عبدالله حمدوك..لعبة الحظ

بقلم/ محمد محيي الدين

إعلامي مصري 

بعد قضائه أكثر من ثلاثة قرون  خارج أراضي السودان ، توافقت مكونات قوى الحرية و التغيير بما فيها الجبهة الثورية صاحبة التحفظات الأكبر على الوثيقة الدستورية على اختياره رئيسا للوزراء .

عبدالله حمدوك نفسه لم يكن يتوقع أو يخطر في باله و لو للحظة أن يصبح رئيس وزراء السودان لا في عهد الرئيس السابق عمر البشير  رغم اختياره لتولي  مهام وزير المالية في سبتمبر الماضي ولا حتى بعد سقوط البشير و دخول البلاد في دوامة من الاحتجاجات المتوالية ضمن موجة الثورة المباركة التي انطلقت شرارتها في ديسمبر الماضي.

في أسباب اختيار قوى الحرية و التغيير حمدوك لرئاسة الوزراء بصفتها صاحبة الحق الوحيدة في ترشيحه وفق نص الوثيقة الدستورية فإن الرجل شخصية توافقية وهذا يعني الكثير ..

في مثال مصغر ..شخصيا عملت في عدة مؤسسات شهدت فيها على آليات مختلفة لاختيار مدراء الأقسام و ربما المدراء العاميين، ورغم اختلاف الآليات من مؤسسة لأخرى إلا أنها هناك إجماع على أن يكون قرار اختيار الشخص المكلف بالمهمة مرضي و مطيع لأكبر قدر ممكن من المعنيين، وليس شرطا أن يكون هو الأكفأ أو الأقدر على إدارة المرحلة وهذا ما أخشاه من اختيار حمدوك الذي ظل بعيدا كل تلك الفترة عن واقع البلاد الذي طرأت عليه تغيرات كثيرة.

قوى التغيير و المجلس العسكري ..شد و جذب

بعد نجاح الثورة في اقتلاع البشير من منصبه كرئيس للبلاد ودفع أحد أهم أذرعه وزير دفاعه بن عوف إلى التحفظ عليه أملا في أن يحل مكانه ولو لفترة ،فرضت قوى التغيير نفسها في قيادة الموجة الثورية و بالأخص منها تجمع المهنيين الذي مكن لها في حجز مكان على طاولة التفاوض مع المجلس العسكري من خلال قوته الميدانية في تحريك الجماهير و حشدها ضد سياسات المجلس و تصرفاته ولم يكن ذلك نتاج اللحظة بل هو ثمار جهد بذله على مدى طويل.

دخلت البلاد منذ وصول عبدالفتاح البرهان إلى رئاسة المجلس العسكري في عدة معتركات دموية ربما أولها كان في الثامن من رمضان الماضي و آخرها أحداث الأبيض و أبشعها أحداث فض اعتصام القيادة العامة بالقوة، وفي خضم تلك الأحداث و هذه الفترة لم أسمع صوتا أو أقرأ تعليقا أو تصريحا لرئيس الوزراء الجديد لا مع ولا ضد، ربما من هنا جاء اختياره.

الثورة والدولة العميقة..كيف توافقا؟

صحيح أن حمدوك رفض منصب وزير المالية الذي عرضته عليه حكومة المؤتمر الوطني برئاسة معتز موسى في سبتمبر الماضي ،لكن رفضه لا ينفي عنه توافق و رضا الحزب الحاكم حينها عليه لإدارة المرحلة الاقتصادية و إنقاذهم من حالة الفشل الذريع التي وصلوا إليها و أغرقوا البلاد فيها أي كان بمثابة المنقذ إلى حد كبير لهم ، ربما رفض الرجل للمنصب جاء في سياق رده على ما فعلوه فيه من فصله من المالية بعد انقلاب البشير عام تسعة و ثمانين و كذلك إلغاء ابتعاثه الدراسي قبل اتمامه للشهادة الجامعية اللندنية .

ما يؤكد أن الرجل كان و لازال اختيار الدولة العميقة هو ما تناقلته وسائل إعلام دولية بأن حمدوك تلقى تطمينات و تأكيدات من قيادات الحزب الذي قامت عليه الثورة بأن المؤتمر الوطني سيدعمه قلبا وقالبا.

ليبقى السؤال الأكثر إلحاحا، هل حمدوك هو اختيار قوى التغيير أم المؤتمر الوطني المعزول؟ أم اختيارهما معا؟ و كيف توافقت الثورة و الثورة المضادة على اختيار واحد؟

في النهاية..كثير من الحظ الإلهي و القدر كان من نصيب حمدوك الذي سيذكره التاريخ كأول رئيس وزراء مدني بعد ثورة السودان المجيدة التي أطاحت بعمر البشير رأس النظام السابق لكن جسمه كاملا لازال يتحرك  باحثا عن رأس جديدة.

في مقالي القادم

قصاص أم حصانة مطلقة.. تحديات  الحكومة الجديدة