دور النظام المصري في مجزرة السودان

نتيجة بحث الصور عن ياسر عبد العزيز

بقلم/ ياسر عبد العزيز 

في مشهد يجسد السريالية في أوج طبقاتها مع غياب تام للأنا، أثناء مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، يقول الجندي لامرأة خرجت جزعة من مشاهد القتل والحرق والتنكيل التي يقوم بهها الجنود ضد المعتصمين، (دولة مدنية ولا عسكرية؟) فترد المرأة الجزعة … (عسكرية). لقد تعلم المجلس العسكري دروسا طبقها بحذافيرها، وجعل المشهد يخرج بهذه اللاواقعية.

الدرس الأول: جوع كلبك… في المقطع المشار إليه، يقول الجندي لزملائه (وقوله مقصود) “أقتلوهم ولاد …… حرمونا من أجازاتنا”. من الكلمة تعرف أن الدرس الأول طبق بنجاح، فحرمان المجند من الإجازة مع الضغط عليه بأن منعه من إجازته هو حالة الطوارئ التي يعيشها الوطن جراء هؤلاء العاطلين المارقين، وأن الإجازات ستفتح بمجرد إزالة الأزمة، تجعل المجند، وبمنطق الأنانية، يستبيح أعراض المعتصمين طلبا للخلاص من نير العسكرية.

الدرس الثاني : سفه مطالبهم… اشحن الجنود من خلال الإعلام وسلاح الشئون المعنوية تجاه طالبي الحرية وصفهم بأنهم ثلة من المأجورين واستدعي حال الربيع العربي الذي تداعى عليه الخليج فأوغل في بلاده الخراب منذرا شعوبه قبل الثوار بأن جزاء الحرية الخراب، وهو ما قام به إعلام الموالاة مستغلا طمع أقلام الفلول ومنابرهم الطامعين لاسترداد شيء من منافعهم أيام المخلوع.

الدرس الثالث: قتل المتظاهرين جهاد… إن الإنسان إذا ما عرف أن فعله فيه رضا لخالقه فإنه لا شك سيكون إليه مبادرا ومسارعا، كاسبا الحسنيين، الإجازة من العسكرية في الدنيا، والجنة في الآخرة، وهو الدور الذي يستطيع أن يلعبه مشايخ السلطان باقتدار، لاسيما بعد أن استطاع المداخلة والجامية وعباد الطواغيت أن يتغلغلوا في مجتمعاتنا بالمال الخليجي.

الدرس الرابع: ارفع الشرعية عن خصومك… بعد أن تقتل خصومك اتهمهم إما بالإرهاب، الذي لا يعرف له تعريف، أو اتهمهم بالتخريب والعمالة وزعزعة الاستقرار، والاستقرار هو المصطلح السحري الذي به يجثم الدكتاتور على صدور شعبه عقودا، وهو ما مرره البرهان في أول بيان له بعد الفض مباشرة، فرفع الرجل الشرعية عن إعلان الحرية والتغيير باعتبارهم لا يمثلون الشعب ولا الثورة، وهو ما مهد له قبل أيام بدعوات منكرات بأن الحرية والتغيير لا تمثل كل أطياف الشعب.

الدرس الخامس: أصنع لنفسك معارضة على مقاسك…. بعد أن تشيطن الثوار وترفع عنهم الشرعية، فإنه لزاما عليك صناعة معارضة “سورية” تمثل الثورة أمام الكاميرات وتتفاوض على لا شيء إلا إرضاءك، ومن ثم لا تظهر بمظهر المنقلب، وبعد الانتهاء من هذه المرحلة، فلا ترقب فيهم إلا ولا ذمة، وفي أقرب مكب ألقهم.

الدرس السادس: شكل حياة سياسية تواءم تطلعاتك… لكي تستطيع الاستمرار ثلاثين أو أربعين سنة على الأقل، عليك صناعة حياة سياسية مفصلة بالمضبوط على مقاس رغباتك وطموحاتك، لذا فعليك بالدعوة لانتخابات مبكرة وسريعة، حتى تفرز تلك الانتخابات نفس النظام القديم ومن ثم تكون تمكنت من ضرب الثورة في مقتل ويموت التغيير.

الدرس السابع: خذ أموال الكفيل واصنع مجدا… الكفيل ليس أبلها فهو يعرف انك سارق وخائن وهو يحبك بهذه الطباع فسرقتك أموال الكفيل لن يغضبه، لكن في المقابل عليك بناء جسرين وصبغ أرصفة الشوارع ورفع القمامة من الميادين حتى يشعر المواطن أنك مهم في حياته، ويرفع يده التي مدها للثورة.

على طريقة الدراما تعالوا بنا نعود إلى الوراء قليلا، أيام قليلة قبل فض اعتصام القيادة العامة، حيث زيارة عبد الفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري السوداني المنقلب على قادته، الذين انقلبوا على البشير مستغلين ثورة الشعب عليه، الزيارة كانت لمصر، حيث يؤدي الرجل التحية العسكرية لقائد الانقلاب العسكري فيها، وهو المشهد الذي استغربه البعض، وله دلالاته وخلفياته، فالبرهان عمل في مصر ثلاث سنوات وكان على احتكاك مباشر بدولاب عمل المخابرات الحربية المصرية الذي كان يرأس قائد الانقلاب، وكان الرجل (البرهان) لا يرى السيسي إلا قليلا بحكم التراتبية العسكرية، وفي المرات التي قابله فيها كان لزاما عليه أن يؤدي التحية العسكرية للقائد الأعلى رتبة، وهو ما لم ينفك عنه الرجل ودفعته العادة للقيام بما قام به أمام الكاميرات، متناسيا أنه أصبح (رئيس دولة)، لكنها حمّى البداية التي سيعتاد عليها بعد أن يتجمع حوله المنتفعين .

لكن التفسير المنطقي الآخر هو أن الرجل في مهمة تعليمية، فعليه أن يقف للمعلم ويفيه تبجيلا، فالمضيف له خبرة تدرس في كتب الدكتاتوريات الدموية في وأد أحلام الشعوب وقمعها وشل مفاصلها وقتل طموحها في الحرية، والخلطة جاهزة والخطة حاضرة وما على التلميذ إلا أن ينصت حتى يتعلم، ولن يبخل الأستاذ في متابعة تلميذه في أداء واجبه نحو الدكتاتورية للإرضاء أسياده في الخليج وفيما وراء البحار.

أخيرا، كل ما جاء في هذه الدروس وتشابه مع أحداث مرت عليك فهي مقصودة وليست للإسقاط، فالتلميذ الذي درس على يد الصهاينة، أصبح معلما بعد أن استطاع بتفوق أن يقتل أحلام الثورة في بلده وتأهل لأن يقتل أحلام أي شعب في المنطقة يحلم بالحرية.