محمد محسوب يكتب:إنذار أول يوليو انقلاب سكت عنه الجميع

بقلم د محمد محسوب

 

في أول يوليو 2013 وجه وزير الدفاع إنذارا “للجميع” ، وفقا لنص عبارته، مفتتحا المرحلة الأهم والأخطر بعد ثورة يناير.
كانت لحظة الصفر التي قرر فيها تولي السلطة، والإطاحة بالرئيس المنتخب وكافة القوى السياسية التي صنعت أو ساهمت أو قبلت بثورة يناير، بغض النظر عن أن هذا السيناريو احتاج عدة أشهر لاحقة لتنفيذه كاملا.
كان البيان واضحا فاضحا..
كان يُمكن أن يكون مناسبا ومتناغما مع قواعد الديموقراطية العادية (وليس الفكر الديموقراطي الأصيل الذي روج له إنذار وزير الدفاع) أن تعقد القوى التي دعت للتظاهرات مؤتمرا صحفيا تحدد فيه مطلبها، وتُطالب أنصارها للبقاء في الميادين لحين تحقيقها، بظل ظروف أمنية مواتية، لم يُسجل فيها إعتراض للتظاهرات.
لم تكن تظاهرات 30 يونيو التي اختلطت فيها النوايا الحسنة بمخططات الثورة المضادة إلا الصورة التي سيجري لاحقا تغليف الإجراءات الانقلابية بها..
ولم تكن المفاوضات التي خاضتها الرئاسة مع وزير الدفاع سوى فرصة استفاد منها الانقلابيون لإحكام الحصار على “الجميع” كلا في معسكره بعيدا عن الآخر وعاجزا عن الفهم أو المبادرة..
احتاج الإنذار لخمس سنوات كاملة حتى يُدرك “الجميع” مكنونه الحقيقي ومداه الكارثي..
وكأننا بتقسيمة كرة قدم، وزع فيها وزير الدفاع الأطراف إلى فريقين، دون أن يبدي أي طرف اعتراضا على تصنيفه، ثم جلس يشاهدهم وهم يتناحرون، وعندما حانت اللحظة وحّد “الجميع” مرة أخرى وإن في قفص حديدي..
كان الإنذار تجسيدا للانتهازية التي اتسم بها الانقلابيون، وسطوا واضحا على دعوة للتظاهر لما تضمن عزل الرئيس أو إسقاط دستور أو تولي وزير الدفاع للسلطة أو انفرد عدد من الضباط بوضع خارطة طريق جديدة. لكنها انتهازية جاءت مقابل تخاذل نفس “الجميع” وعجزهم عن كسر روح العداء والانتقال من حالة الصدمة والشماتة إلى حالة المبادرة وترميم الصدع الذي أصاب الصف الوطني في مواجهة مظاهر واضحة للعيان تنذر بعودة الاستبداد والحكم الشمولي.
بدأ البيان بتثبيت فكرتين لهما دلالة:
الأولى، ((شهدت الساحة المصرية والعالم أجمع أمس مظاهرات وخروجًا لشعب مصر العظيم؛ ليعبر عن رأيه وإرادته بشكل سلمي وحضاري غير مسبوق)):
إنذار واضح بطي صفحة ثورة يناير، وإضفاء هالات ثورية على ما جرى في 30 يونيو باعتبارها أول خروج للشعب المصري بشكل حضاري وسلمي “غير مسبوق”. وهي محاولة مفضوحة لوضع ثورة يناير في موضع اتهام لما قدمته من شهداء، بينما “ثورة” 30 يونيو لم يسقط فيها شهيد واحد. وسيتحول ذلك لاحقا لاعتبار ثورة يناير أحداث فوضى “مش هتتكرر تاني”، كما وعد قائد الانقلاب خلال حملته الانتخابية للولاية الثانية في 2018.
الثانية: ((إن القوات المسلحة المصرية كطرف رئيسي في معادلة المستقبل وانطلاقًا من مسؤوليتها الوطنية والتاريخية في حماية أمن وسلامة هذا الوطن تؤكد على..))
وهو ما يعني اعتبار المؤسسة العسكرية سلطة فوق كل السلطات، أو بتعبير بعض ممثلي المجلس الأعلى للقوات المسلحة في “مؤتمر الوفاق الوطني” (حارسة للدستور)، بما يؤدي لهتك كل دستور.
عبارات كهذه كانت سببا في مظاهرات عارمة ضد ما أسمي إعلاميا “وثيقة السلمي”، وكانت الشرارة التي أطلقت أحداث محمد محمود في 19 نوفمبر 2011. لكن عاما ونصف بعدها، جعلت هذه العبارات وأشد منها تعبيرا عن “ثورة مباركة”.
ثم انتقل الإنذار لصياغة مجموعة من الأفكار والوعود التي يُمكن – بعد خمس سنوات – إعادة قراءتها في ظل الواقع لمعرفة مدى صدقها، كما يلي:
1- ((إن القوات المسلحة لن تكون طرفًا في دائرة السياسة أو الحكم، ولا ترضى أن تخرج عن دورها المرسوم لها في الفكر الديمقراطي الأصيل، النابع من إرادة الشعب)) .
لم يشعر من صاغ البيان بأي تناقص بين ما كان يجري على الأرض من إقصاء رئيس منتخب والحديث عن “الفكر الديموقراطي الأصيل النابع من إرادة الشعب”، باعتبار أن جزءا من السياسيين أنفسهم روجوا بأن الديموقراطية ليست نتيجة صندوق انتخاب، ومن ثم وجد الانقلابيون أساسا “ديموقراطيا لتحركهم”، باعتبار أنهم لا يفعلون سوى تطبيق “الفكر الديموقراطي الأصيل”، وحمايته من الفكر الديموقراطي الدخيل.
وأترك لفطنة القارئ استخلاص مدى احترام الوعد بأن “القوات المسلحة لن تكون طرفا في دائرة السياسة والحكم”.
.
2- ((إن الأمن القومي للدولة معرض لخطر شديد إزاء التطورات التي تشهدها البلاد، وهو يلقى علينا بمسؤوليات كل حسب موقعه للتعامل بما يليق من أجل درء هذه المخاطر)).
الأمن القومي هو “قدرة الدّولة – في السلم والحرب – على تَأمين استمرار أساس قوّتها الدّاخلية والخارجية، والعسكريّة والاقتصاديّة في مُختلف مناحي الحياة لمواجهة الأخطار التي تهدّدها من الدّاخل والخارج”.
وحماية الأمن القومي ليست مهمة الجيوش وحدها، بل مجموع أجهزة الدولة.
ويأتي في المقام الأول التنازل المهين عن مضيق تيران، بما أدى إلى منح جميع دول العالم بلا استثناء لحق المرور بسفن حربية أو محملة بشحنات تضر الأمن القومي المصري على بعد أمتار من شرم الشيخ دون اعتراض أو توقيف أو حتى استفسار أو إبداء امتعاض من السلطات المصرية. فمضيق تيران لم يعد ممرا دوليا فقط، بل مياها دولية أيضا لا يجوز اعتراض السفن فيها لأية أسباب وألا أصبح إعاقة للملاحة الدولية في شاطئ سيناء يستدعي تدخلا دوليا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة!!
غير إننا – وكثيرون من أبناء شعبنا – قادرين على وضع يدنا على مخاطر حقيقية تضرب الأمن القومي المصري بسبب انغماس المؤسسة العسكرية في السياسة والتجارة منذ 3 يوليو 2013 حتى الآن.
ويأتي في المقام الأول التنازل المهين عن مضيق تيران، بما أدى إلى منح جميع دول العالم بلا استثناء لحق المرور بسفن حربية أو محملة بشحنات تضر الأمن القومي المصري على بعد أمتار من شرم الشيخ دون اعتراض أو توقيف أو حتى استفسار أو إبداء امتعاض من السلطات المصرية. فمضيق تيران لم يعد ممرا دوليا فقط، بل مياها دولية ايضا لا يجوز اعتراض السفن فيها لأية أسباب وألا أصبح إعاقة للملاحة الدولية في شاطئ سيناء يستدعي تدخلا دوليا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة!!
وتزداد الخطورة عندما تقبل تلك الإدارة التوقيع على اتفاقية الخرطوم الثلاثية التي غيرت الأساس القانوني لحقوق مصر في مياه النيل ومنحت دول المنبع الحق في التحكم في كميات المياه الواردة لمصر عن طريق بناء السدود بما يقتضيه من تخزين مياه، بل وتحويل لمجرى تلك المياه.
وبالنظر لحكم القروض الأجنبية، وحجم التوغل الأجنبي في الاقتصاد القومي خصوصا مشروعاته الاستراتيجية التي تمس مقومات الأمن القومي، والتلاعب بحقوق مصر في المنطقة الاقتصادية بالمتوسط، فإننا نكون أمام انهيار لأسس الأمن القومي المصري، وليس الحفاظ عليها.
وربما يوجد من يتساءل – مثلي –اليوم كيف كان التدخل لإنهاء المسار الديموقراطي حماية للأمن القومي!!

3- (( لقد استشعرت القوات المسلحة مبكرًا خطورة الظرف الراهن، وما تحمله طياته من مطالب للشعب المصري العظيم، ولذلك فقد سبق أن حددت مهله أسبوعً لكافة القوى السياسية بالبلاد؛ للتوافق والخروج من الأزمة..))
نصب وزير الدفاع من نفسه حكما بين القوي السياسية، توطئة ليصبح حاكما مستبدا للبلاد.
لا يُمكن اختصار ذلك في “الرغبة في السلطة” ومحاولة استعادة النفوذ، أو حتى تآمر الدولة العميقة أو النظام العالمي على الديموقراطية المصرية. إذ تكمن الأسباب الأهم في فشل الحركة الوطنية في بناء موانع وحوائط صد تردع محاولات الانقلاب، وتُشعرهم أنهم إذا حاولوا الاستفاد من انقسام سياسي للسطو على السلطة، فإن هذا الانقسام سيتحول في لحظات إلى وحدة وطنية واصطفاف في مواجهة الانقلابيين.
فالديموقراطية تقبل الانقسام السياسي مهما كان حادا، لكن المؤمنين بها لا يسمحون بتحولها لانقسام مجتمعي، أو تقاتل يسمح لأعداء الحرية بالمرور بين صفوفهم.

4- ((أن ضياع مزيد من الوقت لن يحقق إلا مزيدًا من الانقسام والتصارع الذي حذرنا ولا زلنا نحذر منه))
إصرار على إن الوقت يعني زيادة الانقسام، وليس فرصة لتسويته، وترويح مُغرض بأن الانقسام علاجه هو تدخل المؤسسة العسكرية لتتولى الحكم وإلغاء المسار الديموقراطي.
ويبدو إن هذه الفقرة كانت تستر مخططا جرى مناقشته بين الانقلابيين، مؤداه استخدام الوقت لتحويل حركة احتجاج عادية في بلدٍ ديموقراطي، إلى فرصة لإسقاط المسار الديموقراطي كاملا. فقد كان إصرار وزير الدفاع على فرض ما اسماه انتخابات رئاسية مبكرة خلال 15 يوما أمرا ملفتا. ورفض في المقابل كل محاولة لجعلها لاحقة أو معاصرة لانتخابات البرلمان وتشكيل حكومة. فمزيد من الوقت كان كافيا لإفساد مخطط الانقلابيين، ويفتح الباب للتواصل بين أطراف المعادلة السياسية، وهو ما كان مرفوضا.
كان الهدف هو الاستفادة من حالة الانقسام، وتحويله إلى حالة من العداء المجتمعي يسمح بمرور الانقلاب وتفتيت قنوات الاتصال بين أطراف الحركة الوطنية.

5- ((لقد عانى هذا الشعب الكريم، ولم يجد من يرفق به أو يحنو عليه، وهو ما يلقى بعبء أخلاقي ونفسي على القوات المسلحة، التي تجد لزامًا أن يتوقف الجميع عن أي شيء بخلاف احتضان هذا الشعب الأبي الذي برهن على استعداده لتحقيق المستحيل إذا شعر بالإخلاص والتفاني من أجله))
هذه أسوأ العبارات وأكثرها استخفافا بالشعب.
فهي تفضح التعالي على الشعب الذي يشبهه بطفل لم يحنوا عليه أحد، وينتظر وزير الدفاع ليحتضنه. فليس هو الشعب الهادر القادر على فرض إرادته على الجميع وهو من يحتضن كافة مؤسساته التي يملكها ويحدد مهامها ودورها.
وجاءت متسقة مع الدعاية التي روُجت لها الشئون المعنوية على مدار الفترة من ثورة يناير حتى الانقلاب، بزرع العاصمة والمدن الكبرى بلوحات هائلة لصور جنود يحملون طفلا.
فالشعوب ليست سوى أطفال من وجهة نظر المستبدين، لا يملكون القدرة على الاختيار أو التصرف، ويحتاجون لأوصياء. والمستبد هو ذلك الوصي.
ومع ذلك، فإن خمسة سنوات عجاف لاحقة تكفي ليدرك الشعب إلى أي حد كان هذا “الحنو” قاسيا وضع الشعب في وسط معاناة غير مسبوقة وفي أوضاع اقتصادية لم يختل ميزانها كما اختل في هذه السنوات الخمس..

6- ((إن القوات المسلحة تعيد وتكرر الدعوة لتلبية مطالب الشعب وتمهل الجميــع [48] ساعة كفرصة أخيرة؛ لتحمل أعباء الظرف التاريخي الذي يمر به الوطن الذي لن يتسامح أو يغفر لأي قوى تقصر في تحمل مسؤولياتها))
لم يحدد البيان ما هي مطالب الشعب، وهل هو إقصاء الرئيس المنتخب أو اللجوء لانتخابات مبكرة. وكان على رموز 30 يونية المسارعة إلى إعلان تلك المطالب إن كان ثمة اتفاق عليها، ولا يُمكن اعتبار استمارة “تمرد” تعبيرا عن رؤية سياسية أو مطالبا لمن دعى وقاد تلك التظاهرات.
كان يُمكن أن يكون مناسبا ومتناغما مع قواعد الديموقراطية العادية (وليس الفكر الديموقراطي الأصيل الذي روج له إنذر وزير الدفاع) أن تعقد القوى التي دعت للتظاهرات مؤتمرا صحفيا تحدد فيه مطلبها، وتُطالب أنصارها للبقاء في الميادين لحين تحقيقها، بظل ظروف أمنية مواتية، لم يُسجل فيها إعتراض للتظاهرات.
الدول الديموقراطية لا تسقط بالتظاهرات أو الاعتصامات أو الإضرابات، بل هي وسائل مشروعة لممارسة الديموقراطية.
أما ترك الساحة فارغة لوزير دفاع يتحدث عن مطالب “فضفاضة”، فلم يُسهم إلا في منحه فراغا في المعارضة كافيا لتفريغ السلطة، وليملأ هو لاحقا مقاعد السلطة والمعارضة.
وعلى سبيل المثال، لم تمتلك جبهة الإنقاذ تصورا واضحا لكيفية إجراء انتخابات مبكرة، وهو ما استغله وزير لفرض تصور لها لا يسمح إلا بإسقاط الرئيس المنتخب وأيلولة السلطة إليه.

7- ((وتهيب القوات المسلحة بالجميع بأنه إذا لم تتحقق مطالب الشعب خلال المهلة المحددة فسوف يكون لزامًا عليها؛ استنادًا لمسؤوليتها الوطنية والتاريخية واحترامًا لمطالب شعب مصر العظيم، أن تعلن عن خارطة مستقبل وإجراءات تشرف على تنفيذها، وبمشاركة جميع الأطياف والاتجاهات الوطنية المخلصة، بما فيها الشباب الذي كان ولا يزال مفجرًا لثورته المجيدة… ودون إقصاء أو استبعاد لأحد))
أمهل الإنذار الجميع – وليس الرئاسة فقط – 48 ساعة وإلا “ستعلن عن خارطة مستقبل وإجراءات تشرف على تنفيذها”.. وكأن من وضع خارطة طريق 30 مارس 2011 وأشرف على تنفيذها كانت جهة أخرى غير من سيضع خارطة 3 يوليو!!
عاد الأمر إلى اللحظة التي حاول المجلس الأعلى للقوات المسلحة صناعته يوم 14 يونيو 2012 بتفريغ السلطة من مجلس الشعب قبل انتهاء الانتخابات الرئاسية، ثم إصدار إعلان دستوري “مكمل” في 17 يونيو 2012 قبل البدء في فرز صناديق التصويت بالانتخابات الرئاسية، أفرغ بها سلطة الرئاسة من مضمونها.
مخطط أفشلته اللجنة التأسيسية التي وُجدت باتفاقات موقعة من كافة القوى السياسية قبل انتخابات الرئاسة، فقد صدرت نفسها في مواجهة الانقلاب الناعم الذي حاول المجلس أن يقوم به، ومنحت فرصة للرئيس المنتخب للتدخل لاحقا بإلغاء ذلك الإعلان الدستوري المهين.
غير إن الانقلابيين أعادوا الكرة وأفلحوا –هذه المرة – في تفريغ السلطة كاملة في أول يونيو 2013، مستفيدين من شرخ بطول الحركة الوطنية المصرية من الرأس حتى أصغر قواعدها، وضعف هيكل السلطة خصوصا في الحكومة والبرلمان، اللذين لم يقوما بدورهما كركائز بديلة للسلطة حال غياب الرئيس.
صمتت الرئاسة إزاء هذا الإنذار، دون أن تلجأ لأي إجراءات أو مبادرات دستورية في مواجهة الانقلابيين، ودون أن تكاشف الشعب بحجم المخاطر أو أن تطرح عليه سيناريو لمواجهة الانقلابيين، سوى التمسك بالشرعية والحفاظ على الجيش. وهي غايات طيبة لكنها لا تسير على قدمين، ولا تبين آليات تحقيقهما، ولم توضح حالة التناقض الظاهري بين الهدفين. فلو أنه انقلاب من الجيش، كيف تُحمى الشرعية مع الحفاظ على المنقلب؟! وإذا كان الانقلاب من جهات عسكرية لا تمثل الجيش أو جزءا نافذا منه لكنه ليس الأغلبية، فإن سماع ذلك من القائد الأعلى للقوات المسلحة كان ضروريا، للجيش نفسه كما للشعب.
في الجهة الأخرى سقطت القوى المعارضة في صورة مختلفة من العجز جعلها أسيرة للمرارات التي تراكمت عبر عام واحد من رئاسة أفرزتها انتخابات نزيهة يتيمة. هذا العجز جعلها تقبل بيانا لا يدين السلطة فقط بل يدينها ويتوعد ثورة يناير، ويحدد ملامح مستقبلٍ ليس لها مكان فيه.
بل ورفضت التجاوب مع الوساطات المحلية أو الدولية، وقبلت أن يكون وزير الدفاع هو مقصد تلك الوساطات، لتصبح الأزمة بين رئيس منتخب ووزير دفاعه، وهو ما نقل الأزمة بيسر وسلاسة من خانة النزاع السياسي بين القوى الوطنية إلى خلاف بين سلطة منتخبة وانقلابيين رسميين وعسكرين.
ولاحقا قبلت رموز وطنية كبيرة، أن تعمل في حكومة يديرها وزير الدفاع، وأن تنضم لجمعية تأسيسية يشكلها بقرار منه، والتزمت بالهامش الذي يتيحه دون اعتراض على محدوديته ودون مطالبة بإعادة النظر فيه، حتى تلاشى هذا الهامش.
بل شاركت شخصيات مرموقة – عدا القليل – في كتابة أسوأ فصول كتاب الانقلاب، سواء بالقبول بالاستمرار في الحكومة رغم المجاز بل والدفاع عنها ، أو بإصدار شهادات “التكفير الوطني” ضد جزء من الحركة الوطنية، بما يبقيها في حالة عداء دائم وتناحر مستمر، ويجعل علاج جروحها وترميم جسورها أمرا عسيرا.
يُمكن أن يكون إنذار أول يوليو 2013 آخر إنذار عسكري يُوجه لسلطة منتخبة وقوى سياسية مشروعة، وأن يكون الانقلاب هو آخر الانقلابات في تاريخنا، وأن تكون الكارثة الوطنية التي يشعر بها الجميع ويخشون التصارح بشأنها بابا لإعادة بناء الوطن على أسس قويمة، فقط لو تعلم كافة الأطراف الدرس..
من حكم ومن عارض ومن شارك أو سكت رضا أو حيادا أو تعففا..
فكما إن المراجعة والتقييم وإعادة الحسابات هي جزء من السياسة الذكية للأحزاب والقوى الوطنية..
فإن إعادة تقدير الموقف سيكون مطلوبا من كافة المؤسسات، بالنظر إلى حساب الخسائر والمكاسب الذي يبدو أن كافة الخسائر تطفو فيه على أي مكسب محتمل.
وأخيرا، فإن حجم المعاناة التي يتحملها الجميع، وحجم المخاطر التي أصبحت تحيط بالبلاد تكفي لاستخلاص العبر، وإدراك أن الجميع عانى بما يكفي وأن البلاد في حاجة لطريق جديد، تعالج ما مضى وتحافظ على مابقي وتبني المستقبل.
(هذا مقال للعظة وليس لإدانة أحد)