يوم لا أنساه

بقلم / محمد عبدالقدوس

(المهندس حسين صبور: مقبرة لمسيحي ب 300 جنيه)

قلت لحضرتك في الحلقة الماضية أن المهندس حسين صبور من أشهر المهندسين الاستشاريين في بلادي ، وبصماته موجودة في كل مكان ، فقد شارك في بناء مدن بأكملها مثل مدينة السادس من أكتوبر ، والسادات ، وبني سويف الجديدة، والمقطم! وأقام عدد من المشروعات والفنادق الكبرى مثل البنك الأهلي ، وأكبر مصنع للدبابات، وفندق سميراميس الجديد ، وساهم في توسيع شبكات الكهرباء في 17 مدينة مصرية على رأسها القاهرة والإسكندرية!! وكل يوم إنتهى فيه من كل مشروع من هذه المشروعات بمثابة يوم لا ينساه في حياته.
ولم يكن طريقه سهلا أبدا ، واضطر للهجرة إلى ليبيا أوائل الستينات من القرن العشرين الميلادي بعدما أوصدت في وجهه كل الأبواب بسبب تأميم الدولة لمختلف المشروعات في ذلك الوقت.
وفي هجرته كانت زوجته الجميلة “نجوى عبدالعزيز القوصي” بمثابة سنده في الحياة وواحة الأمان بالنسبة له، وقد أنجب منها ولدين وعنده نصف دستة من الأحفاد.. وأمسك الخشب.
وعاد إلى مصر مع الانفتاح الاقتصادي في بداية السبعينات من القرن الماضي ، واجتهد في عمله، وربنا فتح عليه وأقام مشروعات بمئات الملايين من الجنيهات، لكنه لا ينسى أبدا أول عمل في حياته قام بتنفيذه، وكان لحساب مواطن مسيحي اسمه “ويلسون أمين” ، وربح من هذا العمل 300 جنيه وهو مبلغ محترم في ذلك الوقت البعيد قبل 61 عام أو عام 1958.
وهذا العمل عبارة عن مقبرة!!
والمهندس صبور فتح مكتب “على قده” وقرر العمل كمهندس حر بعد تخرجه بتفوق من هندسة القاهرة ، وكانت تلك مغامرة ولاشك ، وظل شهور عاطلا عن العمل حتى جاء الزبون الأول واسمه ويلسون أمين وعلى وجهه اضطراب وفزع وقلق وقال له أن والده على وشك مفارقة الحياة وأنه يريد بناء مقبرة له في أسرع وقت!
ونجح “صبور” في القيام بالعمل المطلوب قبل أن يفارق والد زبونه الأول الحياة. وكان هذا يوم لا ينساه في حياته.