بعد محاولة تشويه الثوار..هل يتكرر السيناريو المصري في السودان بقيادة البرهان؟

لم تعد الإطاحة بالرئيس السوداني السابق عمر البشير، ومستقبل الانتقال السياسي في السودان بعده مجرد قضية حراك جماهيري أطاح بديكتاتور مستبد، لكنه تحول إلى جولة جديدة، قد تشبه إلى حدٍ كبير ما جرى في مصر بعد الانقلاب الذي قام به السيسي على الرئيس محمد مرسي أول رئيس مصري منتخب.

فقد تزايدت في الفترة الأخيرة من شهر مايو، شيطنة المجلس العسكري الانتقالي في السودان للمعتصمين المناهضين لاستمرار حكم العسكر، ووصفهم بـ”الخطر على الأمن القومي للبلاد”.

وتصاعدت مخاوف السودانيين، من تدخل مصري رئاسي، “يعطل” مسار ثورتهم، التي أطاحت بالبشير بعد نحو 30 عاماً من حكمه، خصوصاً بعد زيارة رئيس المجلس العسكري السوداني عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة في (25 مايو)، ولقاءه بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في الوقت الذي تجري مفاوضات بين المحتجين والمجلس لتسليم السلطة للمدنيين.

ويرى كثيرون أن المجلس العسكري في السودان يطمح بتكرار السيناريو المصري من خلال “ركوب ثورة الجماهير وتقديم التنازلات الشكليّة لها، ثم الانقضاض عليها وإعادة النظام القديم مع تغطية إقليمية جديدة يمثّلها حلف “الثورة المضادة” في مصر والإمارات والسعودية.

مهاجمة المعتصمين

اتخذ المجلس العسكري في السودان طرقاً مختلفة لمهاجمة المعتصمين، بعدما استخدم مؤتمراته الصحفية لاتهامهم تارة، والتلميح باستخدام القوة تارة أخرى، في الوقت الذي يدفع قوات تابعة له أو عناصر خارجة عن القانون بمهاجمة المعتصمين في ميدان الاعتصام بالخرطوم؛ ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

أخر تلك التصريحات، كانت في (30 مايو)، عندما شن المجلس العسكري، هجوماً على المحتجين المناهضين له، واصفاً ميدان الاعتصام بـ”الخطر على البلاد”. وقال قائد العمليات بقوات الدعم السريع، عثمان حامد، في مؤتمر صحفي بثه التلفزيون الرسمي السوداني: إن ميدان الاعتصام في الخرطوم “أصبح وكراً للجريمة وغير آمن على الثوار أنفسهم، ومهدداً للأمن القومي”.

ويوم (28 مايو) كرر نائب رئيس المجلس العسكري بالسودان محمد حمدان دقلو (حميدتي)، تصريحات وسيناريوهات محور الثورات المضادة في العالم العربي، مؤكداً وجود معلومات تفيد بـ”تخابر” العديد مع الجهات الخارجية. وأضاف الفريق أول حميدتي أنّ “على الشباب العودة إلى شعاراتهم وسنتفق الليلة معهم إذا فعلوا ذلك”، مبيناً أنّ “هناك أطرافاً تحاول استغلال الثورة لتحسين صورتها، وسنحاسبها”.

وتتشابه تلك الخطوات، مع ما قام به السيسي قبل انقلابه على الرئيس المعزول محمد مرسي، عندما وصف المحتجين في ميدان رابعة بالقاهرة بـ”الخارجين عن القانون”. كما استخدمت قوات الأمن والجيش التي كانت حينها تتلقى توجيهاتها من السيسي، اعتداءات متكررة على المعتصمين آنذاك، قبل أن تنفذ هجوماً كبيراً في الـ14 من شهر أغسطس 2013 (بعد عيد الفطر آنذاك)، والذي تسبب في سقوط 2600 قتيل وآلاف الجرحى والمعتقلين، بحسب ما ذكرته منظمات حقوقية، ليسدل حينها الستار بتولي السيسي الحكم في مصر.

دعم خليجي مشابه

وجد السيسي قبيل وأثناء انقلابه على الحكم في مصر، دعماً قوياً من بعض الدول الخليجية (السعودية والإمارات والبحرين) التي أبدت تفهما للإجراءات التي قامت بها مصر لحماية “استقرارها”.

وساهم الدعم الذي لقيه السيسي من بعض الدول العربية والصمت الغربي -رغم الإدانات اللفظية الأولية- الذي تحول لاحقاً إلى تطبيع ثم تقارب، في إنهاء ثورة يناير التي اندلعت في 2011 ضد حكم الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، وإعادة رموز ذلك النظام إلى الحكم مرة أخرى.

وعلى ذات السياق، يتلقى الحكم العسكري في السودان، ترحيباً ومساندة كبيرة من السعودية والإمارات ومصر، ودعماً مالياً وصل إلى مليارات الدولارات خلال فترة وجيزة. ومنذ الساعات الأولى للثورة السودانية، والانقلاب العسكري ضد البشير، سارعت الرياض وأبوظبي لإعلان تأييدهما لخطوة الجيش.

وسريعاً وجه الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز بتقديم حزمة مساعدات إنسانية إلى السودان تشمل أدوية ومشتقات بترولية وقمحاً، كما طلب رئيس الإمارات، خليفة بن زايد، التواصل مع المجلس العسكري الانتقالي لبحث مساعدة الشعب السوداني.

وتبعت تلك الخطوات اتصالات هاتفية من قبل قادة السعودية والإمارات برئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان، ثم استقباله لوفد رفيع المستوى من البلدين، استمرت زيارته في الخرطوم يومين. وأعقب تلك الزيارة، إعلان الدولتين الخليجيتين، في (21 أبريل) الماضي، تقديم دعم مادي للسودان بقيمة 3 مليارات دولار أمريكي، وإيداع نصف مليار دولار في البنك المركزي السوداني.

زيارات البرهان وحميدتي

ورغم اختلاف الأحداث التي شهدتها مصر بعد انقلاب السيسي بما يحدث في السودان، فقد كان المجلس الانتقالي في السودان مبادراً بشكل أسرع إلى القيام بزيارات سريعة إلى الإمارات والسعودية ومصر، بعد أسابيع قليلة من توليه الحكم، بعكس السيسي الذي انتظر شهرين بعد انتخابه رئيساً للبلاد، قبل أن يزور السعودية.

وأثارت زيارات رئيس المجلس العسكري الانتقالي السوداني لمصر والإمارات، ومن قبله زيارة نائبه “حميدتي” للسعودية جدلاً واسعا في أوساط المراقبين، ولا سيما أن الزيارات تعد أول اتصال مباشر للرجلين بالخارج. وجاءت زيارة البرهان وحميدتي في توقيت عصيب بعد فشل المفاوضات بين المجلس وقوى إعلان الحرية والتغيير، واستخدام الأخيرة سلاح الإضراب السياسي كردة فعل على إصرار المجلس العسكري على الرئاسة والأغلبية داخل مجلس السيادة.

وعلى الرغم أن زيارات البرهان إلى الدول الثلاث كانت بلباس عسكري، إلا أنه ظهر بشكل مختلف بلباس مدني خلال مشاركته ممثلاً لبلاده في القمة العربية، التي عقدت في مكة المكرمة في (31 مايو)، وكذا القمة الإسلامية أيضاً في ذات اليوم.

تحذيرات مبكرة

وبدت مخاوف السودانيين من إعادة السيناريو الذي اتخذه السيسي للسيطرة على الحكم في مصر مبكراً، حيث بدت تلك المخاوف واضحة، مع هتافات المعتصمين، خلال اعتصامهم أمام مقر الاعتصام أمام مقر قيادة جيش بلادهم، وتظاهرتهم إلى سفارة القاهرة بالخرطوم.

وسبق أن نظم المحتجين بالسودان في (25 أبريل)، وقفة احتجاجية أمام سفارة مصر بالخرطوم، للتنديد بما وصفوه “تدخل” السيسي، في الشأن السوداني. وهتف معتصمون، خلال الفعالية “السيسي ده (هذا) السودان، إنت حدودك بس (فقط) أسوان”، في إشارة إلى الحدود بين البلدين.

وسبق أن رفع المحتجون لافتات، “النصر أو مصر”، في إشارة لتجربة تولي مجلس عسكري رئاسة البلاد في مصر عقب ثورة يناير 2011 التي أطاحت بحسني مبارك وما شهدته مصر في أعقابها من تراجع للثورة وأهدافها.

كما زادت المخاوف مع تحرك سريع من السيسي الذي تترأس بلاده الاتحاد الأفريقي منذ فبراير الماضي، لدعوة قمة أفريقية بشأن السودان في 23 أبريل الماضي، وانتهت إلى منح المجلس العسكري في السودان المزيد من الوقت لتنفيذ “إجراءات الانتقال الديمقراطي بمساعدة الاتحاد الأفريقي”.

ورغم أن تصريح السيسي جاء في سياق الاتحاد الأفريقي، إلا أنه أثار شكوك واسعة حول نيته عرقلة مساعي التحول الديمقراطي في السودان، والتي توجت بزيارة البرهان إلى القاهرة مؤخراً.

السيسي يخشى ثورة السودان !

ويرى المحرر بمجلة الحداثة السودانية أحمد إبراهيم النشادر، أن “ما يخشاه السيسي هو الإلهام الثوري المتوقع”. وأوضح أن “الثورة السودانية تعمل الآن لإزاحة العسكر المتحالفين مع النظام البائد، وهذا ما تقاصرت عنه ثورة يناير المصرية، لذلك من مصلحة السيسي ألا تنجح مساعي الثورة في السودان”.

وبخلاف الانتقادات السودانية للسيسي في اعتصامهم الشهير، خرجت شارة حمراء من المعتصمين أيضاً لحليفي السيسي، السعودية والإمارات أيضا، إذ يعدون أن قادة تلك البلاد لا يريدون تغييرات ينحاز لمطالب “الثوار”. ويأمل المحتجون في السودان أن يسهم اعتصامهم، ودعوتهم للإضراب في جميع مرافق الدولة بالضغط على المجلس العسكري، لتنفيذ مطالبهم وإفشال تنفيذ سيناريو السيسي في بلادهم.