الزيادة الخامسة للوقود تلهب المواطن ولا تنقذ الموازنة

قررت حكومة السيسي فجر الجمعة، رفع الدعم عن المحروقات بجميع أنواعها، من بنزين، سولار، غاز طبيعي، بوتجاز، وتطبيق زيادة في الأسعار تتراوح بين 16% إلى 30%، لينتهي إلى الأبد قيام الدولة بدعم المحروقات وهو ما تسعى الحكومة له منذ إعتزامها في 2014 رفع الدعم كليًا عن معظم السلع خلال خمس سنوات، وتوفير 150 مليار جنية تدريجيًا على خزينة الدولة، دون أن تقابله زيادة في الدخل أو نهضة في البنية التحتية أو الخدمات العامة.

وارتفع سعر البنزين 92 أوكتين من 6.75 جنية إلى 8 جنيهات بنسبة إرتفاع بلغت 18.5%، والبنزين 80 أوكتين من 5.5 جنيهات إلى 6.75 جنية أي حوالي 22.7%، والبنزين 95 أوكتين من 7.75 إلى 9 جنيهات أي حوالي 16.1%، كما زاد سعر السولار والكيروسين إلى 6.75 جنيها، بنسبة بلغت نحو 22.7%. ويُذكر أن السولار هو الأكثر استخداما في وسائل النقل الخاصة في مصر، والتي يعتمد عليها أغلب المصريين.

وتضمن القرار أكبر زيادة في سعر اسطوانات غاز الطهي، إذ زاد سعر الاسطوانة للاستهلاك المنزلي من 50 جنيهًا إلى 65 جنية بنسبة ارتفاع بلغت 30%، وزاد سعر اسطوانة الغاز التجارية من 100 جنية إلى 130 جنيها بنسبة 30%، كما زاد سعر المازوت لصناعة الطوب ليصل سعر الطن الي 4500 جنيه بدلًا من 3500 جنية بزيادة قدرها 1000 جنية دفعة واحده.

وبهذه الزيادة، تكون مصر قد شهدت خمس زيادات في أسعار الوقود منذ تولي السيسي الحكم في 2014، في إطار إصلاح منظومة دعم الطاقة التي تتبناها الحكومة المصرية، حيث كانت الزيادة الأولى في يوليو 2014 وجاءت بما يقارب 50%، وجاءت الزيادة الثانية في نوفمبر2016 بنسب تراوحت بين 30% و47%، ثم كانت الزيادة الثالثة في يونيو2017 بنسبة تجاوزت 50%،وطبقت الزيادة الرابعة في يونيو 2018 بنحو 67%.

واستهدفت الحكومة في الموازنة العامة الجديدة تخفيض دعم المواد البترولية بصورة كبيرة تكاد تقارب نصف مخصصاته، حيث بلغ دعم المواد البترولية في الموازنة الجديدة 53 مليار جنية في العام المالي 2019-2020، مقابل 89 مليار بالعام المنصرم 2018-2019، بخفض قدره 36 مليارًا، بنسبة خفض قدرها 40%، ويذكر أن الدولة قبل البدء في “الإصلاحات الاقتصاداية” كانت تدعم المواد البترولية بـ150 مليار جنية.

خمس سنوات عجاف

خمس سنوات عجاف شهدت معدل ارتفاع غيرمسبوق في أسعار المشتقات البترولية، أثرت بشكل كبير في حياة المواطن المصري، نظرًا لإرتباط أسعار الوقود بالمواطن بشكل مباشر، فإرتفاع أسعار البنزين تعني زيادة في أسعار السلع المهمة كالغذاء والدواء وغيرها من السلع الضرورية لحياة المواطن، كما يصحبها ارتفاع في أسعار المواصلات، والتي قدرتها الحكومة بـ15%، كما ينتج عن هذا الارتفاع زيادة في أسعار مواد البناء والعقارات في كل أنحاء مصر، وإرتفاع في تكلفة الإنتاج وتشغيل المؤسسات ومن ثم الحد من قدرتها لتنافسية، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تفاقم الأعباء المعيشية للمواطنين، وإلى ركود كبير في الأسواق.

أثار قرار الحكومة تحرير سعر الوقود جدلًا بين الخبراء الاقتصاديين، اعتبره المؤيدون البعض ترشيدًا للإنفاق الحكومي وخطوة من الدولة لتوفير الأموال لدعم التعليم والصحة وإنشاء مشروعات تنموية لتوفير فرص عمل للشباب، بينما اعتبره المعارضون سيؤدي إلى كارثة إنسانية، نظرًا للإرتفاع الكبير المتوقع في أسعار كافة السلع الأساسية كالغذاء والدواء، كما اعتبروه سيساهم في زيادة معدل التضخم وتراكم الأعباء على المواطن.

زيادات كل شئ

يرى مصطفى شاهين الخبير الاقتصادي ومدرس الاقتصاد بأكاديمية أوكلاند الأمريكية أن الارتفاع في الأسعار المحروقات لن يقف فقط عند هذا الحد بل سيزحف الأسعار إلى كافة القطاعات الأخرى فزيادة تكاليف الوقود ستؤدي إلى زيادة تكاليف النقل مما يؤدى ‘لى ارتفاع في أسعار الخضروات والفواكه والمطاعم وكافة أسعار البناء والتشييد كالطوب والاسمنت والحديد مما يدفع الى زيادة في أسعار الشقق السكنية سواء التمليك أو الإيجار.

كما أكد شاهين أن زيادة الأسعار ستخفض دخل المواطنين الحقيقي فحتى بعد علاوة الزيادة التي أعطاها للموظفين وأصحاب المعاشات فما اعطى باليمين ستأخذه الحكومة بالشمال نتيجة ارتفاع الأسعار، مشيرًا أنه لا خيار أمام المصريين سوى الرضا بالزيادات والتعايش معها رغم ما ستحدثه من انتقال طبقات اجتماعية لشرائح اقتصادية أقل وتدهور قطاع الأعمال وبيئته في مصر.

ويوضح الخبير الاقتصادي أن انخفاض الدخل الحقيقي سيؤدي إلى انخفاض قدرة المستهلكين على الاستهلاك فيحدث تزاوج في الاقتصاد بين ظاهرتين ارتفاع الأسعار مع الكساد وهو ما يطلق عليه في الاقتصاد الركود التضخمي فتصبح المحلات والشركات عاجزة عن البيع فتقل مبيعاتها وإيراداتها وطبعا أرباحها.

يتفق مع هذه الرؤية الخبير الاقتصادي عبدالحافظ الصاوي، وقال أن قرار رفع أسعار الوقود للمرة الخامسة سيكون له أثار سلبية سواء على المنتجين أو مقدمو الخدمات أو على المواطن البسيط، ولاحظنا أن اليوم جميع المحافظات اتخذت قرارا برفع تعريفة النقل والمواصلات في جميع المحافظات سواء داخل المحافظات وخارجها، كما سيؤثر بشكل كبير على أسعار السلع والخدمات، كما سيؤثر أيضًا على كفاءة وتنافسية الصناعة المصرية التي تعاني في الأساس من تراجع كبير جدًا بعد الاجراءات الاقتصادية التي بدأت الدولة تنفيذها في 2014، مؤكدّا أن هذا الارتفاع لن يكون الأخير بل هو قبل الأخير.

وأوضح الصاوي أن النظام اعتمد على سياسية الأمن الغليظة ولم يراعي على الإطلاق الأبعاد الاجتماعية السلبية للاتفاق مع صندوق النقد الدولي، مشيرًا إلى أن بيانات البنك الدولي في نهاية ابريل الماضي أوضحت أن معدل الفقر في مصر وصل لـ60% بين فقراء وشرائح مرشحة لأن تقع تحت خط الفقر

وتشهد بيانات البنك المركزي عن ميزان المدفوعات عن 9 شهور الأولى عن العام المالي 2018-2019 تراجعًا في كثير من المعدلات منها الصادرات السلعية غير النفطية كما أن الواردات السلعية غير النفطية زادت بحوالي 4 مليار دولار، وهذا يزيد معاناة المواطن.

وأشار الصاوي إلى أن محدودي الدخل هم الأكثر تأثرًا وستكون حياتهم مليئة بالصعوبات تحديدًا في الاحتياجات الصرورية المتمثلة في الطعام والشراب، نظرًا لأن أسعار وجبات الأساسية كالفول وغيرها سترتفع جميعها، وسيؤدي عدم التغذية السليمة إلى كارثة إنسانية يكون المسئول عنها بشكل مباشر حكومة السيس.

وأكد الخبير الاقتصادي أن الحكومة قد تلجأ إلى بعض المسكنات كما فعلت من قبل، كإنتشار بعض العربات التابعة للجيش والشرطة لبيع بعض السلع الغذائية بسعر منخفض إلى حد ما، ولكنها كالعادة لن تستمر وستختفي بعد أسبوعين وسيعود المواطن لمواجهة التحديات الرئيسة المتركزة على الحصول على الاحتايجات الأساسية.

على جانب آخر يرى الدكتور فخري الفقي، مستشار صندوق النقد الدولي سابقًا، أن الدولة كانت تدعم المواد البترولية والمحروقات بـ 150 مليار جنيه في الموازنة العامة للدولة قبل بدء إجراءات الإصلاح الاقتصادي، موضحًا أنه بعد تطبيق الإجراءات الاقتصادية انخفضت نسبة الدعم لـ90 مليار خلال عامين، والآن وصلت إلى 50 مليار جنية فقط، وذلك يخدم توفير أموال لإنشاء مشروعات جديدة للنهوض بالاقتصاد المصري وتفير فرص عمل للشباب.

من جهته يرى عبدالنبي عبدالمطلب الخبير الاقتصادي، أن إلغاء الدعم لن يوفر ما تعلنه الدولة من دعم مالي لبناء المدارس الجديدة وتوفير التمويل المطلوب للمستلزمات الطبية في المستشفيات، موضحًا أنه وفقًا لتقديرات الموازنة العامة لعام 2019-2020 تبلغ الإيرادات المتوقعة نحو 1.13 ترليون جنية موزعة على التالي:

نحو 856 مليار جنية من الضرائب.

نحو 274 مليار جنية إيرادات أخرى.

-تبلغ النفقات المقدرة نحو 1.575 مليار جنيه موزعة كالتالى :

نحو 569 مليار جنية فوائد للديون.

301 مليار جنية اجور.

75 مليار جنية لشراء السلع والخدمات.

90 مليار جنية مصروفات أخرى.

نحو 211 مليار جنيه استثمارات .

وبذلك يكون المبلغ المطلوب لمقابلة هذه النفقات هو 1246 مليار جنيه، أى بزيادة قدرها نحو 112 مليار جنيه عن الإيرادات المتوقعة.

أى انه اذا كان رقم الدعم فى الموازنة العامة للدولة يساوى صفر، فسوف يكون هناك عجزا مقداره نحو 112 مليار جنيه، مشيرًأ أنه لن يكون هناك أى فائض لتوجيهه لبناء مدارس أو رفع مستوى الرعاية الصحية، أو الانفاق على الخدمات الاجتماعية، أى أن إلغاء الدعم سيزيد من معاناة الناس ولن يحقق حتى التوازن فى الموازنة العامة للدولة، مؤكدًا أن الموازنة ستظل تعانى من العجز.

وأضاف عبدالمطلب أن رفع دعم الوقود قد يوفر على موازنة الدولة نحو 20 مليار جنية، لكنه سيبب ضررا كبيرًا لأكثر من 60 مليون مواطن مصري.