واسطة العسيلي ومنظومة القيم

بقلم/ ياسر عبد العزيز 

منذ ثورة يناير وأنا لا أطالع أخبار الفن، وإن كنت بالأساس لم أكن لأطالعها إلا من منطلق العلم بالشيء ولا الجهل به، ففي بعض المجالس وخاصة الشبابية في العائلة ينطلق الحديث عن أخبار الفنانين ومواقفهم، وحتى لا أنفصل عن الواقع وينفصل عني الشباب كنت أداوم على مطالعة أخبار الفن لأكون حاضرا في حوارات الشباب التي غالبا ما كانت ثرية لتناولها الأحداث بشكل نقدي رائع ينم عن عقلية واعية تستطيع أن تربط الأحداث وتحللها وتضع يدها على الأدوار الملعوبة في تلك الأحداث وأهدافها، وهو صلب السياسة لو تعلمون، فتحريك الجماهير وتنميطهم له أدواته ومن تلك الأدوات المهمة الفن والرياضة.

في مقطع فيديو متداول دار حديث بين (المطرب) محمود العسيلي وبين واحد من الجماهير طلب فيه المشاهد أن يلتقط صورة مع العسيلي، فرد الأخير (أنت عندك واسطة… أنت جامد أوي يعني) ليرد الشاب بكل براءة (علشان بحبك) ليزيد العسيلي من جرعة التعالي (يعني أنت بتحبني وكل الناس دي بتكرهني… يعني لو اتصورت مع حضرتك مش لازم أتصور مع كل الناس دي) ويشير بملء يده إيحاء بأن ملايين المشاهدين يقفون أمامه ليستمعوا لأغانيه، انتهى مقطع الفيديو لكن تداعياته ومنطلقاته وتحليلها لم ينته.

لن أخوض كثيرا في واجبات المشاهير على كل الأصعدة، لا الفن ولا الرياضة فقط، بل على كل الأصعدة الفنية والرياضية والأدبية والشعرية والسياسية والعلمية والمجتمعية والدعوية، فلكل مجال من هذه المجالات نجوم، فالأمر لا يقتصر على الغناء كما يظن العسيلي، فنجوم المجتمع في كل تلك المجالات عليهم واجبات، أولها التحلي بالتواضع والخضوع لجماهيره ومحبيه، ونضرب في ذلك أمثلة في حفرت بأخلاقها في قلوب الناس مكانا لا يبرحوه، كالدكتور أحمد زويل واللاعب أبو تريكة والشاعر البرغوثي والناشط المجتمعي الدكتور شريف عبد العظيم، والرئيس الشهيد محمد مرسي، والشيخ الشعراوي، وغيرهم كثير ممن فهموا المعنى الحقيقي للعمل العام ومواجهة الجمهور.

لكن ما يجب الوقوف عنده من حديث العسيلي هو الواسطة، عندما قال للمشاهد (أنت عندك واسطة) هذه الثقافة المترسخة لدى العسيلي ولدى الكثير من أمثاله جاءت مع الفساد، للحق أنها متجذرة منذ مئات السنين لكنها نمت وترعرعت تحت حكم العسكر، هذه الآفة إنما تنمو في بيئات متفسخة تكثر فيها الرشاوى والفساد والمحسوبية، فمقامك حيث أقامتك الواسطة، وأنت في الكلية الحربية أو الشرطة حيث حجم واسطتك وقدرتها على تقديمك على باقي الوسائط، فالكل دخل بالواسطة ولكن من كانت واسطته أعلى فهو المقدم، وقس على ذلك في الكليات العملية فأبناء الأساتذة معينون في الجامعة، وأبناء القضاة في النيابة وأبناء السفراء في الخارجية.

لقد نادت ثورة يناير فيما نادت بعد العيش والحرية والكرامة الإنسانية بالعدالة الاجتماعية، والعدالة الاجتماعية في منظور من نادوا بها ليست توزيع الثروات وتحسين الرواتب ووضع حد أدنى لها، بل هي أيضا وضع معايير للكفاءة في تولي المناصب، لقد كان لدينا بوعزيزي في مصر كما كان في تونس لكن لا أحد يلقى الضوء عليه، فمن أسباب اندلاع ثورة يناير، تلك الحادثة التي هزت الرأي العام المصري وحاول إعلام النظام التغطية عليها، قصة الشاب أبن المزارع الذي نجح في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وكان من الأوائل وقدم في اختبار الالتحاق بوزارة الخارجية وكان الأول فيه، لكن الوزارة رفضته لعدم لياقته الاجتماعية، لأن أبوه ليس سفيرا أو وزيرا أو قاضيا.

إن منظومة القيم في مصر تشكلها طغمة فاسدة، من إعلاميين وفنانين وكتاب وسياسيين، لهم مصلحة في تصدير الأمثلة الفاسدة والشخصيات الساقطة في سلوكياتها ومظهرها لمسخ هذا المجتمع، رفضا للقيم العليا والمستقاة من ديننا الحنيف وأعرافنا الراسخة التي تدعو للتواد والتراحم وتقديم الكفاءات، فأصبح نجوم المجتمع مسوخ وسلوكهم مشين، وتراجع العالم أمام العالمة وتراجع الطبيب أمام المطرب، وبعد أن كان عبد الحليم رمزا أصبح أوكا النجم، وبعد أن كان الخطيب مثال أصبح وردة ملء السمع والبصر، هذه المنظومة القيمية التي ترسخ في العقل الجمعي مشاهد العنف والسرقة والنصب والتسلق ورفض الأنقياء والمصلحين وقبول المفسدين المخربين، إنما هي مدروسة ليبقى النظام على قيد الحياة، ذلك أن الفيروس لا يستطيع أن يحي في بيئة نظيفة.