77 مليار دولار فاتورة خسائر التحكيم الدولي على مصر.. في رقبة من؟

تعد قضايا التحكيم الدولي من أبعد القضايا التي تهم الرأي العام المصري، بالرغم من كونها مثيرة للجدل نظرًا لخسارة مصر الدائمة في غالبية القضايا وتكبد خزينة الدولة مبالغ كبيرة، تصل لـ76.5 مليار دولار، كما أن آخرها هو خسارة مصر قضية التحكيم الدولي التي رفعتها ضدها إسرائيل بسبب توقف تصدير الغاز المصري لإسرائيل بعد ثورة يناير، والذي قضت المحكمة الدولية السويسرية فيها مصر بأن تدفع 1.7 مليار دولار لهيئة الكهرباء والطاقة الاسرائيلية، وبموجب تسوية حدثت لاحقًا استطاع الجانب المصري بأن يقنع نظيره الإسرائيلي بأن يقبل بـ500 مليون دولار فقط لتسوية النزاع والتخلي عن حكم محكمة التحكيم الدولية السويسرية.

خسارة قضايا التحكيم الدولي لا يمتد تأثيرها فقط على الجزء المادي والمالي، بل إنه كلما زاد عدد القضايا المرفوعة على مصر دوليًا، كلما زاد نزوح المستثمرين الأجانب عن مصر، كما أن لجوء الشركات الأجنبية في حالة النزاع إلى المحاكم الدولية يسيئ إلى سمعة القضاء والاقتصاد المصري، فالمواطن يتضرر في هذه الحالة من الأموال التي تدفع من خزينة الدولة كتعويضات بالإضافة إلى ضعف فرص الاستثمار في مصر وبالتالي قلة العمالة وزيادة معدلات البطالة في وضع اقتصادي هو الأسوأ منذ فترة طويلة.

في هذا الشأن يقول عبدالنبي عبدالمطلب الخبير الاقتصادي أنه اذا عدنا إلى صفقة تصدير الغاز إلى إسرائيل وبحثنا عن الأسباب التى أوصلتنا لهذا الموقف المخزى سنكتشف أن صفقة الغاز لإسرائيل كان بها الكثير من العوار، فالغاز المصرى أمن الكهرباء لإسرائيل بأسعار زهيدة، مضيفًا ان الصهاينة وعملاءهم وضعوا الاتفاقية بشروط تضمن لهم عدم قدرة مصر على التملص من الاتفاق تحت اى ظروف، وقد استمر ضخ الغاز المصرى لإسرائيل طوال فترة حكم مبارك، وحتى خلال الفترة الأولى من حكم المجلس العسكرى بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١.

ويوضح عبدالمطلب أنه عندما بدأ تفجير أنبوب الغاز المصرى الواصل لإسرائيل فى سيناء أكثر من مرة، وبدأ البعض فى رفع دعاوى قضائية لوقف تصدير الغاز، اضطر المجلس العسكرى إلى وقف ضخ الغاز لإسرائيل، فلجات إسرائيل وشركة غاز شرق المتوسط إلى التحكيم الدولى وحصلت على الحكم، وكان من الممكن أن تتمكن مصر من تجنب هذا الحكم لو حاكمت مبارك وأركان نظامة وعلى رأسهم حسين سالم بتهمة إفساد الحياة السياسبة، وإهدار موارد الوطن.

موضحًا أنه كان من الممكن تقديم هذه الأحكام النهائية الباتة القاطعة إلى هيئات التحكيم الدولية لبيان ان هذا الاتفاق تم بسوء نية، وأنه سرق موارد الشعب المصرى، لكن للاسف لم يتم محاكمة مبارك سياسيا، وتم تبرئته من كافة التهم الجنائي، وبذلك فقد أثبت القضاء المصرى نفسه صحة تصرفات مبارك ونظامه عندما كانوا فى الحكم.

تاريخ كبير من الخسارة

أعادت خسارة مصر لقضية التحكيم إلى الأذهان عدى قضايا أخرى خسرتها مصر أمام المحاكم الدولية، ويعتبر مراقبون أن قضايا التحكيم الدولي أكبر فشل قضائي وسياسي تقع فيه الحكومة المصرية على مدارالعقود الأخيرة منذ إنضمامها للإتفاقية، وتكبدت خزينة الدولة في آخر عشر سنوات فقط نتيجة لخسارة القضايا مبالغ تقدر بحوالي 76.5 مليار دولار، تسددها الحكومة كتعويضات لدول وهيئات أجنبية، أي حوالي 8 مليار دولار سنويًا مخصصة من خزانة الدولة كتعويضات تدفعها الحكومة من جيب المواطنين دون أن يدروا بها، وفي حال تم إحتساب الفوائد المستحقة عن فترة التأخير في السداد ربما تصل الكلفة إلى نصف عائد الصادرات الذي يقدر بـ20 مليار دولار خلال العام الماضي.

ولعل أشهر القضايا التي خسرتها مصر دوليًا هي قضية “سياج” للاستثمارات السياحية المملوكة لوجيه سياج حول أرض طابا والتي تبين قيام الشركة ببيعها لمستثمرين إسرائيليين ليتم اللجوء إلى مركز التحكيم الدولي التابع للبنك الدولي في واشنطن ويصدر حكم بتغريم مصر 300 مليون دولار، بالإضافة لحكم مركز التحكيم الدولي بـ “مدريد” الصادر بتغريم مصر 530 ملايين دولار فى قضية وزارة الطيران المدني وهيئة بريطانية حول مطار “رأس سدر” وما حدث بقضية الهرم أو جنوب الباسفيك بين وزارة السياحة وشركة بريطانية حول هضبة الهرم بعد قيام الجانب المصري بفسخ العقد المبرم ليُصدر حكم تحكيم ضد مصر بمبلغ قدره 36 مليون دولار وبعد تسوية الأمر تم دفع حوالي 19 مليون  جنيه، وصولاً إلى الحكم الصادر في العام الماضي من هيئة التحكيم التابعة للبنك الدولي بتغريم مصر 2 مليار دولار في قضية توريدات الغاز المسال لصالح شركة “كونستورتيوم” الاسبانية –الايطالية، ما سبق يؤكد وجود تقصير وضعف في الهيئات التي تدافع عن مصر خارجيًا.

تبادل الاتهامات

هناك حالة من تبادل الاتهامات بين الهيئات المختصة بالدفاع عن مصر أمام المحاكم الدولية، ويدعي خبراء أن مصر لم تفز بقضية واحدة من إجمالي 76 قضية أمام المحاكم الدولية، ويرجع الخبراء أن السبب في خساة مصر التحكيم الدولي هو تقصير هيئة قضايا الدولة بالدفاع عن مصر أمام المحاكم الدولية وعدم إلمامها الجيد بالقضايا التي تدافع عنها، ويقول آخرون أنه تقصير في فهم القانون والقواعد الدولية التي تحدد إجراءات وطرق التحكيم الدولي عند حدوث أية منازعات تجارية أو استثمارية مع الطرف الآخر، لكن في النهاية كل ذلك لا يعني المواطن البسيط الذي يشكل الغالبية العظمى من بنية المجتمع، ما يهمه هو هل يصدر الحكم ضد مصر بسبب قصور من الدولة؟ ولماذا أتحمل أنا –كمواطن- أخطاء الدولة المتكررة؟ هل عجزت مصر عن الدفاع عن نفسها؟ ولماذا توجد هيئة قضايا الدولة إذن؟

هاجم المستشار حسن أحمد عمر الخبير في القانون الدولي والمحامي بالنقض، هيئة قضايا الدولة وحملها مسئولية خساة القضايا الدولية وقال أن هناك إشكالية في هيئة قضايا الدولة أهمها هو عدم وجود خبرة في مجال القضايا الدولية، وكل خبرة العاملين بالهيئة تقع في القضايا الداخلية المحلية فحسب، وأنه لا يظن أن الهيئة فازت بأي قضية أمام المحاكم الدولية، إلا لو كانت عن طريق التفاوض خارج المحاكم، كما أرجع سبب خسارة القضايا الدولية لسبيين الأول هو الجهة التي أبرمت وصاغت العقد، والثاني هو من قام بالدفاع عن القضية والمقصود هنا هي هيئة قضايا دولة، وطالب بأن توكل الدولة القضايا لمكاتب محاماة كبيرة لتتولى الدفاع عنها بدلاً من هيئة قضايا الدولة.

كما طالب الخبير في القانون الدولي والمحامي بالنقض، تشكيل لجنة قومية لبحث القضايا التي تخسرها الدولة لمعرفة أسباب الخسارة وكيفية المعالجة، لوضع هيئة قضايا الدولة تحت المسائلة القانونية في حالة الخسارة لإيضاح أسبابها، لأن الأموال التي تدفعها مصر كتعويضات في حالة خسارة القضايا هي أموال الشعب.

الالتزام ببنود العقود 

من جهته يؤكد المستشار سامح سيد نائب رئيس هيئة قضايا الدولة والمتحدث الرسمي بإسم الهيئة أن الهيئة لم تخسر أي قضية تحكيمية في الخارج خلال 6 أعوام سابقة، وكسبت جميع قضايا التحكيم و وفرت على الخزانة العامة للدولة المصرية أكثر من 155 مليار جنية، مشيرًا إلى أنه ليست جميع قضايا التحكيم في الخارج تباشرها هيئة قضايا الدولة، وخصوصا بالنسبة للقضايا التابعة للهيئات العامة، فكل وزارة لديها هيئة مختصة بالدفاع عنها أمام التحكيم الدولي.

ويكشف المستشار سامح سيد أن أكثر القضايا التي تباشرها الهيئة هي قضايا التحكيم الاستثماري الدولي التي تنظر في الولايات المتحدة الأمريكية، لافتًا إلى أن هناك نوعين من القضايا الدولية الأولى التحكيم التجاري الدولي الذي يكون بين شركات التابعة للهيئات العامة مثل شركات البترول وغيرها التي تتعاقد مع شركات أجنبية ويتم إبرام تعاقد يشترط اللجوء إلى تحكيم تجاري دولي في حالة الإخلال بالعقد، ومثل تلك القضايا لا تباشرها هيئة قضايا الدولة، والنوع الثاني وهو ما تباشره الهيئة هو التحكيم الاستثماري الدولي، أن يكون هناك مستثمر في مصر وقام بإبرام عقد مع أي وزارة وحدث بعد ذلك إخلال بالعقد وكان هناك اتفاقية بين مصر والدولة التابع لجنسيتها هذا المستثمر، في هذه الحالة نحن -الهيئة- نتصدر المشهد للدفاع عن مصر.

ويرى المستشار أن من الأسباب الرئيسية لخسارة قضايا التحكيم الدولي هو الإخلال بشروط العقد التي تم إبرامه بين الطرفين، سواء من طرف الشركة أو الهيئة المصرية أو الشريك الأجنبي، ومَن يخل بأحد تلك الشروط  أو يخطئ في تنفيذ خطوات التعاقد عليه أن يتحمل العواقب لأنه من المتوقع والبديهي أن يخسر القضية أمام التحكيم الدولي، ومن باب أولى أن يتم صياغة جميع العقود وإعدادها بشكل جيد حتى إذا تعرضت الهيئة للتحكيم الدولي تخرج منه منتصرة.

واقترح المتحدث الرسمي بإسم هيئة قضايا الدولة حلاً لمشكلة صياغة العقود وذلك عن طريق تفعيل نص المادة 196 من الدستور المصري والتي تنص على أن هيئة قضايا الدولة هيئة قضائية مستقلة ومن ضمن اختصاصتها إعداد وصياغة العقود التي تحال إليها من الجهات الإدارية التي تمثلها هيئة قضايا الدولة، هذا الإختصاص لابد من سرعة تفعيله، وحتى كنوع من الضمانة، الجهات الإدارية ليست مختصة بكتابة وصياغة العقود، بل عليها أن ترسلها للجهات المختصة بذلك، مضيفًا أنه وفقًا لقانون مجلس الدولة فإن العقود التي تزيد عن 5 آلاف جنية يتعين مراجعتها مجلس الدولة، ويعتبر مجلس الدولة وهيئة قضايا الدولة أهم ضمانتين للعقود وإذا توافرت هاتين الضمانتين فمن الصعب جدًا أن يقام تحكيم دولي وإن أقيم سيكون الخسارة فيمن هو ضد الدولة المصرية.

وأشار إلى أن وجود خلل في العقود المبرمة لا يعيب الدولة المصرية في شيئ، فأي دولة تبرم فيها العقود خارج نطاق هيئة قضايا الدولة أو مجلس الدولة من الطبيعي أن تخطئ وتخسر القضية دوليًا  لذلك يتعين وجود أي من هاتين الضمانتين.