ورشة البحرين الاقتصادية بين بيع الوهم والتحالف مع إسرائيل

شهدت المنامة، عاصمة مملكة البحرين، يومي 25 و 26 حزيران/ يونيو 2019، ما سُمّي بورشة “السلام من أجل الازدهار”، وهي ورشة نقاشية لخطة اقتصادية، يشرف عليها جاريد كوشنر، مستشار رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، وتهدف، حسب كوشنر، إلى توفير بيئة استثمارية مناسبة، تشكّل قاعدة أساسية تنهض عليها خطّة الإدارة الأمريكية الحاليّة لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وبينما غابت المستويات الرسمية الفلسطينية والإسرائيلية عن الورشة، فقد حضرها وفد إسرائيلي برز فيه يوآف مردخاي، المنسق الأسبق لأعمال الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو ما يُعرف بـ “الإدارة المدنية”، برفقة رجال أعمال وإعلاميين إسرائيليين. وقد تزامن مع انعقاد ورشة المنامة، وجود شخصيات إسرائيلية، سياسية وأمنية سابقة، في البحرين، دون ربط زيارتها للبحرين بتلك الورشة. وبينما لم تسهب المستويات السياسية الإسرائيلية الرسمية في الحديث عن الورشة، إلا أنها أبدت تأييدًا معلنًا لها، على لسان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.

في المقابل، شاركت في الورشة شخصيات فلسطينية غير رسمية، وصفتها بعض الوسائل الإعلامية الفلسطينية بـ “العملاء”، وذلك في ظلّ رفض فلسطيني رسمي وشعبي، علنيّ وصريح، لهذه الورشة، تبعته محاولات فلسطينية أمنية لاعتقال بعض المشاركين في الورشة، التي عدّتها المؤسسة السياسية الفلسطينية الرسمية مقدّمة لما يُسمّى بـ “صفقة القرن”، مؤكّدة أنّها لن تنجح، كما جاء في تصريحات للرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو الموقف الذي أجمعت عليه القوى الفلسطينية بلا استثناء.

أثارت هذه الورشة اهتمامًا كبيرًا، وذلك نظرًا إلى سياقاتها السياسية الخطيرة، وانفتحت على تساؤلات كثيرة حول الأهداف منها، واتصلت تلك الأسئلة بحقيقة مواقف الدول العربية من هذه الورشة، وما يرتبط بها من خطة أمريكية، يصفها المراقبون بخطة تصفية القضية الفلسطينية، لا سيما تلك الدول التي شاركت فيها بمستويات متباينة.

الطريق إلى ورشة البحرين

منذ لحظة استلام دونالد ترامب لمهامه الرئاسية في البيت الأبيض، توقّع بعض المراقبين أن تتبنى إدارته توجّهًا يسعى إلى دمج “إسرائيل” في المنطقة، تحت مظلّة تحالف “شرق أوسطي”، يضمها ودولاً عربيّة، بذريعة التصدّي لإيران ولقوى الإسلام السياسي، وما يُدعى بـ “الإرهاب”، على أن يُدفع ثمن هذا التحالف من الحقوق الفلسطينية. منذ شباط/ فبراير 2017، بدأ الحديث الأمريكي الإسرائيلي، وعلى لسان نتنياهو وترامب، عن تحالف عربي إسرائيلي لا تعيقه القضية الفلسطينية، في إطار صفقة إقليمية شاملة، قد لا تقوم بالضرورة على حلّ الدولتين. هذه الصفقة سرعان ما أخذت اسم “صفقة القرن”، وذلك عقب لقاء في البيت الأبيض، جمع الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب، والمصري عبد الفتاح السيسي، في نيسان/ إبريل 2017

منذ ذلك الوقت، لم يُعلَن عن بنود هذه الصفقة، وإن أخذت وسائل الإعلام المتعددة تتحدث عن رؤية ترامب للصراع العربي الإسرائيلي، بما يتجاوز الأطر السابقة التي تبنتها الإدارات الأمريكية المتتالية، حيث قال حينها جاسون غرينبلات، مساعد ترامب ومستشاره للمفاوضات الدولية، إنها أفكار هدفها تسهيل التوصل إلى اتفاق سلام دائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

بدأت معالم هذه الصفقة/ الخطّة تتضح بالتدريج، وقد كشف عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني في كانون ثاني/ يناير 2018، أن المقترحات الأميركية نُقلت إلى الفلسطينيين عن طريق السعودية، وأن الصفقة تقوم على تصفية القضية الفلسطينية، وإنشاء حلف إقليمي ضد النفوذ الإيراني في المنطقة، تكون “إسرائيل” جزءًا منه.

في وقت لاحق، ذكرت المصادر الإعلامية المتعددة، ونقلًا عن مصادرها، أنّ هذه الصفقة لن تتجاوز حكمًا ذاتيًّا للفلسطينيين في الضفة الغربية، مع الاعتراف بشرعية الاستيطان الإسرائيلي فيها، وإخراج القدس من الصراع، ومنْح الفلسطينيين إحدى بلداتها بديلًا عنها لتكون عاصمة لهم، وتصفية حقّ العودة نهائيًّا.

وقد أكدت عدة قرارات للإدارة الأمريكية هذه التصورات، فقد اعترف ترامب بالقدس عاصمة لـ “إسرائيل”، ووقع قرار نقل السفارة الأمريكية من “تل أبيب” إلى القدس، وقطع كامل المساعدات الأمريكية عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا”، وسعت إدارته لتغيير وضعية اللاجئ الفلسطيني، بحيث لا يتجاوز عدد اللاجئين 40 ألفًا، من أصل أكثر من 5 ملايين لاجئ فلسطيني مسجلين في الـ “أنروا”، وقطعت كامل المساعدات الأمريكية عن السلطة الفلسطينية، وعن المستشفيات الفلسطينية في القدس، وأغلقت مكتب منظمة التحرير في واشنطن.

بات واضحًا من جملة القرارات الأمريكية، وتصريحات قياداتها، أن الإطار العام للخطة السياسية، لن يختلف جوهريًّا عما تداولته الأوساط السياسية والإعلامية طوال العامين الماضيين، وهو ما دفع قيادة السلطة الفلسطينية، منذ نهاية عام 2017، وردًّا على القرارات الأمريكية، إلى الإعلان عن قطع الاتصالات مع الولايات المتحدة، وعدم الاعتراف برعايتها المنفردة للعملية السلمية.

وبالرغم من ذلك، لم يُعلَن عن الشقّ السياسي من هذه الخطّة، والذي يُفترض أنّه يمثّل جوهرها. وقد قيل مؤخرًا إنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أرجأ الإعلان عنها إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في أيلول/ سبتمبر 2019 . إلا أنّ ذلك لم يمنع من الكشف عن الشقّ الاقتصادي من الخطّة، وطرحِها في ورشة خاصّة في المنامة، عاصمة دولة البحرين، تحت عنوان “من السلام إلى الازدهار- رؤية جديدة للشعب الفلسطيني”.

ورشة البحرينملابسات وحيثيات ومواقف

في التاسع عشر من أيار/ مايو 2019، أعلنت الولايات المتحدة ومملكة البحرين، عن استضافة الأخيرة لورشة عمل اقتصادية، تحت عنوان “السلام من أجل الازدهار”، في يومي الخامس والعشرين والسادس والعشرين من يونيو 2019 ، ثم بدأت العديد من الدول في الإعلان عن مشاركتها في هذه الورشة.

عربيًا، شاركت كل من المملكة العربية السعودية، يمثلها وزير المالية، ووزير دولة، ومحافظ صندوق الاستثمارات العامّة. وكذلك دولة الإمارات يمثلها وزير الدولة للشؤون المالية، ومصر يمثلها نائب وزير المالية، والأردن يمثّله أمين عام وزارة المالية، والمغرب يمثّله مسؤول بوزارة الاقتصاد والمالية. وقد جاء إعلان الدول الثلاثة الأخيرة، لا سيّما الأردن، متأخّرًا، وبعد سلسلة تكهّنات، بينما شاركت دولة قطر بحضور وزير ماليتها، دون أن تعلن مشاركتها في بيان رسميّ.

وقد تراوحت مواقف الجهات الأخرى بين المشاركة وعدمها. فالصين أعلنت موقفين متعارضين إزاء ذلك، إذ أعلنت عدم مشاركتها على لسان سفيرها لدى السلطة الفلسطينية، ولكنها أعلنت مشاركتها على لسان وزير خارجيتها. والأمم المتحدة، وبعد أسابيع من التردد، أعلنت أنها سترسل جيمي ماكغولدريك، نائب منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، إلى المؤتمر. بينما شارك الاتحاد الأوربي بوفد تقنيّ متدنٍ، وللاستماع فقط. في حين تحفظت روسيا على الورشة، ووصفتها بأنها غير بناءة، وأنها تترك القضايا الجوهرية على الهامش.

من المهم الإشارة إلى موقفين أساسيين من الورشة، الأول يمثّله التوافق الأمريكي الإسرائيلي على دعم ورشة البحرين، والثاني يمثله الإجماع الفلسطيني على رفضها. فعلى صعيد الموقف الأول، هاجم جاريد كوشنر السلطة الفلسطينية في ختام الورشة، وقال إنّها فشلت في مساعدة شعبها، وهو الموقف نفسه الذي عبّرت عنه المستويات الرسمية الإسرائيلية، التي قالت إنّ السلطة الفلسطينية تمنع تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين، في حين قال الرئيس الأمريكي ترامب، إنه قطع المساعدات عن الفلسطينيين، بهدف الضغط عليهم سياسيًّا، وردًّا على انتقاداتهم له وللولايات المتحدة.

ومن اللافت أيضا، تطابق تصريحات وزير خارجية البحرين خالد بن أحمد آل خليفة، لا سيما التي قدّمها للإعلام الإسرائيلي، مع التصريحات الأمريكية والإسرائيلية، في توجيه النقد للسلطة الفلسطينية، كتصريحه بأنّ السلطة الفلسطينية ارتكبت خطأ عندما قاطعت الورشة الاقتصادية في البحرين.

أمّا على صعيد الموقف الثاني، فقد أجمعت الأطراف الفلسطينية، السلطة والفصائل، على رفض الورشة، وما تضمنته من خطّة اقتصادية معلنة. فالرئاسة الفلسطينية اعتبرت أنّ ورشة المنامة ولدت ميتة، وأنّها فشلت بما يوجب على الإدارة الأمريكية أن تغيّر من توجّهها، وقالت إن تصريحات ترامب الأخيرة، والتي سبقت الإشارة إليها، غير مشجّعة، وأنه يعتمد على فريق منحاز لـ “إسرائيل” بالكامل. وعقّب الرئيس محمود عبّاس على الورشة بأنّ “الحقوق الوطنية ليست عقارات تُباع وتُشترى، وأن الحل السياسي يجب أن يسبق أي مشاريع اقتصادية”.

وكان رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، قد نشر مقالة في صحيفة الواشنطن بوست، قال فيها إنّ خطة كوشنر، هي نفسها مشروع السلام الاقتصادي الذي دعا إليه بنيامين نتنياهو، وأن ترامب ومستشاريه يشنّون حربًا على الحقوق الفلسطينية، وأن خطة كوشنر تهدف إلى تقويض الحقوق الفلسطينية، وتوطيد حكم “إسرائيل” على الشعب الفلسطيني.

أمّا حركة حماس، فقد أصدرت عدة بيانات اعتبرت فيها ورشة المنامة محاولة لتصفية القضية الفلسطينية، من البوابة الاقتصادية والمال المسيّس، وعبّرت عن استيائها الشديد من المشاركة العربية في مؤتمر المنامة، والتي جاءت خلافًا للإجماع الفلسطيني الرافض والمقاطع للمؤتمر. واستنكرت الحركة تصريحات وزير خارجية البحرين، التي قال فيها إن “إسرائيل” هي جزء من تراث المنطقة يجب السلام معه، وأن عداء العرب لا ينبغي أن يكون معها. وهو ما عدّته حماس تصريحاتٍ غير مسؤولة يروّج بها دومًا للكيان الإسرائيلي. وكانت حماس قد عقدت مؤتمرًا شرحت فيه موقفها من ورشة المنامة، وقالت فيه إنّ المجتمعين في المنامة، لا يملكون أي حق، أو أي تفويض، للحديث بالنيابة عن فلسطين.

ولم تخرج مواقف القوى الفلسطينية الأخرى عن هذا الموقف الرافض لورشة البحرين ومتعلقاتها. فقد عدّتها حركة الجهاد الإسلامي إعادة طرح لمشروع الليكود، الذي يقوم على فكرة السلام الاقتصادي، وقالت إن نتيجة الورشة أكدت على أن “إسرائيل” قد صارت دولة شقيقة وحليفة لبعض الأنظمة. أمّا الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي كانت قد دعت مصر والأردن والمغرب، إلى العودة عن قرار المشاركة في ورشة البحرين، محذرة من أهداف الورشة التصفوية، فقد عادت لتهاجم تصريحات وزير الخارجية البحريني، وقالت إن تصريحاته “تصل إلى حد الخيانة الصريحة، وتبرهن على أن النظام البحريني غارق حتى أذنيه، في دعم مخطط تصفية القضية الفلسطينية”

ومن جهتها، ثمّنت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الموقف الفلسطيني الموحد، بقواه وفعالياته المختلفة، الرافض لورشة البحرين، وما سمّته بخطة ترامب- نتنياهو. بينما أصدر حزب الشعب الفلسطيني، وردًّا على ورشة المنامة، ميثاق شرف وطنيّ، يتضمن رفضًا لصفقة القرن، ولكل أشكال التطبيع، ودعا الحزب جميع الفصائل للتوقيع عليه . أمّا المبادرة الوطنية الفلسطينية، فقد عدّ أمينها العام خطة كوشنر الاقتصادية، خديعة كبرى للتغطية على تصفية القضية الفلسطينية. واشتركت القوى الوطنية والإسلامية مجتمعة في الدعوة لسلسلة فعاليات في مدن ومحافظات الضفة الغربية، رفضًا لورشة البحرين، طوال يومي انعقاد الورشة

كما قوبلت الورشة بموجة من المواقف العربية الشعبية الرافضة، دعت إليها أحزاب وتجمعات مناهِضة للتطبيع، ومناصِرة للقضية الفلسطينية، شملت تنظيم مسيراتٍ وفعالياتٍ احتجاجية متنوعة، كان أبرزها دخول جموع عراقية إلى السفارة البحرينية في بغداد، ورفع الأعلام الفلسطينية عليها. ولكن، رغم هذا الإجماع الفلسطينيي في تشخيص التحدي وطبيعته، إلا أنه لم يسفر عن أدوات تنسيقية، أو توافُقٍ على استراتيجية موحدة للمواجهة.

خلاصة تحليلية.. المضمون والنتائج والأهداف

تدعي الخطة المعلَن عنها في ورشة البحرين، والتي تحمل عنوان “من السلام إلى الازدهار- رؤية جديدة للشعب الفلسطيني”، أنها قادرة على الدفع بثلاثة مسارات لتغيير الواقع الفلسطيني، الأول إطلاق العنان للاقتصاد الفلسطيني ضمن سلسلة برامج، والثاني تمكين الشعب الفلسطيني من تحقيق طموحاته عبر التعليم بالدرجة الأولى، والثالث تعزيز الحوكمة الفلسطينية بتحسين قدرة القطاع العام على تقديم خدماته للمواطنين، وتحسين قدرات القطاع الخاص. وكما أُعلن، سيجري تنفيذ هذه الخطّة على مدى 10 سنوات، يُستثمر فيها 50 مليار دولار، وتفضي إلى توفير أكثر من مليون وظيفة في الضفة الغربية وقطاع غزّة، وخفض معدل البطالة إلى ما يقارب أرقامًا أحاديّة، وخفض معدل الفقر في الأراضي الفلسطينية بنسبة 50٪.

تعرض البرامج الاقتصادية المطروحة، مشاريع ضبابية ودون تفصيل، مثل تخفيف القيود على الاقتصاد الفلسطيني، ودمجه بالاقتصاد الإقليمي، وإنشاء البنية التحتية، وتعزيز نمو القطاع الخاص. وبطبيعة الحال، تضمّنت الخطة إشكالات حرية التنقل، وربْط الضفة الغربية بقطاع غزة، وحلّ مشكلات الكهرباء والماء، وخطط تعزيز التعليم. كما أن مبادرات الخطّة، تعتمد على التمويل المفترض من جهة، وضمن برامج من القروض والمنح من جهة أخرى.

وبمراجعة مجمل الخطّة، يتضح أنّ التمويل المقترح، وهو 50 مليار دولار، سينفق طوال عشر سنوات، وبمعدل 5 مليارات دولار في العام الواحد، نصفها تقريبًا سيكون قروضًا بفوائد، و11 مليار دولار سينفقها القطاع الخاص. كما يتضح أن 28 مليار دولار من أصل الـ 50 مليار، ستكون من نصيب الدول العربية المجاورة، وهي مصر والأردن ولبنان، مما يعني في النتيجة أن نصيب الفلسطينيين سيكون 8 مليارات تقريبًا، أي بمعدل 800 مليون دولار سنويًّا، وهو المبلغ ذاته الذي تتلقاه السلطة الفلسطينية بالفعل من المانحين، مما يعني أيضا أن ما تتلقاه السلطة الآن، سيظلّ على ما هو عليه، إلى جانب ربْطه بتنازلات جوهريّة دائمة لصالح استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتصفية حقّ العودة. وسيتركز دور الدول المحيطة في توطين اللاجئين الفلسطينيين، وتوفير بيئات استثمارية لمشاريع مشتركة، بين الاحتلال ودول عربية، يشارك فيها فلسطينيون.

من الواضح أن هذه المبالغ، أي 800 مليون دولار سنويًا، تفتقر إلى الإغراء المزعوم بتحقيق الازدهار للفلسطينيين، وتذكّر بالوعود التي سبقت ورافقت اتفاق أوسلو، حينما قيل إنها ستحول غزّة إلى سنغافورة الشرق الأوسط، كما تذكر بالدعم الذي وُعدت به السلطة الفلسطينية عقب مؤتمر أنابلويس عام 2007، الأمر الذي يوحي بأنّ الهدف من الخطّة الاقتصادية، هو إبقاء الفلسطينيين رهينة التمويل المشروط، الذي يحول دون تحررهم، ويجردهم من حقوقهم السياسية باستخدام المال العربي. بشكل عام، من الواضح أنّ أهداف الورشة والخطة المعلن عنها، تؤسس للتطبيع العربي الإسرائيلي بشكل علني، وتهدف إلى إغواء الفلسطينيين بالتمكين الاقتصادي.

سياسيًّا، أشارت الخطّة الاقتصادية إلى ضرورة إنجاز اتفاق سلام دائم، بيد أنّها لم تطرح أي تصور لذلك الاتفاق، وهو الأمر الذي تمسّك به كوشنر في لقاءاته الإعلامية، فقد رفض الإشارة إلى أي من حقوق الفلسطينيين، وتجاهل موقف السلطة الفلسطينية من خطته، وأشار في تلميحاته السياسية، إلى أنّ المبادرة العربية لم تعد أساسًا للسلام الفلسطيني الإسرائيلي، وأن الخطّة السياسية الأمريكية المرتقبة، ستكون في مكان يتوسط بين مطالب الفلسطينيين ومواقف الإسرائيليين، مختزلًا ورشة البحرين في كونها اجتماعًا للنقاش، وسماع آراء الأطراف، ومؤكّدًا على أنّ خطّته استفادت من المقترحات التي تأتيه من المنطقة العربية.

طبيعة الورشة، والتصريحات الأمريكية التي رافقتها، تؤكّد التسريبات حول الشقّ السياسي منها، فالتمويل سيُبقي الفلسطينيين خاضعين للشروط السياسية، وهو ما يعني أنّ الخطّة لن تمنح الفلسطينيين دولة، حسب ما قالته صحيفة الواشنطن بوست، التي وصفت الخطة وفقًا لمصادر مطلعة، بأنّها فرصة اقتصادية متحكم بها، تكرّس الهيمنة الإسرائيلية على الأراضي المتنازع عليها.

وفي تقريرها حول الخطّة، أشارت الواشنطن بوست أيضا، إلى الأوساط التي تشكك بها، بما في ذلك كُتّاب وصحفيون ومسؤولون حكوميون سعوديون، اختارهم وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان للقاء كوشنر. وهو ما رآه كثير من المراقبين، الذين قالوا إنّ فشلها محتم. ومن جملة الدلائل على هذا الفشل، الإحجام العربي والدولي عن المشاركة فيها، ومشاركة بعض الأطراف العربية وغير العربية بتمثيلٍ متدنٍ، إما مداراة للإدارة الأمريكية، أو حرصًا على عدم الخروج من الصورة. ومن هذه الدلائل أيضا اشتراط الدول المشاركة ألا تشارك “إسرائيل” بصورة رسمية، واشتراط الدول العربية المطلوب منها التمويل، معرفة الشقّ السياسي من الخطّة، قبل التزامها بالتمويل.

وبالرغم من هذا الاتفاق على فشل الورشة، إلا أنّها بالفعل رفعت مستوى العلاقات العربية الإسرائيلية، إلى مستوى علنيّ أعلى، بعدما تطوّرت هذه العلاقات مؤخّرًا في مستوياتها الأمنية. مما يعني أنّ الورشة قد تشكّل خطوة إضافية لدمج “إسرائيل” في تحالف عربي، وهو ما يمكن فهمه من تصريحات وزير الخارجية البحريني، التي عبرت عن سعي بعض الأنظمة العربية، لكسر الجمود في علاقتها مع “إسرائيل”. تصريحات كوشنر، جعلت النقاش وتبادل الرأي، جوهر ورشة البحرين، وركزت على تقديم سردية جديدة حول السلوك الفلسطيني، تقوم على اتهام الفلسطينيين بإهدار الفرص التي تتاح لهم لبناء مستقبل أفضل، ولكنها في نفس الوقت، تتعامى تماما عن وقائع الصراع.

في سياق آخر، ذكرت أوساط إسرائيلية أنّ معظم البرامج الاقتصادية الواردة في اتفاقيات السلام بين “إسرائيل” من جهة، وبين كل من مصر ومنظمة التحرير الفلسطينية والأردن من جهة أخرى، لم تتحقق، وبالتالي فإنّ الاقتصاد ينبغي أن يكون جزءًا من الحلّ، وليس الحلّ نفسه. وبما أن مجمل الخطّة الأمريكية، في الحدود المعلنة، وبشقّيها السياسي والاقتصادي، تجعل الاقتصاد هو الحل، فإن ورشة البحرين لن تكون مفتاحًا للحلّ.

وبينما تبدو معالم فشل الورشة واضحة لدى كثير من المراقبين، إلا أنّه لا ينبغي التقليل من خطورتها على صعيدها التطبيعي، وما تهدف إليه من تدرج في دمج “إسرائيل” في المنطقة، بصرف النظر عن حلّ القضية الفلسطينية. وهذا ما تحدّث عنه مؤخرًا رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وهو ما يمكن ربطه بالمساعي الإسرائيلية لتكريس التطبيع كمسار يفضي لهيمنةٍ إسرائيلية على المنطقة، وتفرّدٍ كامل في تصفية حقوق الفلسطينيين تباعًا، في ظل غطاء أمريكي، وربما عربي، قد توفره مناخات التطبيع والتحالف مع بعض الأنظمة العربية.