كيف سحقت إجراءات السيسي التقشفية الطبقة الوسطي في مصر؟

هل ذهبت وعود الإصلاح والرخاء التي وعد بها عبد الفتاح السيسي، المصريين أدراج الرياح؟ التقارير الدولية رصدت ارتفاع معدلات البطالة والفقر في مصر. مشيرة إلى أن حزمة الإجراءات الاقتصادية المتتالية التي أقدم عليها السيسي خلّفت وراءها ملايين الفقراء، وقصمت ظهر الطبقة الوسطى في المجتمع.

وكالة بلومبيرج الأمريكية قالت: “رغم أن الاقتصاد المصري سجل أسرع معدلات نمو في الشرق الأوسط، فإن معدلات الفقر شهدت صعودا كبيرا رغم برنامج الإصلاح الاقتصادي”.  لكن العامل الأخطر يتمثل في ارتفاع الدين العام إلى 106 مليارات دولار، وعجز الموازنة، والقروض الهائلة التي تعتمد عليه الحكومة، منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو/ تموز 2013، ودخول البلاد في أزمات سياسية متعاقبة، ظهرت عواقبها في الاقتصاد المنتكس.

شوربة الفقراء

في 8 أغسطس/ آب الجاري، نشرت مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية تقريرا بعنوان “رغم إجراءات مصر الاقتصادية.. الفقر يزداد”، تحدثت فيه عن سياسة الحكومة المصرية الاقتصادية، تحت قيادة رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، وكيف ساهمت في ارتفاع معدلات الفقر والفقر المدقع، ودفع المواطن ثمنها غاليا. وقالت المجلة البريطانية: “باستثناء شعاع الهاتف النقال خلف كوم البطيخ، فإن بقالة الخضار والفواكه في شارع مزدحم في القاهرة تبدو فارغة ويقول صاحبها إن بضائعه سعرها أعلى بنسبة 25% من الصيف الماضي”.

مضيفة: “ومع تزايد الأسعار يتراجع الزبائن، فمن اعتاد على شراء كيلو يشتري اليوم نصف كيلو، وعادة ما يطفئ الضوء بين زبون وآخر لتوفير بعض الجنيهات على فاتورة الكهرباء، ولم يكن هناك ضوء في محل الجزارة القريب منه، الذي قال صاحبه إن موارده تراجعت بنسبة 20%، قائلا: (أبيع الكثير من العظام لعمل الشوربة)”.

وذكر التقرير أن مصر تعهدت في العام الماضي بتخفيض مستويات الفقر إلى النصف بحلول عام 2020، والقضاء عليه بحلول عام 2030، إلا أنها تسير في الطريق الخاطئة، ففي 29 يوليو/ تموز 2019، أعلنت هيئة الإحصاء الوطني عن تقرير تم تأخيره حول دخل أصحاب البيوت المصرية، ووجدت أن 33% من 99 مليون مصري يعدون فقراء حتى العام الماضي، وهي نسبة أعلى بـ 28% مسجلة في عام 2015.

وعقبت “ذي إيكونوميست” بأن “هذه النتائج المحزنة قد لا تكون محزنة بدرجة كافية، فحددت الحكومة مستوى الفقر بمن لديه دخل شهري بـ 736 جنيها مصريا (45 دولارا)، وهو رقم يراه الاقتصاديون منخفضا جدا، مشيرة إلى قول البنك الدولي في نيسان/ أبريل الماضي إن نسبة 60% من المصريين إما فقراء أو عرضة للفقر”.

وقالت: إن “المصريين الأكثر فقرا، هم الذين ينفقون نسبة 48% من دخلهم لشراء الطعام، وهم الأكثر تضررا، فقد أصبح اللحم من الكماليات، فكيلو لحم بقري يعني إنفاق 9% من دخلهم الأسبوعي، وحتى صحن (طبق) الكشري، الذي يعد الغداء الشعبي لمعظم المصريين زاد سعره، وتبيع المطاعم الصحن اليومي بخمسة أضعاف أو أكثر من سعره السابق”.

قطع الدعم 

أكدت المجلة أن “الكثير من التغييرات جاءت متأخرة، مثل قطع الدعم عن الوقود، لكن حكومة السيسي تبدو غير آبهة لأثرها على الفقراء، وهي تشير إلى توسع الاقتصاد بنسبة 5.6% العام الماضي من مجمل الناتج المحلي، وهو ما جعل مصر الأكثر نموا في الشرق الأوسط”. موضحة: “لكن هذا النمو مرتبط بالازدهار في مجال النفط والغاز الطبيعي، أما بقية القطاعات فتبدو راكدة، ورغم خلق فرص عمل، إلا أنها في الأعمال ذات الأجر المتدني أو القطاعات غير الرسمية”.

ثم عقبت: “مع أن الدعم كان يقع في قلب شبكة الحماية الاجتماعية المصرية، إلا أن شيئا لم يحل محله عندما تم قطعه، فبرنامج توفير الدعم المعروف تكافل وكرامة يغطي 9.4 مليون مصري، أي أقل من 10% من السكان، بالإضافة إلى أن الدعم الشهري للعائلات التي لديها أطفال لا يكفي لشراء علبة حليب، وتوفر بطاقات الحصص التموينية الفرصة للحصول على المواد الأساسية، لكن أحدا لا يمكنه العيش على الزيت والأرز فقط”.

ورأى التقرير أن “المكاسب التي تم تحقيقها جاءت بثمن دفعه المصريون أنفسهم، فأدى قطع الدعم عن الوقود إلى ارتفاع كلفة النقل والسفر، فالمصري الذي يعيش تحت خط الفقر الرسمي ويقوم برحلة قصيرة بالمترو يوميا يقتطع 25% من دخله الشهري، فيما زاد المعدل العام للإنفاق عند أصحاب البيوت إلى 43% منذ عام 2015، مشيرة إلى أن نسبة الدخل لم ترتفع عن 33% خلال الفترة ذاتها، في وقت زاد فيه الدين للبنوك بنسبة 58%”.

ويجد التقرير أن هذه الأرقام هي تقييم للإجراءات الاقتصادية التي أشرف عليها عبد الفتاح السيسي، بدعم من صندوق النقد الدولي، الذي صادق على حزمة قروض بـ 12 مليار دولار عام 2016، بشرط قطع الدعم عن الوقود، والسماح بانخفاض قيمة العملة، وفرض دخل قيمة مضافة بنسبة 14%، وهو ما سمح لمصر بالحصول على فائض، وخفف العجز بنسبة 8.3% من الناتج المحلي العام من 12.5% قبل 3 أعوام. واختتمت المجلة تقريرها بالقول: إنه “في مواجهة الأخبار السيئة فإن الحكومة تصرفت بالطريقة التي تتقنها، وهي لوم حامل الأخبار، وكان من المفترض صدور تقرير الفقر في فبراير/ شباط 2019، وتم تأخيره مرتين، وطلب من المشرفين عليه مراجعة النتائج”.

الدين الخارجي

في 15 أغسطس/ آب الجاري، أصدر البنك الدولي، تقريرا أفاد فيه، بارتفاع الدين الخارجي لمصر إلى 106.2 مليار دولار بنهاية مارس/آذار الماضي، مقابل 88.16 مليار دولار بالفترة المقارنة من 2018. وبلغ حجم الزيادة مقارنة بالعام الماضي، نحو 18.1 مليار دولار. وحسب التقرير، فإن تلك الزيادة خلال الربع الأول من العام الجاري، بلغت 20.4% على أساس سنوي.

وأرجع البنك المركزي المصري، ارتفاع الدين الخارجي، نتيجة زيادة صافي المستخدم من القروض والتسهيلات بنحو 4.3 مليار دولار، بالإضافة إلى انخفاض أسعار معظم العملات المقترض بها أمام الدولار بقيمة 400 مليون دولار.

ويتوسع نظام عبدالفتاح السيسي في الاقتراض من الداخل والخارج خلال السنوات الأخيرة، لإنجاز مشروعات عملاقة، يشكك خبراء في جدواها الاقتصادية. ومن آن لآخر تطلب مصر قروضا من مؤسسات دولية، ودولا خليجية، كما أنها تطلب تأجيل سداد قروض مستحقة عليها مقابل فائدة أعلى.

في أبريل/ نيسان 2019، أصدرت مصر 750 مليون يورو من الديون في أسواق السندات العالمية بمعدل فائدة يصل إلى 4.75 بالمائة. وفي 19 فبراير/ شباط، اقترضت الحكومة 4 مليارات دولار من أسواق السندات لمدد تتراوح بين 5 سنوات و30 سنة بمعدل فائدة يقترب من 7 بالمائة.

وما من شك في أن هذه الزيادة الكبيرة منذ عام 2016 في اقتراض مصر من الأسواق العالمية تكتنفها مخاطر، ففيما لو طرأ تغير على ظروف الأسواق العالمية فإن السوق الذي يتحمل الآن ديونا خارجية تساوي تقريبا ما نسبته 40 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي قد يصبح عرضة للأخطار. وتعتبر ولاية السيسي، هي الأكثر مديونية في تاريخ مصر، وما ترتب عليها من أعباء ضخمة على الموازنة.

تلاشي الطبقات

يعيش المصريون العاديون حياة صعبة، حيث يعاني ثلث السكان تقريبا من الفقر، وهو ضعف ما كان عليه الرقم مطلع القرن حسب بيانات حكومية حددت خط الفقر عند 45 دولارا في الشهر. تقرير شبكة بلومبيرج في 6 أغسطس/ آب الجاري تحدث عن الأوضاع الاقتصادية المتأزمة في مصر مشيرا إلى أن معظم المصريين “يعانون بشدة بسبب خفض قيمة العملة بما جعل الجنيه يفقد أكثر من نصف قيمته وكذلك بسبب تقليص الدعم الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل حاد”.

ولفتت الشبكة إلى أن “ثقة الشركات الخاصة تبدو مهزوزة خاصة التي تعاني من إعاقات في أعمالها بسبب الروتين الحكومي المعقد والبنية التحتية السيئة”، مضيفة: “بحسب ما يستفاد من مؤشر مختص بمدراء المشتريات في السوق المصرية، فقد تقلص النشاط التجاري في كل الشهور الأحد عشر الماضية فيما عدا في شهرين اثنين منها”.

سبق للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر أن أعلن “ارتفاع معدلات الفقر في البلاد إلى 32.5 في المئة من عدد السكان بنهاية العام المالي 2017/ 2018، مقابل 27.8 في المئة لعام 2015/ 2016، بنسبة زيادة بلغت 4.7 بالمئة، وهي أكبر زيادة لنسبة الفقر في البلاد منذ 19 عاما”.  ليترتب على ذلك اضمحلال حاد للطبقة الوسطى التي باتت تقاوم، من أجل البقاء، بعدما تراجع عدد كبير منها نحو الطبقات الفقيرة والكادحة، التي تزداد رقعتها.

 

 

63 total views, 6 views today