تجمع المهنيين و إخوان مصر..التاريخ يعيد نفسه

بقلم/ محمد محيي الدين 

إعلامي مصري 

ما إن قطع تجمع المهنيين على نفسه عهدا في مراحل سابقه بعدم ترشيحه ممثلين عنه للمجلس السيادي في البلاد إلا وزاد احترام الجماهير له والتفاف الغالبية العظمى منها حوله وكان ذلك واضحا في قدرته على حشدها في مناسبات عدة البعض منها كان مواكب مليونية مهيبة في أوقات عصيبة.

قرار الترشيح لمقاعد المجلس السيادي

رأى قطاع كبير من الجماهير السودانية أن مشكلة ضخمة تحدث في بداية التأسيس للمرحلة الانتقالية وهي انقلاب التجمع على ما وعد به الشارع بعدم ترشح ممثلين عنه لمنصبٍ بالمجلس السيادي، هنا يمكن تلخيص رؤى الجماهير في فئتين قطاع ثار و نزل إلى الشوارع و حاوط مقرات التجمع لاثناءه عن قراره من باب المصلحة وعدم الوقوع في فخاخ الدولة العميقة و آخر اتخذ من الحدث ذريعة لضرب شعبية التجمع بتسليط الضوء على القرار باعتباره كذب و خيانة للعهد و ما الى ذلك من اتهامات جزء منها صحيح والباقي محض افتراءات.
وفي الحقيقة عودتنا الثورات أن مثل هذه التوجهات لا تكون عفوية بل إنه لابد من وجود جهات أو أفراد ترعاها و تطلقها وفي هذا الصدد أشير إلى ذلك الضابط صاحب الرتبة الكبيرة في مصر و الذي لن أسميه لما خرج بعد ثورة يناير بسنوات عدة على الشاشات وأقر أنه كان المسؤول عن إطلاق الشائعات و تحريك الرأي العام ضد الثوار وأفكارهم.

الاخوان و التجمع ..نهاية مختلفة لنفس القرار

بعد انتصار ثورة يناير المصرية في أولى جولاتها و استطاعت بتصميم و إرادة أبنائها المخلصين خلع محمد حسني مبارك من منصبه خرج ممثلون عن جماعة الاخوان معلنين أنهم لن يرشحوا أحداً من جماعتهم لمنصب الرئاسة و مرور الايام و تسارع الاحداث و كثرة مقتسمي التورتة السياسية و الحائمين حولها انقبوا على وعودهم للجماهير المتعاطفة معهم او حتى قطاع كبير من المنتسبين للجماعة نفسها تنظيميا بترشيح اثنين من قيادات التنظيم للمنصب أحدهما استطاعت الدولة العميقة التخلص منه قبل دخوله المعترك الانتخابي وهو المهندس المعتقل حاليا خيرت الشاطر والآخر فاز بالمنصب فعلا وهو د مرسي رحمه الله، صحيح انه فاز لكن شرخا جماهيريا و جدارا عازلا بني بينه و بين قطاع ليس بالقليل من الجماهير التي كانت ملتفة حوله ما دفع بها للوقوف في صفوف أخرى بشرط واحد هي ان تخالفه وتكون في الجهة المضادة ما جعل منه فريسة سهلة لأنياب الجنرالات التي قضت عليه بضربات متتالية من وقت لآخر .
كذلك الوضع بالنسبة للتجمع لكن طه عثمان أنقذهم باعتذاره عن المنصب و من ثم كان الدرس مفيدا جدا بالابقاء على عهد التجمع ووعده للشعب السوداني حتى يظل خلفه كقوة حارسة لأهداف الثورة لم و لن تتخلى عنه طالما صدقها النوايا و استعان بها و رفع من قدرها فوق قدر لجانه الداخلية, الفارق الوحيد أن التجمع عاد عن انقلابه و استوى مع وعوده فزاد احتراما في أعين مناصريه وربما اكتسب جماهيرية أكبر.

 

سيكولوجية الثوار و الآليات الداخلية للتنظيمات

إن الجماهير الثائرة ليست معنية في أي حال من الأحوال بآليات التنظيمات الداخلية في إتخاذ القرار هي معنية فقط بما يخرج اليها وما هو معلن سواء في بيان أو تصريحات متلفزة غير ذلك يعتبر الكلام فيه بالنسبة اليها تضييع وقت .
هذه القاعدة أعتقد أنها اصبحت راسخة الان بالنسبة لتجمع المهنيبن بعد الدرس التي أعطته له الجماهير من أنصاره و التي يفترض انها ستضبط بوصلته وايقاعه طوال الفترة الانتقالية ،و ربما يكون الامر مماثلا بالنسبة لاخوان مصر نتيجة العواقب الوخيمة التي لحقت بقياداتها و قواعدها الشعبية منذ نحجت الدولة العميقة في نزع غطاء الشرعية الجماهيرية و الميدانية عنهامن قبل وصول ممثلها الى رئاسة الجمهورية حتى.
بعض من الدروس المستفادة
من الدروس المستفادة من هذه الأحداث ألا تسرف أي جهة سياسية في وعودها للجماهير طالما أنها ليست مضطرة لذلك أو لم تفرض عليها الضروروة شيئا من هذا القبيل، حتى لا تضع نفسها في مأزق لن تستطيع الخروج منه إلا بجروح متفاوته منها ما يؤدي الى الانتحار ر أو القتل بسكينة الوعود، بعض الحركات و الجهات السياسية تعللت بأن الوعود قد تأتي من باب التطمينات السياسية للجماهير و تبديد مخاوفها تجاة مواقف منها الالتفاف حول السلطة بشتى أشكالها و مراكز صنع و اتخاذ القرار لتنأى بنفسها بعيدا عن اتهامات منها الغدر بشركاء الميدان والاستخواذ على المناصب .
في هذا السياق هناك ألف طريقة لتطمين الجماهير وفق خطة أو استراتيحية تراعي في المقام الاول عدم فقدان الحشود الملتفة حولها و التي تؤمن بأن الأمل في التغيير لن يأتي الا من خلالها وذلك أيضا وفق رؤى معطيات مرحلية تثبُت أو تُنفى مع الأيام.

الوجه الآخر ..مثال عسكري

يجدر الاشارة الى واقعة أخرى هي تلك التي خرج فيها الجنرال المصري عبدالفتاح السيسي مخاطبا الجماهير في ٢٠١٣ بأن الجيش ليس له طمع في السلطة مؤكدا حينها أن حكم البلاد ليس عسكريا وما إن لبث الرجل الا و ترشح مرة تلو الاخرى و ربما سيتكرر الامر عدة مرات جديدة الا اذا تدخلت العناية الآلهية فهي القادرة وحدها الآن على فرض معطيات تغيير جديدة في مصر.

من باب الانصاف لا يمكن الربط بين المدنيين ووعودهم و العسكريين و ما يتلفظوا به فكل منهم له طبيعته الخاصة و المختلفة عن الأخر منذ النشأة و حتى الوفاة،السيسي أشار الى حكم مصر باعتباره ممثلا عن الجيش في تلك اللحظة ويمكن الا يعتبر البعض اشارته وعداً للجماهير ايضا باعتباره غير قادمٍ من صفوفها اما الاخوان المصريين و تجمع المهنيين قالوها صريحة و بوضوح تام وهذا لا يعفي أي طرف من الثلاثة من الخطأ في أعين و عقول الجماهير بل كلهم مدانون لكن بنسب ترتبط بطبائع مختلفة و رؤى جماهيرية مختلفة خاصة و أن الجنرالات دائما ما يملكون عصا التحكم في مكونات الدولة العميقة و مؤثراتها وأدواتها الاعلامية بخلاف المدنيين الذين يعانون في غالب الأوقات منها ومن أدواتها.
انتهى الدرس …
في مقالي القادم
عبدالله الحمدوك ..لعبة الحظ