كيف تكذب وسائل الإعلام وتتلاعب بعقول الجماهير لتبنّي مواقف موالية؟

في منتصف الحرب العالمية الأولى، وتحديدا في العام 1916م، كانت الإدارة الأميركية، برئاسة الرئيس “وودرو ويلسون”، على موعد مع السؤال الأصعب خلال فترة الحرب حول الكيفية التي سيقتنع من خلالها الشعب بضرورة الاشتراك في صفوف الحلفاء. كيف ستجيب الحكومة عن ذلك؟ وكيف ستتم مواجهة المزاج الأميركي الذي لا يريد الانخراط في مغامرات حربية طالما كان بعيدا عنها، هنا ظهر السيد “كريل” بخطة إنقاذ عاجلة، “البروباغندا” الدعائية؛ لتعطيه ويعطيها “ويلسون” مسؤولية البحث عن الجواب.

ستة أشهر فقط لا غير، كانت كفيلة بحسم وشد التأييد الشعبي ليقف في صف الإدارة الأميركية ولترفع بعدها البنادق في وجه الألمان، الفضل في ذلك كله يُنسب إلى “لجنة كريل الإعلامية” التي تمكنت بأدوات نفسية ومعرفية من تحويل الموقف الشعبي بشكل دراماتيكي تجاه الأحداث. خلال ستة أشهر، كانت اللجنة – وبخلط جيد بين ما هو حقيقي وما هو أسطوري- تنشر صور الألمان على إنهم مجرمو حرب استثنائيون، يقطعون أذرع الأطفال في بلجيكا، يدمرون المدن ويتجهون نحو إفناء البشرية، إلى غير ذلك من الدعايات التي حوّلت الموقف السلبي من الحرب عند الأميركيين إلى رغبة هيستيرية لتدمير كل ما هو ألماني وإنقاذ العالم من نيرانهم .

لم تقف القصة عند هذا الحد بل كان للبروباغندا الإعلامية دور في إثارة الرعب الأميركي تجاه الجناح الشيوعي في الشرق خلال حربها الباردة مع السوفييت في نهايات القرن الماضي، مما ساهم في تدمير الاتحادات العمالية في الولايات المتحدة دون أي إشكال، أو اعتراض يُذكر، وكل هذا بسبب الإعلام فقط.

كيف يصنع الإعلام الكذب؟

حملته أمه الكاهنة وألقته في النهر ، وانتُشل بدلو ، ثم عمل بستانيا حتى أحبته الآلهة ” عشتار” وجعلته ملكا ، إنه سرجون العظيم ملك الدولة الآكدية في بلاد ما بين النهرين ، تلك كانت أول عملية إعلامية يرصدها الباحثون لتضليل الرأي العام قبل الميلاد ، بعدها توالت الأكاذيب والأضاليل عبر كافة الحضارات ومنها حكايات الآلهة العاشقة للبشر عبر ممارسات الكهنة وأفاعيلهم المدبرة ، وصولا إلى أحدث أكاذيبنا العصرية : فسيدنا يوسف في فيلم المهاجر كان وقحا ، وعيسى العوام المسلم أصبح في خيال ” عبد الرحمن الشرقاوي ” مسيحيا يحب فتاة من الصليبين الهوسبتاليين وعنه نقل يوسف شاهين ، وجيش العراق ثالث أقوى جيوش العالم ، وصدام حسين يمتلك أسلحة الدمار الشامل ولابد من تدخل أمريكا ، وغزو أفغانستان بسبب شرور القاعدة التي هي صنيعة مخابراتية أمريكية بامتياز ، وداعش قوة لا تقهر تجتاح دولتين في بضعة أيام بالسيف والخيل ، وضرب غزة رد فعل لصواريخ المقاومة ، ودخان السجائر هي سبب الراحة التي تجدها المرأة حين تصعد مع حبيبها إلى أعلى قمة الجبل كما تروجه شركة مارلبورو العالمية .

يودي الإعلام دوراً خطيراً في حياة الأمم، ليس في نقل الأخبار والأحداث فقط، وإنما في صياغة وتحديد توجهات الرأي العام. ومن هنا يصبح التضليل الإعلامي الذي يمارسه الإعلام حالياً بمثابة حرب نفسية تشنّ على المتلقي لإحداث أكبر قدر من التأثير السلبي،  والتضليل الإعلامي له عدة صورة؛ منها قلب الحقائق، أو التضليل بالمعلومات التي ليس لها علاقة بالحدث، أو باستخدام مفردات معينة تؤدي إلى إصدار أحكام بالإدانة، أو بالانتقائية المتحيزة التي تنتقي بعض الكلمات والحقائق والمصادر وتهمل الأخرى.
حالة من الفوضى ونشر أكاذيب مضحكة يقوم بها الإعلام المضلل في مصر منذ انقلاب 3 يوليو 2013م، تشمل غسيل مخ الشعب المصري، وقلب الحقائق، وتغيير القناعات، وضرب هوية الأمة، ومهاجمة الثوابت، ومولاة أعداء الأمة، والتباهي بالخيانة والعمالة، وتكذيب الصادق، وتصديق الكاذب؛ ما جعل مصداقية هذا الإعلام، بل وجعل مصداقية المتحدثين الإعلاميين للشرطة والجيش محل شكوك أيضاً؛ بسبب ما يُنشر من معلومات غير حقيقية، بحسب تقرير نشرته صحيفة «المونيتور» الأمريكية في 19 نوفمبر الماضي.

الإعلام الأسود أو صناعة الكذب هو من أخطر الوسائل أو الحروب التي تستهدف عقول البشر؛ حيث تبدأ بالتشويش، ثم تصيبها في قناعتها؛ لصرف الأنظار عن حدث ما، أو تسعى لتغيير وجهات النظر باتجاه واقع غير موجود أصلاً وليس إلا وهماً، ثم تجسيده والدفاع عنه حتى يصبح حقيقة، وبالمقابل التشويش على واقع حقيقي، وتشويه القناعات بشأنه؛ حتى يصبح في وعي الشعوب غير حقيقي.

ولا تقتصر الأخبار والمعلومات المضحكة المضللة على الإعلام الحكومي كما كان يحدث قبل ثورة 25 يناير، ولكنها أصبحت منتشرة بصورة وبائية بين إعلام الصحف والفضائيات الخاصة التي لم تعد تزعم أن الرئيس الراحل “محمد مرسي” كان يأكل بطاً وأوزاً كل يوم بـ9 آلاف جنيه! (أي 2.7 مليون جنيه شهرياً)، أو أن الإخوان وراء انقطاع الكهرباء ومشكلات المواصلات وانهيار الأندلس! ولكنها تطورت للحديث عن قدرات خارقة لقائد الانقلاب في مصر وتحديه لأمريكا، قبل أن يظهر أن كل هذه أكاذيب، وهناك تنسيق أمريكي تام معه واعتراف به، كما ظهر في زيارته الأخيرة لأمريكا، وقول المسؤولين الأمريكيين أن ما يهمهم هو مصالحهم والاستقرار في مصر لا الحريات أو الديمقراطية.

وقد نشرت صحفٌ أخباراً مضللة، وفي صفحات أخرى أخباراً مضادة تكشف الكذب والتضليل، مثل زعم جريدة “الوطن” الموالية للسيسي أن طباخ الرئاسة كشف أن أول وجبة بعد أداء اليمين لـ«مرسي» كانت مأكولات بحرية بـ12 ألف جنيه! ولكن ظهر الكذب في قول الصحيفة: «إن الرئيس «مرسي» كان يطلب إعداد وجبات بط وحمام ومعه سندوتش حلاوة وفول وجبنة»! ثم نشرهم أخباراً لاحقة عن مسؤولين بالقصر الرئاسي أو ضباط السجن أنه يتناول الجبن «القريش» والخبز.

الأخبار والمعلومات التي جرى ضخها أيضاً بواسطة الآلة الإعلامية الجبارة لم تقتصر أيضاً على تشويه المعارضين، ولكنها انتقلت إلى التطاول على الدين نفسه بدعوى محاربة التطرف، فظهرت فتاوى تبث على الهواء لعلماء مقربين من السلطة تبيع الزنا، وتحلل مسابقات الجمال، وقتل المعارضين من قبل «الرئيس المنتخب»، حتى إن مجلة «الديلي بيست» قالت في تقرير نشرته 16 سبتمبر 2014 بعنوانthe Arab World Must Promote Political and Religious Reforms: إن علماء المسلمين باتوا اليوم – بعد الثورات المضادة – أبواقاً لحكوماتهم القمعية لا نصيراً للحق، وإن السياسات القمعيّة هي المسؤولة عن إنتاج التطرُّف في الشرق الأوسط.
لم تخرج إسرائيل هي الأخرى عن استراتيجية صناعة الكذب وقلب الحقائق، فبعد أن كان الحديث عنها في الإعلام المصري خيانة، أصبح الحديث عن صداقتها والتعاون مع أساتذة جامعاتها فخراً لمذيعين مثل «توفيق عكاشة»، صاحب قناة «الفراعين»، التي تبين أنها قناة رسمية تموِّلها السلطة.
والذي تفاخر بأنه تعلم كيفية إدارة المؤسسات الإعلامية على يد «إسرائيليين»، قائلاً: «أنا تعلمت إدارة المؤسسات الإعلامية على يد إعلاميين «إسرائيليين» ويهود أمريكيين»، دون أن ينبس أحد ببنت شفة، بينما يُحاكم قادة الإخوان بالتخابر مع المقاومة التي تحارب “إسرائيل” بسبب الإعلام الذي حول الجاني إلى ضحية والشريف إلى خائن لوطنه ودينه.

أشهر أكاذيب الإعلام المصري

كان من أشهر هذه الأكاذيب المضحكة لاصطناع صراع وهمي بين سلطة الانقلاب في مصر وبين إدارة الرئيس الأمريكي «أوباما»، وإظهار «السيسي» على أنه «ناصر جديد»، تصريحات للمذيع «محمد الغيطي»، في قناة «صدي البلد» حول أسْر مصر لقائد الأسطول السادس الأمريكي داخل المياه الإقليمية المصرية، عقب انقلاب 3 يوليو.
والطريف أن «الغيطي» حاول الزعم أنه استقى كلامه من كتاب مذكرات «هيلاري كلينتون»، والذي نشرته تحت عنون «Hard Choices» (الخيارات الصعبة)، والذي يتناول مذكراتها أثناء توليها منصب وزيرة الخارجية الأمريكية في الفترة من 21 يناير 2009 وحتى 1 فبراير 2013م، ولكنه نسي أن «هيلاري كلينتون» لم تكن وزيرة للخارجية أثناء 30 يونيو 2013م، ولا أثناء فض اعتصامي رابعة والنهضة في 14 أغسطس 2013م؛ وبالتالي لم يتضمن كتابها أي كواليس للثورة وعملية الفض.
وعندما حاول ذكر مصدر وهمي آخر بعدما أثارت معلوماته ضحك المصريين، قال: إنه حصل عليه من أحد أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وإن جنرالاً مصرياً هو الفريق «مهاب مميش» اتصل بالرئيس الأمريكي «باراك أوباما» ونقل إليه رسالة من «السيسي»، مفادها أن قيادة الجيش المصري أسرت الجنرال الأمريكي ولا تريد تضخيم الموضوع، وإن على الأسطول أن يخرج سريعاً من المياه الإقليمية المصرية! اكتشف المصريون أيضاً أكاذيبه؛ لأن الفريق «مهاب مميش» ترك منصبه كقائد للقوات البحرية في 12 أغسطس 2012م عندما أقال الرئيس «محمد مرسي» قيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومن بينهم الفريق «مميش»، ثم عيَّنه رئيساً لهيئة قناة السويس .

الإخوان يقتلون الإخوان

لم يقتصر التضليل والكذب الإعلامي؛ لتبرئة الشرطة والجيش من دماء الشهداء، على ادعاء الصحف أن الإخوان هم من قتلوا المتظاهرين الإخوان في كل المظاهرات التي خرجت في مصر، وفي حصار قصر الاتحادية (قُتل فيه 8 من الإخوان و2 من التيارات الأخرى، الذي كان يحاكم الرئيس الراحل «مرسي» و12 من قيادات الجماعة بتهمة قتلهم 2 وتتجاهل المحكمة والإعلام دماء الـ8 الآخرين الذين قتلوا)، ولكنه امتد لاتهام الإخوان بقتل أنفسهم في السجون والمعتقلات، ونسب أي انفجارات للإخوان دون تحقيق.
وشاركت الصحف في حملة التضليل بنشر صور مصغرة تُظهر أشخاصاً يرتدون جلابيب (قمصان) بيضاء (الصورة التقليدية للمتدين في مصر) وهم يحملون سلاحاً أو يطلقون الرصاص ويزعمون أنهم إخوان يقتلون الشرطة، بينما نشر نشطاء نفس الصور بطريقة مكبرة ليظهر أن من تم اجتزاء الصور من حولهم من الملتحين أو لابسي الجلابيب هم من المتعاونين مع الشرطة ويقفون بجوارها ويطلقون الرصاص بملابسهم المدنية على المتظاهرين!
ووصف أحد الخبراء الإعلام المصري الحالي بأنه «إعلام المغارة» الذي يقوم على قاعدة من التعتيم والتغييب للحقائق والمعلومات وللأحداث التي تدور في مصر، خاصة التظاهرات المؤيدة للشرعية والرافضة للانقلاب التي تملأ ربوع الوطن.
وخلال الفيديو الذي يبثه التلفزيون المصري أخيراً لفنانين ضد الإرهاب، تحدثوا عن «شهداء كل جمعة»، مع أنهم شهداء الإخوان، ولكن تحدثوا عنهم على أنهم ضحايا الإخوان لا الشرطة التي تقتلهم بالرصاص لخروجهم للتظاهر.
طائرات أجنبية تلقي غازاً ساماً
ومن هذه الأكاذيب التي سعت لتخويف المصريين وحشدهم ضد التيار الإسلامي باعتبار أنه يشارك في مؤامرة كونية على مصر، زعم اللواء «حمدي بخيت»، الخبير العسكري، خلال برنامج على قناة «صدى البلد» أيضاً يوم 14 نوفمبر الماضي، أن لديه معلومات ومقاطع فيديو تفيد بأن مصر مستهدفة بشن حرب بيولوجية، وهناك طائرات تترك وراءها أثراً من الدخان اسمه غاز «الكمتريل» السام.

ومن هذه الأكاذيب الشهيرة ادعاء أن اعتصام رابعة كان به أسلحة نووية وكيماوية، وأن الإخوان يدفنون ضحاياهم في كرة أرضية تحت الأرض! وشارك هذه الأكاذيب وزير الخارجية حينذاك «نبيل فهمي» عندما زعم خلال مقابلة في برنامج «بي بي سي هارد توك»، أن «هناك تقريراً صدر عن منظمة العفو الدولية مؤخراً بشأن وجود أسلحة ثقيلة داخل ميدان رابعة العدوية، مع مؤيدي الإخوان المسلمين، وذلك الأمر ستكون له عواقب وخيمة؛ ولذلك فإن الحكومة تعمل على التوصل إلى حل سلمي»، لكن المنظمة كذبته وقالت: إنها لم تقل هذا!
ونشرت الصحف مانشيتات تزعم أنه تم إدخال شاحنات إلى اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، محملة بأنواع مختلفة من الأسلحة متعددة الطراز، روسية الصنع، مثل الصواريخ المضادة للطائرات، ومتفجرات شديدة الاشتعال، وبنادق قنص ليزر، ومنها أسلحة كيماوية مهربة من سورية عن طريق الحدود الليبية تشمل غازات سامة مركبة من الفوسفور والكربون، وغاز الخردل والسارين، والتابون، والكلورين! وثبت عقب فض الاعتصام بالقوة وقتل 2200 من المعتصمين كذب هذه الدعاية السوداء التي كانت مبرراً لقتل المعتصمين، وحشد الرأي العام للقبول بأي انتهاكات إنسانية ضدهم.
مثلما حدث في مذابح رواندا التي كان الإعلام سببا رئيسيا في تأجيجها، بعد خطاب إعلامي محرض على عرقية التوتسي،

كيف تقتل بضمير

الأنظمة الفاشية ليست بحاجة إلى دعم كتائب مسلحة عالية التدريب لكى تقضي على أي فصيل مناوئ لها، أو قتل معارضين لسياسة حكمها، يكفيها فقط أن ترفع الحاجز الأخلاقي عن المواطنين لتبدأ عمليات القتل ويباركها الشعب بسعادة وبدون أي تأنيب ضمير، وهذا لن يتحقق إلا عن طريق وسائل إعلام كاذبة بلا ضمير، تزيف للناس الحقائق وتتلاعب بعقولهم، لتقبّل أي ممارسات وحشية بحق بنى وطنهم.
كل ما سبق هو جزء من خطة إعلام الانقلاب الأسود، وصناعة الكذب والتلاعب بالعقول التي تبنتها 125 قناة خاصة لرجال أعمال الدولة العميقة، بخلاف المحطات الحكومية، وحوالي 1200 مطبوعة شهرياً ويومياً وأسبوعياً لا تعبر عن الحالة المصرية أو المواطن البسيط، بقدر ما تعبر عن «إعلام أسود» يبث الأكاذيب وينشر الحقد ويشجع على الإقصاء والقتل والتعذيب والاعتقال على الهوية، فصناعة الكذب باتت رسالة معظم وسائل إعلام اليوم في مصر والعالم العربي؛ لصد موجات «الربيع العربي» وكسرها، وقيادة الثورات المضادة لإعادة منظومة الفساد والسلطة والثروة القديمة كما هي.

في فيلم وثائقي بعنوان “إعلام الكراهية” تناول الفيلم قصة الإبادة الجماعية في رواندا بحق عرقية التوتسي والتى أسفرت عن سقوط 300الف مواطن في أول مائة يوم فقط، الفيلم أجرى لقاء مع أحد المشاركين في المذبحة، وقال إنه قتل في أول يوم 14 مواطن وفي اليوم الثاني أربع مواطنين، وفي اليوم الثالث قتل مواطن واحد، وقال: قتلت كثير من جيراني وكل هذا بسبب “الدعاية السيئة”.

تضمنت هذه الدعاية دعوات تحريضية بحق عرقية التوتسي، وكان المانفيستو الأقوى هو مقال كتبه الصحفي الرواندي “حسن نيجزي” تحت عنوان ” الوصايا العشر للخونة” حرّض فيه علي ” عرقية التوتسي” ومنع الزواج منهم أو مشاركتهم أعمال تجارية ويصفهم بالخونة، ثم نسج على نفس المنوال التليفزيون الرواندي وبدأ ببث دعاية أكثر تحقيرًا للتوتسي، بوصفهم صراصير، يستحقوا الموت، أعداء الهوية الوطنية، وهكذا، استمرت الدعاية السيئة لمدة أربع سنوات من الشحن المعنوي لكراهية التوتسي، وحين جاءت لحظة الصفر انطلقت عرقية الهوتو بتمزيق كل ما هو توتسي بشتى أنواع الطرق وهم في قمة السعادة أنهم يقومون بعمل وطني شريف. كما حدث في مصر بحق معتصمو رابعة وما زال يحدث إلى الأن بحق كل من يقف يسار نظام السيسي.

سائسي العقول

“سائسي العقول ” كما يسميهم – هربرت شيلر- في كتابه “المتلاعبون بالعقول ” هم القادرون على طرح الأفكار التي يريدونها والترويج لها مستخدمين في ذلك خبرات وفنون الاتصال المتطورة وعلم النفس الحديث، حتى صار كهنة الإعلام يتقنون ” التضليل الإعلامي ” بعد أن أصبح علما قائما بذاته ، يهدف إلى إلباس الباطل ثوب الحق ، وإخراج الزيف في لباس الحقيقة ، وكتمان الحقيقة نفسها ، بهدف السيطرة على وعي الجماهير ليكون ” وعيا معلبا ” ، وحتى تكتمل الصورة تتعدد وسائل الإعلام لتردد وتبث نفس الرواية المتعمد إرسالها للمتلقي ، فلا تجد الجماهير بُدا أمامها سوى التصديق ، فأينما تولي وجهها تجد نفس المعلومات الضالة ، رغم أن تعدد الوسائل كان الهدف منه رؤية الحقيقة من كافة أوجهها .

وكي يتحول الإعلام من أداة للوعي إلى أداة للتغييب والتضليل ؛ عليه العمل وفق قواعده الممنهجة الضالة المضلة على استثارة مشاعر الخوف لدي الجماهير من وجود أخطار وأزمات تهدد البلاد ؛ فالخوف يمنع المتلقي من التفكير السليم ، ويمكنه تقبل الأكاذيب دون مقاومة ، كذلك تزييف التاريخ ، وتوجيه الرسالة لبسطاء العقول مع تكرارها حتى يصدقونها ، والهجوم على الشخصيات والرموز، وإلصاق فضائح وهمية لهم يشغلونهم بها حتى لا تتم مناقشة أفكارهم وبرامجهم فينسحبون من الساحة ثأرا للكرامة وإيثارا للسلامة ، كذا وصم المعارضين والخصوم بمعاداة الشعب والوطن والدين ووصف من هم بالسلطة ” المالكة للوسيلة الإعلامية ” بالوطنية وحماة الدين الساهرين على مصلحة الجماهير ، بالإضافة إلى التقليل من جرعات البرامج الوثائقية والعلمية والتاريخية والثقافية والدينية وزيادة ساعات الترفيه والمرح المقدمة خاصة في التلفاز والإذاعة ، وأخيرا شيطنة الآخرين ولصق الاتهامات والجرائم بشكل متكرر لهم مع تكرار تلك الرسالة الإعلامية في اليوم عدة مرات بانتظام لدرجة يصدقها المثقفون والمفكرون يشبهون في ذلك عامة الناس والبسطاء منهم .

هكذا يتفنن الإعلام الأسود في صناعة الكذب وتسميم الحياة السياسية؛ وتزييف الواقع وتدليسه وصناعته بمؤثراته المختلفة ضمن تعظيم التافه وتسطيح المهم في إطار ترتبك فيه العقول وتحتار.
فالهدف هو أن تغزو وسائل الإعلام العقل فتشكله ما استطاعت، وتحركه ما أرادت، لتفصل الناس عن واقعهم الأليم الذي يحرك احتجاجاتهم ومطالباتهم، وهذه المسألة واحدة من درجات ما يمكن تسميته بغسيل المخ الجماعي، أو تزييف الوعي.

255 total views, 6 views today