موجة العنف القادمة في مصر (2/2)

بقلم ياسر عبد العزيز

 

إمعانا في الخدعة الكبرى، صور النظام المصري القبض على هشام عشماوي وتسلمه من ليبيا ووصوله إلى مصر للمحاكمة، ذلك الضابط الذي التحق بصفوف “الجهاديين” في سيناء على أنه نصر عظيم، وعلى أنه نهاية حقبة العنف التي شهدتها مصر خلال الأعوام الستة الماضية.

في الجزء الأول من هذا المقال تحدثنا عن صناعة الإرهاب الذي ابتدعته أمريكا للاستفادة من وجود عدو تستطيع من خلاله تبرير وجودها في المنطقة، وبالتالي سرقة مقدرات العرب والمسلمين، وإنهاك القوى الإسلامية سواء عسكريا أو اقتصاديا، مع إيجاد شرخ مجتمعي غائر لا يمكن، بظنها، أن تتعافى منه المجتمعات المسلمة، وهو ما يعني مزيدا من نهب ثروات وقدرات بل والسيطرة على هذه الشعوب حتى لا تنهض أبدا.

بحسب شهادات تضمنها تقرير (كالنار فى الهشيم) الذي أصدرته “منظمة هيومن رايتس فيرست” بالانجليزية في فبراير الماضي، وقام مركز القاهرة بترجمته ونشره منذ أيام، فضح التقرير سيناريو النظام المصري لصناعة (الإرهاب المستدام) لو جاز أن نسميه، وهو الإرهاب المنظم الموجه، والذي يستطيع النظام استخدامه وقتما يشاء وكيفما يشاء، فخيوط تحريكه بيده، يشعل به النيران في الوقت المناسب والمدروس، بوقود الشباب المغرر بهم والمصنوعين على عينه في سجونه ومعتقلاته، على غرار ما تم صناعته في العراق إبان الاحتلال الأمريكي.

التقرير الذي أصدرته منظمة هيومن رايتس فيرست، يستند على عشرات الشهادات المروعة جمعها باحثو المنظمة من معتقلين سابقين في مصر، تعكس شهاداتهم كيف أن السجون المصرية قد تحولت، في سنوات ما بعد الانقلاب، لبؤر تفريخ وتجييش لجماعات التطرف العنيف.

ويؤكد التقرير أن تنظيم الدولة أصبح يسيطر اليوم بشكل فعال على العديد من السجون المصرية، وتنتشر مبادئه في السجون كالنار في الهشيم، حسب الشهادة التي أورتها المنظمة لسجين سابق في تقريرها، بينما أكد سجين سابق آخر، أنه بنهاية فترة حبسه، كان التطرف قد انتشر بسرعة كبيرة، وبحسب شهادته فقد اعتنق الفكر التكفيري 100 شخص من بين 200 كانت تحويهم زنزانته في محبسه.

ويؤكد الرجلان أن الآلاف ممن تم القبض عليهم في تظاهرات سلمية أو لأنشطة سياسية، أو حتى مواقف إنسانية تتمثل في إعانة أسر المعتقلين، تحولوا خلال السنوات الماضية إلى متطرفين ينتهجون العنف، ويطبقونه حين تسمح الفرصة بعد خروجهم من المعتقلات، وتؤكد شهادات أخرى، استند عليها التقرير، أن المئات التحقوا بتنظيم الدولة في سيناء، بينما سافر العشرات إلى سوريا، حيث (دولة الخلافة) كما يحلم التنظيم، ومنهم من عاد إلى مصر، ومنهم من ذهب إلى ليبيا.

يستغل تنظيم الدولة، بشكل ممنهج وتحت أعين مباحث المعتقلات، معاناة المعتقلين، وأحاسيس الذل والغضب جراء المعاملة المهينة التي يتعرض لها السجين، مغذياً لديهم الرغبة في الانتقام من السلطات المصرية، موفراً لهم الحماية من اعتداءات الحراس والسجناء الآخرين، وفي ظل فشل المشروع السياسي السلمي الذي جاء من خلفيته المعتقل، أو روج له إعلام ما بعد الثورة أو حتى ما بعد الانقلاب، يكفر المعتقل بمقولة (سلميتنا أقوى من الرصاص) ويكفر صاحبها وأصحابه، وفي المقابل يجد المعتقل في ظل تنظيم الدولة الوفير داخل المعتقلات وتزايد سطوته، ملاذا أمنا لدرجة أن التنظيم أصبح يسيطر فعلياً على أجزاء من السجون، كما كان الحال في معتقل بوكا في العراق، بنفس السيناريو دون تحوير ولا تبديل، وهو ما يؤكد أن النظام المصري يمشي على الخطى الأمريكية في العراق لنفس الأسباب.

فصناعة عدو وهمي، إنما هي حرفة الاحتلال أو الدكتاتورية، لكن السؤال الأهم: لماذا تنظيم الدولة، أو لماذا الفكر التكفيري؟

والإجابة لدى القوى الثورية التي لم يستطع حتى الآن أن تصنع مشروعا له أبعاد محددة للمواجهة، ولم تستفد من الزخم الشعبي والسياسي والدبلوماسي الذي عاشته مصر بعيد الانقلاب، وتخاصم التيارات الثورية وتشرذمها تجعل من الخصم ضعيف وغير مقنع، كما أن ورقة محاربة الإسلام السياسي المنضوي تحت مظلة القوى الثورية لم تعد تجدي، حيث أن الجهاد السياسي ليس مثيرا للغرب، بل على العكس.  وفي زخم موجة محاربة الإرهاب التي تجتاح العالم منذ ما يقارب العشرين عاما، فإن محاربة جماعات العنف هي أكثر مصداقية لدى الرأي العام العالمي، وفاتورة الدم التي يدفعها الأبرياء من الشعب المصري، كافية لإخراس أي صوت ينادي بالحرية، وهو ما يطيل عمر هذا النظام القافز على السلطة بعد سحق عظام الأبرياء بدباباته، ولن يستمر إلا على رؤوس المزيد من الدماء، وهو ما لن يحدث إلا بموجة عنف منتظرة، تعلو تارة وتنخفض أخرى بحسب مقتضيات الأمور، ويظل في النهاية الشعب هو دافع فاتورة بقاء النظام.