موجة العنف القادمة في مصر (1-2)

بقلم ياسر عبد العزيز

 

حذر منها ويعد لها… طالما أرهب رأس النظام في مصر الشعب من مصير سوريا والعراق، والآن هو نفسه من يهيئ أدوات صناعة حالتهما.

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 هبت المقاومة العراقية للذود عن البلاد بعد أن انهار الجيش العراقي أمام القصف الأمريكي الذي استخدم فيه كل أنواع الأسلحة الفتاكة، وانضم إلى المقاومة متطوعون من أنحاء الأمة الإسلامية، ودفع بعناصر من تنظيم القاعدة من أفغانستان والسودان لينضموا إلى زملائهم في العراق من الجهاديين والتكفيريين، وسقط من هؤلاء وهؤلاء كثير بيد الاحتلال والجيش العراقي الجديد الذي أسس على يد بول بريمر، لتعج السجون والمعتقلات في العراق بخليط من المعتقلين من المقاومين والتكفيريين بقرار لم يكن يوما بريئا.

في معتقل بوكا في الصحراء الممتدة على جانبي الحدود بين العراق والكويت جنوبي العراق وتحديدا في منطقة أم قصر، اختاره الأمريكيون أن يكون مصنع الإرهاب القادم والعدو الذي اختارته الدول الأكثر تصنيعا للسلاح في الغرب ليكون العدو القادم بعد الاتحاد السوفيتي، فالأنظمة السياسية تحتاج في كثير من الأحيان خلال مراحل تطورها إلى عدو خارجي، بهدف توظيف الخطر والتهديد الذي يمثله العدو المفترض، سواء أكان حقيقيًا أو وهمياً، لتحقيق غرض ما أو تبرير سلوك سياسي معين. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي الذي كان يشكل تحديًا أيديولوجيًا وتهديداً أمنياً للغرب، يومها وجد في ذلك التهديد مبررًا لتطوير قدراته العسكرية بتخصيص نسب مرتفعة من الميزانية العامة لقضايا الدفاع ودعم هيمنة العقلية العسكرية، كان لزاماً على الغرب البحث عن عدو بديل لضمان استمرار نمو الآلة العسكرية الغربية بنسب مرتفعة، لذا فكانت هندسة الإرهاب (الإسلامي) وبناء كوادره المهمة الأبرز في معتقل بوكا، وفي بوكا بدأت عملية التصنيع بخلط توليفة من التكفيريين بعناصر النظام السابق مع الوطنيين مع (مخلصين) شدوا الرحال إلى العراق من بلدانهم لدفع العدوان على أرض عربية مسلمة أصابتها مصيبة الاحتلال، ولما كان الظلم قد أصاب الجميع، فكان من السهل تمرير أفكار تكفيرية، لاسيما وأن عناصر التوليفة حاربت الأمريكيين بدافع وطني أو ديني بغير أيدلوجية أو منهج معد مسبقا، وعليه كانت الفرصة سانحة لتمرير كتب التكفيريين وتنظيم المعتقل بشكل يسيطر عليه هؤلاء ويعين لكل قسم من أقسام المعتقل أمير وقاضي ومفتي وإمام تمهيدا لإقامة دولة الخلافة في الخارج، وتربى هذا العدد الكبير على الأفكار التكفيرية على عين وصمت غريب من الإدارة الأمريكية والعراقية على السواء.

ولما نجحت الفكرة بدأ تعميمها على العديد من السجون والمعتقلات كان أشهرها سجن أبو غريب الذي خرجت منه أفظع صور التعذيب، وأظنها خرجت عن قصد، لمعتقلين نكل بهم في صورة سادية لا يقبلها سوي، لكن وبما أن كل شيء مدروس، فإن هذه الصور كانت مبررا للخارج لكي ينضم لأي فرقة أو جماعة يمكن أن ترد الظلم الواقع على المظلومين، كما أن هذه الصورة وروايات من يخرج من هذه المعتقلات، كانت كفيلة بصناعة حاضنة شعبية لمنتهجي العنف القادم والمهندس من قبل الغرب، ولما كان الغرب قد درس سيكولوجية المسلمين، وعاينهم إبان الحرب الأفغانية- السوفيتية وعرفوا أنهم لا يرضون الضيم، فإن هذه الصور وخلفيتها كانت كفيلة بالوصول إلى هدفهم، استمر الظلم على مناطق بعينها، درست بعناية، في العراق على يد المالكي والعبادي، (رئيسي وزراء العراق بعد الاحتلال) لتأجيج الموقف وإنضاج الخطة، واستمرت في المقابل سياسة بوكا في المعتقلات لتفريخ أكبر عدد ممكن ممن سيقومون بالدور المنوط بهم في إثارة القلاقل في العراق ومحيطها من دول الجوار وتصديره إلى باقي الأمة الإسلامية فيما يسمى بمحاربة الإرهاب.

وعلى الرغم من أن (الإرهاب) في الأصل صنع من أجل أن يستخدمه الغرب كعدو كما أسلفنا، إلا أن الأنظمة الوظيفية والدكتاتورية  استطاعت أن تستفيد من هذه الظاهرة خدمة لمشروعها الاستبدادي وإرهابا للشعوب حتى لا يعلو صوت فوق صوت مكافحة (الإرهاب) فاستطاع المالكي، الموالي لإيران، أن يظهر المناطق السنية التي انتفضت(سلمياً) ضد الظلم على أنها مناطق حاضنة للإرهاب وتحمل الشر للوطن، وسبب كل التفجيرات والمفخخات والاغتيالات التي تضرب العراق وتقوض أمنه، فكان يدفع بالتكفيريين إلى ساحات الاعتصام في 2013 لرفع رايتهم بعد انتهاء الفعاليات لتظهر هذه الاعتصامات والتظاهرات على أنها عنيفة تحمل مشروعا تكفيريا، حتى مع اعتراف قاسم الأعرجي، وزير الداخلية السابق بأن قواته كانت تمرر السيارات المفخخة إلى أسواق لتبرير اعتقال العشرات على إثر التفجير، إلا أن العالم لن يسمع لتصريح أمام دوي الانفجار ولون الدم الناتج عنه.

لقد استفاد النظام الذي أتى على ظهر الدبابة في العراق من صنيعة التكفير والعنف الأمريكي في معتقلات بوكا وأبو غريب وغيرهما من المعتقلات، فكيف سيستفيد النظام في مصر منه، هذا ما سنتناوله في الجزء الثاني من المقال.