالأمس ، كان يوم الاحتجاجات الطلابية على أحكام الطيران المخففة عن مسئوليتهم عن كارثة عام ١٩٦٧. وامام كلية الحقوق بجامعة القاهرة تجمع عدد محدود من الطلاب كنت وأخي أحمد بينهم وهتف أحدهم! وبسرعة قامت المظاهرات المحدودة وسرعان ما اتسعت لتشمل كلية الحقوق ثم الآداب وسط ترحيب حار من الطلاب، ثم خرجنا من حرم الجامعة إلى كلية الهندسة وكانت هناك مظاهرة بها، وانطلقت بعدها مسيرة طلابية ضخمة إلى مجلس الأمة كما كان يسمى في ذلك الوقت! وكان الناس في الشوارع ينظرون إلينا في دهشة وفرح، فلم يسبق لمصر أن تشهد مظاهرة ضد نظام عبدالناصر منذ عام ١٩٥٤ م عندما أحكم قبضته على البلاد والعباد. ورأينا أبواب البرلمان مفتوحة فدخلنا إلى ساحته الداخلية وأخذنا نهتف، وخرج إلينا أنور السادات رئيس المجلس ، وكانت عيونه تنظر في امعان إلى هؤلاء الشباب! وبدا واضحا أنه لمحنا! ثم انصرفنا في هدوء بعد تلك الوقفة التي أستمرت ما يقرب من ساعة! وفي المساء اتصل السادات بتليفون المنزل وأخذ يعاتب والدي الذي يعرفه منذ أكثر من عشرين سنة!! وبعد المكالمة سألت حبيبي أبي :”السادات قالك إيه ؟” فقال ساخرا:”بلاش تكتب قصص وروح ربي أولادك”! وأضاف قائلا : المهم تخلي بالكم من نفسكم انت وأخوك!! ولم يتضمن حديثه معي أي عتاب أو تهديد، فقد تعلمنا منه حرية الرأي ، وكان من الواضح أنه لم يأبه بحديث السادات بل نظر إليه باستخفاف.

وفي اليوم التالي انطلقنا إلى الجامعة ولم يعترض رب الأسرة على ذهابنا إلى هناك برغم تعنيف السادات له!! وكان الأحد الأخير من شهر فبراير يوما عصيبا، فقد وقعت اشتباكات دامية بين الشرطة والطلاب، وتطورت الهتافات، فلم تعد مقتصرة على أحكام الطيران بل شملت الدعوة الى الحرية والديمقراطية وحرية الصحافة ووضع حد للإستبداد الذي يحكم مصر! وامتدت الاشتباكات إلى الشوارع الرئيسية في قلب القاهرة بعدما تمكن الطلاب من كسر حصار الشرطة للجامعة!!
واستمرت الاشتباكات لفترة طويلة جدا ، تعرضت خلالها “للبهدلة” ، وعدة إصابات! وكانت أسرتي قلقة جدا وتخشى من أن يكون قد تم اعتقالي، وعندما عدت الى منزلي مساءا تنفسوا الصعداء! ولم نهدأ كان هناك قرار بإغلاق الجامعات كلها ، ومع ذلك خرجنا من منزلنا انا وأخي أحمد وسط دهشة والدي : أنتم رايحين فين.. خلاص الجامعة أغلقت!! كان ردي :”هنروح نعمل طلة” ونشوف الوضع هناك على الطبيعة! وكانت الجامعة محاصرة بجحافل من الشرطة! لكن كانت هناك ثغرة من خلال حديقة الحيوان المفتوحة للجمهور وبينها وبين كلية الهندسة سور وكنا شباب نجحنا في تسلقه، وقفزنا إلى داخل الكلية حيث كان هناك أعتصام للطلاب! وسرعان ما تنبهت الشرطة إلى هذه الثغرة فتم إغلاق حديقة الحيوانات بأكملها!

ومكثنا في اعتصام الهندسة ثلاثة أيام بلياليها وكنا حوالي ٣٠٠ طالب، والعالم كله يتحدث عما يجري في مصر حيث تشهد أحداث لم يسبق لها مثيل في عهد عبدالناصر رحمه الله!! ثم جاء عرض من الحكومة بأن المسئولين في الدولة مستعدين للقاء الطلاب المعتصمين وسماع مطالبهم وذلك بمجلس الأمة!! وانتقلنا إلى هناك، وكان هناك حوار مطول مع السادات ووزير الداخلية والتعليم العالي.. وقال السادات الرسالة وصلت.. ولا يمكن أن يكون هناك صدام بين الثورة وشبابها وعبدالناصر متفهم تماما لمطالب الطلاب وسيحدث تغييرا حقيقياً ، كما سيتم الإفراج عن جميع الطلاب المعتقلين والمطلوب منكم الآن الانصراف إلى بيوتكم في أمن وسلام! وطبعا لمحنا السادات من جديد ، لكنه لم يعلق هذه المرة! وان كان قد هز رأسه في أسف !

وفي أواخر الشهر التالي أصدر الرئيس جمال عبدالناصر بيان ٣٠ مارس حاول فيه إصلاح الأخطاء التي ادت إلى كارثة ١٩٦٧..وبعد أيام كانت هناك مفاجأة حيث فوجئ أبي وكان يشغل أيامها منصب رئيس تحرير أخبار اليوم بخبر بارز في الصفحة الأولى بالأهرام عنوانه :”عزل جميع المسئولين الذين أشترك أولادهم في المظاهرات ببولندا” يعني الكلام لك يا جارة كما يقول المثل العامي!! وبالفعل تم عزل حبيبي من رئاسة تحرير الصحيفة المشهورة، لكن موهبته في الكتابة أكبر من كل المناصب الصحفية التي تتشرف به!! وعظمة أبي ظهرت جلية في هذا الموقف فلم يوجه لوم واحد إلى أولاده الذين كانوا السبب في عزله!! وهذا أمر استثنائي جدا ، ولا تجده إلا في بيت إحسان عبدالقدوس!! ولم أندم على ما فعلته ، بل أصبحت إنسان معروف بأنني ثوري برغم طباعي الهادئة والبداية حكاية وقعت منذ أكثر من نصف قرن.. أو تحديدا 51 سنة وستة أشهر كمان!