حرب الإرادات بين أمريكا وإيران

بقلم قطب العربي

 

هجمات بحرية مجهولة حتى الآن على 4 سفن (ثنتان سعوديتان وواحدة إماراتية وأخرى بلجيكية) بميناء الفجيرة الإماراتي يوم السبت يعقبها هجوم حوثي على منشأت نفطية سعودية في قلب العاصمة الرياض من طائرات بدون طيار..هل نحن أمام نذر حرب شاملة جديدة في المنطقة تعيد رسم حرائطها، ومراكز القوة والنفوذ فيها؟ أم أننا أمام مناوشات مصطنعة بهدف ممارسة المزيد من الضغط السياسي والضغط المضاد أيضا لتحقيق تلك التغييرات المرتبطة تحديدا بصفقة القرن، أم هي حرب إرادات وعض أصابع بين واشنطن وطهران على خلفية المشروع النووي وتوسع النفوذ الإيراني؟.

قبل عام وتحديدا في 8 مايو 2018 أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب واشنطن بشكل منفرد من الاتفاق النووي مع طهران والذي كانت ضمنه أطراف أوربية أخرى، مدعيا عدم نجاح الاتفاق في وقف أنشطة طهران المزعزعة للاستقرار ومساعيها للحصول على سلاح نووي وردعها عن متابعة برنامجها للصواريخ الباليستية، وقرر ترامب في الوقت نفسه فرض عقوبات جديدة على إيران ومن يساعدها.

وخلال هذا العام واصلت الإدارة الأمريكية جهودها لحصار إيران، وفي الوقت نفسه واصلت استنزاف السعودية ماليا، مع استمرار توجيه الإهانات والسخرية من قيادتها التي عليها أن تدفع ثم تدفع دون مناقشة.

يرسم ترامب صورة نمطية غاية في الاحتقار لدول المنطقة وحكامها، وهو يتحرك وفقا لهذه الصورة مع حكام الخليج خاصة السعودية، ويزيد ابتزازها و”حلبها” يوما بعد يوم دون أي رد فعل وهو ما يؤكد لديه تلك الصورة النمطية التي رسمها عن الحكام الأثرياء “المهابيل” الذين لا يريدون إفادة شعوبهم بقدر ما يريدون إضرار غيرهم، ولكن ترامب وقع في فخ التعميم فأراد تكرار  تلك الطريقة مع إيران ومن قبلها تركيا، فوجد سلوكا مختلفا حتى الآن، وهو ما دفعه لتعديل سلوكياته، فلم نسمع منه مرة أي إهانة لحكام تركيا أو حكام إيران، بل أنه يستخدم فقط عضلاته المتمثلة في أساطيله وطائراته لتهديد إيران، والتلويح بشن حرب شاملة ضدها جرد لها حاملة الطائرات أبراهام لنكولن والمستشفى البحري العائم بخلاف وضع القواعد الأمريكية في المنطقة على أهبة الإستعداد، وسربت إدارته معلومات عن الاستعداد لإرسال 120 ألف جندي امريكي إلى المنطقة (ثم نفت ذلك لاحقا بعد فشل مفعوله)، غاية ترامب من كل هذه الضغوط هو أن تنحني إيران أمامه، وتقبل إعادة التفاوض على الاتفاق النووي الذي وقعته مع إدارة أوباما، ويريد ترامب أن يضع لمساته عليه، لينسب لنفسه نصرا وهميا، وأمام التصلب الإيراني لم يجد ترامب أمامه سوى الإعلان عن وضع رقم هاتف في سويسرا ليتمكن الإيرانيون من الإتصال به وهو الأمر الذي رد عليه الإيرايون مجددا بالسخرية والاستهزاء ودعوته هو للإتصال بطهران مباشرة.

تضغط كل من السعودية والإمارات بشدة على ترامب ليضرب إيران وفاء بعهوده لهما والتي دفعتا مقابلها مئات المليارات، وتتنافس قنوات الدولتين خاصة العربية وسكاي نيوز في قرع طبول الحرب، وتثور شكوك قوية أن تكون مخابرات إحدى الدولتين أو كلتاهما هي من تقف وراء ضرب ميناء الفجيرة وإعطاب 4 سفن وناقلات فيه ليكون تكؤة للرد الأمريكي المزلزل، ولكن يبدو أن هذه العملية لم تقنع العالم وكذا الأمريكان الذين تشككوا في اتهام إيران بهذه الضربة (إيران نفت علاقتها)، ويظهر أن مخرج هذه العملية هو ذاته الذي صمم من قبل عملية اختراق وكالة الأنباء القطرية وبث عليها تسجيلا مفبركا للأمير تميم ليكون مبررا لاجتياح قطر، ومع ذلك تظل الإحتمالات الأخرى مفتوحة حول هوية منفذي الهجمة سواء كانوا موالين لإيران أو تنظيمي القاعدة أو داعش ( التحقيقات لا تزال جارية بمشاركة الولايت المتحدة ودول أوربية والسعودية والإمارات).

إيران -التي تدرك أن التهديدات الأمريكية هي مجرد حرب إرادات كما عبر الخامنئي-، لم تكتف بالسخرية من عرض ترامب بل إنها رفعت سقف التصعيد والتلاعب بأعصاب ترامب من ناحيتها عبر أذرعها المنتشرة في دول الخليج فكانت الضربة القوية للمنشآت النفطية في الرياض بطائرات حوثية ما أجبر شركة أرامكو على وقف ضخ النفط، ووقفت الإمارات والسعودية تنتظران رد الأسطول الأمريكي على إيران وهو مالم يحدث حتى الآن.

يرى ترامب نفسه فتوة العالم، ويرغي ويزبد  في تهديداته كثيرا وهو الممسك بمفاتيح أفتك الأسلحة، لكنه مثل البلطجي الأهوج الذي يمكن أن يكسره شاب -أصغر سنا وحجما – يمتلك الشجاعة ولا يخشى التهديدات الجوفاء، وإذا كان ترامب نفسه متهورا فهو في النهاية لا يملك إصدار قرار الحرب إلا بعد موافقة الكونجرس، وهو أمر مشكوك فيه تماما لإدارك المؤسسات الأمريكية لخطورة إشعال المنطقة بحرب جديدة تدفع إليها حكومات الخليج وإسرائيل دون أن تحقق مكاسب فعلية لواشنطن، بل ربما تعرضها لخسائر كبيرة سواء في اهداف أمريكية مباشرة عبر القواعد العسكرية الأمريكية القريبة من مرمى النيران التقليدية الإيرانية( ولا يحتاج الأمر لاستخدام سلاح نووي) أو في ضرب الحلفاء والأصدقاء الإقليميين سواء تل أبيب أو الرياض أو أبوظبي وكلها في مرمى النيران، بل يكفي تحريك عناصر موالية لإيران داخل تلك البلدان، ولذا لم يكن غريبا أن يصرح وزير الخارجية الأمريكي بومبيو ( وهو أحد صقور الإدارة) بأنه لا يرى إمكانية للحرب مع إيران حسبما نقلت عنه قناة الحرة الأمريكية.

مشكلة إيران أنها خسرت خلال السنوات الماضية تعاطف غالبية شعوب العالم الإسلامي بسبب تدخلها لدعم نظام بشار الأسد بحيثيات طائفية في مواجهة الثورة الشعبية ضده، كما أنها دعمت الحوثيين للحيثيات ذاتها لضرب الثورة اليمينية، وتحتفظ بعلاقة طيبة مع نظام السيسي، وأصبحت بالتالي في حالة عداء مع الربيع العربي، ولكن ذلك لا يعني الاستمرار في قبول الفتنة المذهبية التي يشعلها النظام السعودي محاولا الادعاء بأنه يمثل العالم السني في مواجهة إيران الشيعية، فهذه الفرية السعودية لم تعد محل قبول بعد أن شاهد الجميع كيف يتخلى محمد بن سلمان ولي العهد السعودي عن الكثير من الثوابت الإسلامية ليحل محلها التغريب القسري للمملكة، وكيف يسجن الدعاة والعلماء الذين استخدم والده وأجداده بعضهم من قبل لنشر تلك الفتنة خدمة للمصالح الصهيونية والأمريكية، وكذا بعد المواجهة السعودية المفتوحة مع كل الجماعات والأحزاب السنية الكبرى في المنطقة.

الحرب ليست نزهة، وهي حين تندلع فلن تقتصر على إيران، فدول مثل روسيا والصين وتركيا ستجد نفسسها مضطرة للدفاع عن مصالحها التجارية والسياسية ونفوذها الإقليمي، ولن تسمح لترامب بفرض هيمنته على المنطقة من خلال ضرب إيران، لأنها تدرك أنها ستكون تباعا الأهداف التالية له، وإيران نفسها رغم كل المآخذ عليها ليست لقمة سائغة، فهي دولة عقدية حتى الآن ستواجه أي عدوان عليها بكل بسالة حتى لوسقط ملايين القتلى، كما أن أنصارها وأذرعها سيشعلون الحرائق في كل مكان يوجدون فيه، وهو ما يؤثر على الاستقرار الدولي عموما، ولن يسمح به العالم.

أقصى ما يمكن توقعه هو ضربات أمريكية محدودة ومنتقاة ضد أهداف إيرانية تسمح لترامب أن يصورها باعتبارها نصرا مؤزرا، حيث يجيد لعبة صناعة الأوهام لجمهوره، وتسمح له أيضا بالحصول على مئات المليارات الجديدة من السعودية والإمارات ثمنا لتلك الضربات.