حسن نافعة يكتب: عن المعارك الوهمية بين شرائح النخبة المصرية

 

بقلم حسن نافعة 
بقلم/د.حسن نافعة 

نجح النظام الحاكم في مصر في تشتيت قوى المعارضة، وفي بث الفوضى داخل صفوفها، وفي إضعاف تأثيرها إلى درجة أغرته بإدخال تعديلات دستورية، تسمح للرئيس السيسي بالهيمنة المطلقة على مقدرات البلاد حتى عام 2034.
ولا يعود هذا النجاح، في تقديري، إلى قوة هذا النظام بقدر ما يعود إلى ضعف وتشرذم المعارضة، على اختلاف انتماءاتها السياسية وتوجهاتها الأيديولوجية. فرغم إدراك هذه القوى عدم قدرة أي فصيل بمفرده على إخراج مصر من أزمتها الراهنة، إلا أن خطابها السياسي ما زال يعج بمفردات تؤكد عدم وصولها إلى درجة النضج، التي تسمح لها بتحقيق هذا الهدف، ولو بعد حين.
إخراج مصر من أزمتها الراهنة يفرض على قوى المعارضة أن تسعى لبلورة رؤية موحدة تتضمن تشخيصا دقيقا للوضع الراهن، وللأسباب التي أدت إليه، وللسبل الكفيلة بتجاوزه. ليس من الضروري أن تعكس هذه الرؤية اتفاقا حول كافة التفاصيل المتعلقة بهذه المحاور الثلاثة، وإنما يكفيها أن تحدد بدقة مساحة ما تتفق عليه قوى المعارضة وما تختلف حوله، وأن تتوافر لدى مختلف الفصائل، ما يكفي من حسن النوايا وقوة الإرادة للعمل معا من أجل توسيع رقعة المشترك، وتقليص مساحة المختلف عليه، ما يفرض عليها الالتزام بعدم النبش في الماضي، اللهم إلا بقصد استخلاص الدروس المستفادة، وتجنب الوقوع في الأخطاء نفسها. غير أنه يسهل على اي متابع لما يجري من تفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي ملاحظة أن قوى المعارضة لم تتمكن من السير على هذا الطريق وربما تكون قد بدأت تتحرك في الاتجاه المعاكس.
أدرك جيدا أن التفاعلات التي تجري عبر مواقع التواصل الاجتماعي تعبر عن عالم افتراضي، وبالتالي لا يعكس بالضرورة حقيقة ما يجري على أرض الواقع. ولأنها مواقع تسمح لكل شخص أو مجموعة من الأفراد بفتح ما يشاء من حسابات، لعرض ما يشاء من أفكار، فقد انفسح المجال لظهور «قطعان إلكترونية» تسعى للتأثير على مجرى النقاش العام، والعمل على توجيهه نحو مسارات مصطنعة. ومع ذلك لا تخلو متابعة ما يجري من تفاعلات على بعض هذه المواقع من فائدة لكل مهتم بالشأن العام.
تجربتي مع مواقع التواصل الاجتماعي محدودة، لعدم توافر الخبرة الفنية اللازمة والوقت الكافي، لكنها مع ذلك غنية بالدروس. لديّ حسابان على مواقع التواصل الاجتماعي، أحدهما على «الفيسبوك» والآخر على «توتير». الأول في حالة كسل أو شبه خمول، وبالتالي غير نشيط، لأن استخدامه يقتصر عادة على التعريف ببعض الأنشطة التي أقوم بها، خاصة الفكرية منها، عبر إرسال «لينكات» الأبحاث المنشورة ومقالات الرأي والحوارات الصحافية والتلفزيونية، إلخ. أما الحساب الثاني فيعد أكثر نشاطا، ويتيح لي إمكانية التعبير عن وجهة نظري في مختلف الأحداث الجارية عبر «تغريدة» يومية عادة ما تثير ردود أفعال متباينة، أحرص على متابعتها، رغم أنها قد تكون صاخبة وعنيفة إلى درجة الابتذال أحيانا. وأخيرا هناك «الواتس آب» وما يتيحه من إمكانية التفاعل مع مجموعات متخصصة ومتباينة الأهداف والتوجهات. ورغم محدودية تجربتي الشخصية مع مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنها اتاحت أمامي فرصة ثمينة للتعرف بشكل أفضل على خريطة القوى السياسية في مصر، خاصة قوى المعارضة، وولدت لديّ انطباعات محددة عنها، أود أن أشرك القراء معي فيها، وذلك من خلال الملاحظات التالية:
*الملاحظة الأولى: تتعلق بمستقبل الحالة الاستقطابية التي ميزت العلاقة بين فصائل المعارضة، خاصة بين «الإسلاميين» و»العلمانيين»، عقب ثورة يناير/كانون الثاني وكادت تصل إلى حد القطيعة عقب أحداث 30 يونيو/حزيران. كان البعض يتصور أن الرحيل المفاجئ للدكتور محمد مرسي قد يسهم في تذليل واحدة من أهم العقبات التي تحول دون إعادة بناء جسور الثقة بين الطرفين، ألا وهي عقبة الشرعية الدستورية. غير أن ما لمسته من ردود أفعال على بعض تغريداتي ولّد لديّ انطباعا بأن هذه الحالة الاستقطابية مرشحة ليس فقط للتواصل والاستمرار، وإنما أيضا للتفاقم والحدة، وهو ما قد يشير إلى أن الهوة التي تفصل بين الطرفين ما تزال واسعة وعميقة، ولا تتوافر لدى أي منهما رغبة حقيقية ومخلصة، لإجراء المراجعات النقدية اللازمة للعثور على أرضية مشتركة تساعد على انتشال الوطن مما هو فيه. وقد تأكد لديّ هذا الانطباع من تعليقات على بعض تغريداتي، تتكرر بإلحاح وتحملني شخصيا جانبا من المسؤولية، عما وقع في مصر بسبب تأييدي للحراك الجماهيري في 30 يونيو. ففي كل مرة أكتب فيها «تغريدة» تتضمن نقدا عنيفا للنظام الحاكم، حول أي مسألة، يرد عليّ البعض قائلا: «لا تلومن سوى نفسك»، ويزيد البعض الآخر مؤكدا على أن الله لن يغفر لي هذه الخطيئة أبدا.
في المقابل، يوجد فريق آخر من المتابعين يرى في انتقاداتي المباشرة للنظام الحاكم دليلا على أنني «خلايا نائمة». فإذا افترضنا جدلا أن رأي الفريق الأول لا يعكس رسميا توجهات جماعة الإخوان، وأن رأي الفريق الثاني لا يعكس توجهات النخبة الحاكمة، وأنهما معا ينتميان، كما يظن البعض، لظاهرة «القطعان الإلكترونية»، فالأرجح أنهما ينتميان في هذه الحالة إلى «قطيعين» مختلفين، أحدهما يبدو متعاونا مع أحد الأجهزة الأمنية، والآخر ربما يكون مرتبطا بقيادة تنظيم سياسي ما، الأمر الذي يعيدنا من جديد إلى نقطة الصفر ويعكس استمرار حالة استقطابية يبدو أنها تتجه نحو التفاقم.

*الملاحظة الثانية: تتعلق بالدور الملقى على عاتق القوى «غير التقليدية» لإخراج مصر من أزمتها السياسية الراهنة. فمن المعروف أن القوى والشخصيات غير المنضوية في أحزاب أو في جماعات سياسية تقليدية، مثل «كفاية» و «6 إبريل» و»الحملة المصرية ضد التوريث» و»الجمعية الوطنية للتغيير» وغيرها من الحركات السياسية المتمردة على الأحزاب التقليدية، هي التي حملت راية التغيير وقادت الاحتجاجات التي نجحت، بالتراكم، في تفجير ثورة يناير. ومن الطبيعي، عند تجدد الحديث عن حتمية رفض الأمر الواقع ومشروعية المطالبة بالتغيير، أن تتجه الأنظار مرة أخرى إلى القوى غير التقليدية، وإلى الشخصيات المستقلة، لعلها تعثر على من يجرؤ على حمل الراية وتقدم الصفوف من جديد. غير أن المناخ السياسي السائد حاليا، سواء على صعيد النخبة الحاكمة أو النخبة المعارضة، لم يعد يساعد على ظهور هذا النوع من الحركات والشخصيات، ناهيك عن أن يسمح بها. وقد تأكد لديّ هذا الانطباع من ردود الأفعال المتباينة على بعض تغريداتي، التى تتحدث عن استحالة الاستسلام للأمر الواقع وتطالب بإدخال تغييرات جذرية على مجمل السياسات والتوجهات الداخلية والخارجية. فقد انقسمت ردود الأفعال على هذا النوع من التغريدات وتوزعت بين فريقين، الأول: يعبر عن قلقه على شخصي الضعيف، ويحفزني على ترك البلاد و»الهرب بعيدا وفورا»، كي لا ألقى مصير من سبقوني على الدرب نفسه، وهو السجن. والثاني: يشكك في نبل دوافعي ويحاول الإيحاء بأن شخصا يملك كل هذه الجرأة ويظل في الوقت نفسه خارج غياهب السجون لا يمكن إلا أن يكون عميلا ومتعاونا مع الأجهزة الأمنية. ولأنني كثيرا ما كنت أجد نفسي مدرجا ضمن مجموعات مغلقة على «الواتس آب»، وأحيانا بدون استئذان، فقد اضطررت من حين لآخر إلى الاشتراك والاشتباك في الحوارات الجارية بينها. وعادة ما كانت المناقشات تبدأ هادئة وجادة وموضوعية، ومن ثم مفيدة، وفجأة يخرج علينا أحد الأشخاص لإثارة معارك أراها «وهمية» حول عبد الناصر أو حسن نصر الله أو إيران، حينئذ تبدأ الأقنعة المصطنعة في السقوط ويعود الجميع للتمترس من جديد داخل خنادقهم الطائفية أو المذهبية أو الأيديولوجية، وتتوالى الانسحابات تمهيدا لاختفاء المجموعة وتجمدها. ومن الطبيعي، في مناخ كهذا، أن تلوذ بالصمت أكثر الشخصيات العامة القادرة على العطاء، أو تهرب إلى الخارج بحثا عن بيئة اكثر تحضرا واحتراما للكرامة الإنسانية.
*الملاحظة الثالثة: تدور حول طبيعة العلاقة بين الداخل والخارج، وتأثيرها على مسار ومصير ثورات «الربيع العربي». فالكل يدرك أن المال والإعلام والتنسيق الأمني، خاصة بين السعودية والإمارات، استخدمت كأدوات لإجهاض هذه الثورات في الماضي، لكن يبدو أنها ما تزال في حالة استنفار وجاهزة لإجهاض أو تخريب أي تحركات ثورية عربية جديدة تندلع في الحاضر أو في المستقبل. ولأن تيار «الإسلام السياسي» يبدو اليوم في حالة كمون أو دفاع عن النفس، وربما على وشك الانهيار، فضلا عن أن المخاوف التي أثارها دفعت بشرائح من النخب «العلمانية» للانحياز إلى قوى «الثورة المضادة»، لم يعد قادرا على استمالة «الأغلبية الصامتة» ودفعها للتحرك والمطالبة بالتغيير، سوى ما تبقى من قوى أو شخصيات مستقلة وغير تقليدية. ورغم ضعف ومحدودية تأثير هذه القوى والشخصيات في الوقت الراهن، إلا أن إعلام الثورة المضادة يبدو مصمما على تركيز هجومه على هذه الشريحة بالذات وبشكل لافت للنظر، ربما بحكم ما قد تكون مؤهلة للقيام به في المستقبل، وليس بحكم ما قد تستطيع القيام به في المرحلة الراهنة.