هل ماتت الثورة المصرية؟

قطب العربي

مع استشهاد الرئيس مرسي حاول إعلام السيسي بث جرعة جديدة ومكثفة من الإحباط لدعاة الحرية والتغيير، وإقناعهم أن الوضع قد استقر تماما للنظام الحاكم، وأن ثورة يناير أصبحت في ذمة التاريخ مع موت ثمرتها الرئيسية (الرئيس الشهيد محمد مرسي).

الثورات تمرض ولكنها لا تموت، لأنها ببساطة تعبر عن احتياجات ضرورية للناس مثل العيش والحرية والكرامة والعدالة وهي الشعارات التي رفعتها ثورة 25 ينار، وحتى إذا لم تستطع الثورة تحقيق كل أو بعض شعاراتها أو تثبيت ما حققته منها فإن ذلك لا يعني موت تلك الشعارات والمطالب، بل تظل حية في النفوس تتنظر اللحظة المناسبة لتحقيقها ولو بعد حين..

نظرة سريعة على تاريخ ثورات الشعوب سواء الشعب المصري نفسه ( ثورة القاهرة الأولى والثانية وثورة 1919 وأخيرا ثورة 25 يناير) وثورات الشعوب الأخرى كالثورة الفرنسية والثورة البلشفية والثورة الإيرانية الخ تؤكد ان النضال لتحقيق أهداف تلك الثورات استغرق سنوات، ومر بموجات مد وجذر، انتصرت الثورات في بعض الجولات وتراجعت في جولات أخرى، لكنها جميعا لم تستسلم تماما، وظلت تتربص بخصمها، وتعد أدوات القوة لمنازلته في جولات جديدة حتى حققت كل او بعض أهدافها أيضا ولا تزال تسعى لتحقيق بقية الأهداف رغم مرور عقود.

غياب الرئيس مرسي (باستشهاده) لا يعني نهاية الثورة في مصر، ووإن مثل غيابا لأخلص رموزها وأهدم ثمارها، بل إن استشهاد الرئيس مرسي بهذه الطريقة وهو يدافع حتى آخر رمق عن ثورة يناير ومكتسباتها يمكن اعتباره طاقة شحن ثوري جديدة، تلهم دعاة الثورة والتغيير، فقد وفى مرسي بما وعد به، ودفع  الرجل حياته ثمنا للثورة والشرعية، ووفى أنصاره في وقوفهم خلفه في تلك المعركة، ودفعوا من أجل ذلك ثمنا باهظا أيضا من آلاف الشهداء والمصابين والمعتقلين والمطاردين والمهجرين، ولا يزال هؤلاء النصار أوفياء لثورة يناير، ولا يزالون صامدين في وجه محاولات محوها، متمسكين بمبادئها وشعاراتها ومكتسباتها، ولم يعد أنصار الشرعية في خط المواجهة لهذا النظام الإنقلابي منفردين الآن إذ اتسعت رقعة معارضي النظام لتشمل فئات دعمته من قبل ثم اكتوت بناره لاحقا، سواء من عموم الشعب أو من النخب السياسية.

في الذكرى السادسة لانقلاب الثالث من يوليو يبدو نظام السيسي مسيطرا بفضل القوة العسكرية والدعم الإقليمي والدولي وليس بفضل القبول الشعبي، لكن هذه السيطرة لا تعني شعور النظام بالاستقرار والطمأنينة، بدليل أن أحدا في مصر لا يعرف مقر سكن السيسي وعائلته، وبدليل أن النظام لا يسمح بحرية التظاهر، وبدليل أنه لم يسمح بجنازة شعبية للرئيس الشهيد محمد مرسي لأنها كانت ستكشف شعبية مرسي، وستكشف مدى الغضب ضد السيسي.

في المقابل تبدو القوى المناهضة والمعارضة للانقلاب في ذكراه السادسة أكثر وعيا بخديعة ذلك الانقلاب، وما جره على مصر من نكبات، خاصة بعد التطبيق الصارم لوصايا صندوق النقد التي ألهبت ظهور المصريين دون أمل في انفراجة قريبة، وبعد تصاعد حجم المديونيات المحلية والخارجية لأرقام مفزعة تضع الدولة على حافة الإفلاس، وبعد تصاعد القمع الأمني ضد قطاعات واسعة من داعمي الإنقلاب انفسهم، الذين سبق لهم الحشد والتسويق وحتى الرقص فرحا بميلاد عصر جديد أنقهم من خطر الإخوان وحكمهم المدني !!.

لكن هذا الوعي المتزايد بخطورة الإنقلاب لم تتم ترجمته حتى الآن إلى عمل مشترك حقيقي، ورغم انضمام اعداد جديدة هذا العام للنادمين على المشاركة في مظاهرات 30 يونيو ودعم انقلاب 3 يوليو إلا أن حالة الاستقطاب التي سبقت الإنقلاب لا تزال “تعشعش” في أدمغة الكثيرين الذين لا يقبلون بالعمل المشترك مع خصومهم السياسيين السابقين من الإخوان والقوى الإسلامية، كما ان البعض يخشى التعاون مع الإخوان حتى لا يعرض نفسه لمزيد من القمع.

لا يمكننا بطبيعة الحال تجاهل حالة القمع الشديد الذي نشر الرعب في نفوس الكثيرين، ودفعهم لإيثار السلامة، بعد أن شاهدوا بأنفسهم تصفية المعارضين في الشوارع، او تنفيذ أحكام إعدام بالجملة، او قتل السجناء السياسيين عبر الإهمال الطبي المتعمد وأبرزهم الرئيس المنتخب ( تجاوز عدد القتلى داخل السجون 830خلال السنوات الست الماضية)، أو اعتقال شخصيات كبرى بوزن رئيس الأركان السابق سامي عنان، والمرشح الرئاسي السابق عبد المنعم أبو الفتوح وبعض شيوخ القضاة مثل محمود الخضيري رئيس نادي قضاة الإسكندرية السابق وأحمد سليمان وزير العدل السابق وهشام جنينة رئيس جهاز المحاسبات السابق، وغيرهم من الرموز السياسية الكبرى، ولكن هذا الخوف لن يستمر طويلا، فللصبر حدود، ولقبول الظلم حدود، ولكتم الغضب في النفوس حدود ينفجر بعدها بلا حسابات.

تغيير نظام السيسي ينتظر تغييرا في المعادلات وموازين القوى المحلية والإقليمية والدولية التي تميل لصالحه في الوقت الحالي، وحتى يحدث هذا التغيير في موازين القوى فإن واجب القوى الثورية هو الحفاظ على حالة الصمود الحالية مع تحويله إلى صمود إيجابي بتنويع وتكثيف المناوشات مع هذا النظام وإرهاقه وإشعاره بالقلق دوما، والسعي لامتلاك أدوات القوة السلمية لمواجهته سواء بتوحيد صفوف الجماعات المناهضة وفي القلب منها جماعة الإخوان المسلمين، أو بناء تحالفات وطنية بين قوى المعارضة، أو تطوير الأداء الإعلامي المقاوم، وتطويرالتحركات الحقوقية والسياسية، ومواصلة معركة الوعي، واغتنام أخطاء النظام وما هي بقليلة، وانتظار لحظة التغيير وما هي ببعيدة.