هجرالسياسة ليس ضمانا من الملاحقة

بقلم قطب العربي

 

“ابتعادك عن السياسة مش (ليس) ضمان، وإنك لازم تقعد (تبقى) طول عمرك تحت التهديد” هذه هي النتيجة التي توصل لها مؤسس حركة 6 إبريل المهتدس أحمد ماهر الذي يقضي عقوبة تكميلية تعرف بالتدابير الاحترازية والتي تعني مبيته في قسم الشرطة من السادسة مساء حتى السادسة صباحا، والذي لم يقتصر الانتقام منه عند هذا الحد بل تجاوزه إلى اعتقال شقيقه مصطفى الذي طلق العمل السياسي منذ عدة سنوات ليتفرغ لرعاية أسرته وشقيقه.

النتيجة التي توصل إليها ماهر وسجلها على صفحته  (21 مايو)، هي خلاصة تجربته السياسية التي يشاركه فيها آلاف النشطاء والسياسيين الآخرين، لكن المشكلة أن بعض من يقتنعون بهذه النتيجة لا يعملون بها، بل يظهرون إتجاها نحو التصالح مع النظام، والاستسلام له، فماهر نفسه يتساءل في تدوينته ذاتها. (عن الرسالة التي يوجهها مُصدر قرار الحبس الأخير؟ خصوصا أنه لم يعد هناك أحد يفكر في مظاهرات أساسا (من وجهة نظره)، وخصوصا بعد أن أصبحت هناك أصوات كثيرة في أوساط المعارضة والثورة لاتزال تراهن  على الوسائل الإصلاحية وعلى المشاركة في الاستحقاقات وضرورة الوصول لحلول وسطى؟) (من تدوينته بتصرف).

إذا كانت هذه النتيجة هي الحقيقة المرة التي لا يمكن الفكاك منها، فإن محاولة البعض تسريب اليأس والانهزام والاستسلام لنظام الإنقلاب بدواعي غلبة هذا النظام وتمكنه، وضعف وانقسام مناهضيه ومعارضيه، تبدو استسلاما بلا داع، وبلا ثمن، فالنظام لن يترك حتى من يقبلون الاستسلام، بل سيظل يلاحقهم بالقضايا والحبس والفصل، وستتم محاكمتهم بأثر رجعي على مشاركتهم في أي فعاليات معارضة منذ نظام مبارك سواء فعاليات حركة كفاية، أو دعم انتفاضة القضاة في العام 2006، أو مظاهرات 6 إبريل 2008، أو أنشطة الجمعية الوطنية للتغيير والتوقيع على بيانها المليوني في العام 2010، أو المشاركة في ثورة 25 يناير بعد ذلك وحتى اللحظة الراهنة.

هذه هي طبيعة الحكم العسكري الشمولي منذ سطوته على حكم مصر في العام 1952، فقد حاكم نظام عبد الناصر بعض الإخوان والشيوعيين على أنشطة قاموا بها في عهد الاحتلال البريطاني، كما قام النظام في أعقاب أزمته مع الإخوان عام 1965 بإعادة اعتقال كل من سبق اعتقالهم في الخمسينات وحتى في العهد الملكي ( كل من كانت له ملفات في الأمن السياسي)، وهو ما تكرر عقب انقلاب الثالث من يوليو 2013 حيث جرت إعادة اعتقال الكثيرين ممن سبق اعتقالهم دون أي مبرر بمن في ذلك شخصيات محسوبة على التيار الليبرالي واليساري مثل هيثم محمدين، ومحمد عادل، وشريف الروبي إلخ.

أدرك صعوبة المرحلة، وثقل الضريبة التي يدفعها أي صوت معارض، ولذا أتفهم صمت الكثيرين وخاصة الذين مروا بتجربة الحبس والاعتقال وما بها من انتهاكات لآدميتهم بعد الانقلاب، وأتفهم خوف الكثيرين من مواجهة نظام قمعي لا يرقب في مصري إلا ولا ذمة، وقد تابع العالم كله قمع هذا النظام لكل فئات الشعب، ولعل أحدث مظاهره ضرب واحتجاز طلاب وطالبات الثانوية العامة الذين احتجوا على نظام الامتحانات الإلكتروني الذي لم يتم تجربته والتمهيد له ( قبل ان يتم إخلاء سبيلهم لاحقا) أوتصفية 12 مواطنا من المختفين قسريا بدم بارد ردا على جريمة تفجير الحافلة السياحية أمام المتحف المصري الكبير( وهو الأمر الذي تكرر كثيرا من قبل  وأصبح سياسة ثابتة)، وقبل ذلك قمع كل الأصوات الرافضة للتعديلات الدستورية والتي وصلت إلى حد اعتقال شاب حمل لافتة رافضة للتعديلات بشكل سلمي في ميدان التحرير(الحديث عما وقع بعد الإنقلاب من مجازر هي الأكبر في تاريخ مصر معروف للجميع ولا يحتاج لمزيد من الشرح والتوضيح)، لكن تفهم هذه المخاوف لا يعني “شرعنتها” والسماح بانتشارها، فهذا هو عين مايريده النظام، وهو نشر الخوف والإحباط بين صفوف مناوئيه، ودفعهم للاستسلام، حتى يتسنى له الحكم بلا مشاكل، والحمد لله أن غالبية مناهضي النظام لا يزالون صامدين حتى اللحظة رغم كل ما تعرضوا له من مصائب وضربات يشيب لهولها الولدان، وهذا لا يعني الاكتفاء بصمود الصامدين بل يلزم توفير مقومات الاستمرارية لها الصمود من ناحية، واستحداث وسائل مقاومة سلمية أخرى تخفف الضغوط عن هؤلاء المقاومين، وترهق النظام وتربكه، وتعجل بالخلاص منه من ناحية ثانية.

ولا نبالغ إن قلنا إن هذا الصمود الأسطوري هو الذي يدفع النظام بين الحين والآخر لمحاولة تخفيف الإحتقان قليلا عبر الإفراج عن دفعات من المعتقلين ظلما وعدوانا، ليواجه الضغوط المحلية والدولية المتصاعدة ضده، وجزء من هذه الضغوط هو نتيجة جهد المجموعات الحقوقية المناهضة للانقلاب، وتوفيرها لبيانات الانتهاكات لكل المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، وكذا جهد المنابر الإعلامية المقاومة الفاضحة لتلك الانتهاكات..

لا يمكننا أيضا اعتبار قرارات النظام الأخيرة بالإفراج عن العشرات من مناهضيه ومعارضيه ومن أبرزهم السفير معصوم مرزوق والدكتور يحيي القزاز ورائد سلامة هو توجه جديد منه للإنفتاح على المعارضة وتخفيف الإحتقان عموما، بدليل أنه ألقى القبض على شخصيات معارضة أخرى مثل هيثم محمدين ومصطفى ماهر( شقيق أحمد ماهر) والشيخ محمود شعبان إلخ ، وهو ما يعني أن النظام يريد إبقاء النشطاء والمعارضين في حالة قلق وتوتر دائم، وتحت الضغط دوما حتى لا يفكروا في لملمة صفوفهم، أو تنظيم أي حملات معارضة، وإذا كانت هذه هي الحقيقة فلا معنى لأي تراجع أو نكوص لأنه لن يفيد صاحبه في النهاية.