قصص طريف أضاع رمزاً صوفياً

بقلم د حازم حسني

 

فى كتاب الأغانى – وهو كتاب ملئ بالطرائف التى اهتم بها صاحب الكتاب أكثر من اهتمامه بالحقائق التاريخية – ذكر أبو الفرج الأصفهانى طُرفة يحكى بها قصة أبيات الشعر التى تقول :ـ

قُلْ للمليحةِ فِى الخِمارِ الأسْوَدِ
ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبِّدِ

قد كان شَمَّر للصلاةِ رداءَهُ
حتى وقفتِ له ببابِ المسجِدِ

فسلَبْتِ منه دينَهُ ويقينَهُ
وتركتيهِ فى حيرةٍ لا يهتدِى

رُدِّى عليهِ صلاتَهُ وصيامَهُ
لا تقتُلِيه بحقِ دينِ محمدِ

والخمار فى اللغة هو غير النقاب، إذ لا يشترط فيه تغطية الوجه، بل هو مجرد غطاء للرأس يكون للرجال كما يكون للنساء؛ فخمار الرجل هو عمامته، أو أياً كان ما يغطى به رأسه !

يقال عن هذه الأبيات الشعرية التى نسبها الرواة للدارمى – وهو شاعر من العصر الأموى يقال له “المسكين الدارمى”، فلا يخلطن أحد بينه وبين الإمام الدارمى رحمه الله – أن تاجراً قد استقدم إلى المدينة خُمُراً يبيعها للنساء، فباع منها ما كان ذا ألوان مبهجة، وبقيت الخمر السوداء لا تجد من تشتريها، فأوعز التاجر لأحد الشعراء – عله المسكين الدارمى – أن يبدع له شعراً يروج به لهذه الخمر السوداء التى كادت أن تبور، فكانت هذه الأبيات التى ذاع صيتها وتغنى بها الناس، وكان الغناء مقبولاً اجتماعياً ودينياً فى بلاد الحجاز فى هذه الأيام البعيدة، فتسابقت النساء على شراء الخمر السوداء حتى نفدت عن آخرها أملاً فى أن تكون كل واحدة منهن هذه “المليحة” التى لا يطيق مقاومة جمالها حتى الناسك المتعبد !

لا أعرف مدى الصدق التاريخى فى أحداث هذه الطرفة التى قصها علينا أبو الفرج الأصفهانى فى كتابه، وهل لها أصل من التاريخ أم لا، لكن هذه الأبيات – التى يعتبر بعض الناس قائلها صاحب أول إعلان تجارى فى التاريخ – إنما يتغنى بها كثير من المنشدين باعتبارها أبياتاً صوفية مثقلة بالرموز التى ربما تفسدها هذه الرواية “السوقية” عن الخمر التى يبحث بائعها عمن يشتريها !

ولا أعرف يقيناً كيف كان يقرأ بعض المتصوفة رموز هذه الأبيات الشعرية، فجميع أشعارهم معبأة بالرمز كما بينا فى رسالة سابقة، وإن كنت أعتقد أنهم رأوا فى “المليحة” إغراءات الدنيا التى تراود حتى الزهاد والنساك عن أنفسهم؛ فلا شئ يغرى إلا إن بدا مليحاً، وإلا فإنه ينفر ولا يغرى، وكم زلت أقدام الناس – كانوا من الزهاد أو كانوا من غيرهم – أمام إغراءات الدنيا ومباهجها ! … أما “الخمار” فأعتقدهم قد رأوا فيه ما تغطى به هذه المغريات حقيقتها، وتحجب به عن أعين ناظريها عورتها … ولا يخفى بعد ذلك لماذا جعل الشاعر هذا الخمار “أسودا”؛ فهل يغطى عورة المغريات فى لغة الرمز الصوفى، أو يبدى محاسن هذه المغريات ويغطى مساوئها، إلا ما كان أسود اللون رمزاً لشرور النفس؟! وهل يرمز للنقاء والصفاء فى لغة الرمز الصوفى إلا اللون الأبيض؟!

الله أعلم بكيف يقرأ بعض المتصوفة لغة الرموز فى هذه الأبيات التى لوصحت نسبتها للمسكين الدارمى لكانت أبعد ما تكون عن الصوفية وعن لغة الرمز لدى الناسك الزاهد المتعبد ! … أياً كان الأمر فهذه هى الأبيات مغناة بصوت المنشد أحمد حَوِيلِى من لبنان، وإن كان قد زاد عن الأبيات عاليه بيتين يخاطب بهما الزاهد المتعبد يقول فيهما:ـ

يا داعياً للهِ مرفوعَ اليدِ
متوسلاً متضرعاً للمُنجِدِ

يا طالباً منه الشفاعةَ فى غدٍ
قُلْ للمليحةِ فى الخِمارِ الأَسْوَدِ

ثم راح يستخدم ضمير الغائب بدلاً من ضمير المخاطَب، ولا أدرى لماذا؟! … ثم اضاف فى النهاية بيتاً استوحاه من البيت الأخير يقول فيه:ـ

رُدِّى عليهِ صلاتَهُ وصيامَهُ
لا تقتُلِيه بحقِ عيسى وأحمدِ

أياً ما كان الأمر، فهو إنشاد صوفى جميل، حتى وإن كان أصل أبيات الشعر لا علاقة لها بالصوفية ولا بالمتصوفة، وهو مثال واضح على كيف كان المتصوفة يقرأون كل ما هو دنيوى فج بعيون صوفية تغطى بالرموز الدنيوية أفكاراً روحية سامية ! … أتحدث بالطبع عن “المتصوفة”، لا عن الدراويش ولا المجاذيب ولا تجار التصوف، ولا عن أىٍّ من هؤلاء الذين أساءوا للصوفية وللمتصوفة عبر القرون، خاصة ما كان من هذه القرون قريباً من الزمن الذى نعيش فيه !

(نقلا عن صفحته)