رمضان فى الممارسات الاجتماعية:

بقلم د حسن حنفي

 

فى موسوعات الفقه القديم يظهر النقد الاجتماعى للعادات والممارسات الشعبية فى عصور تدوينها. فالفقه ليس فقط وضع الأحكام الفقهية الشرعية بل أيضاً وصف تطبيقاتها. وقد ظهر ذلك خاصة عند ابن تيمية وابن القيم والمدرسة السلفية بوجه عام. فالفقه وكافة العلوم النقلية مثل التفسير أصبح حاملا للنقد الاجتماعى بغية الإصلاح والتخلص من العادات المضادة للشرع.
ومن الطبيعى أن يكون الواقع الاجتماعى الواجهة الأخرى للفقه الشرعى نظرا لأن الشريعة الإسلامية أتت فى واقع معين, وفى بيئة معينة. قبلت ما يتفق منها مع الشرع للارتباط بالواقع والتاريخ مثل بعض مناسك الحج, وهو ما سمى بأسباب النزول. وتطورت بتطور الواقع, وتكيفت طبقا لقدراته, وهو ما يسمى بالناسخ والمنسوخ. وفى المغرب العربى سمى هذا الفقه فقه النوازل أى ما يحل بالمسلمين من واقع ممارسات وعادات اجتماعية.
ومن الواضح أن أول عادة اجتماعية فى ممارسات الصوم خاصة فى الوطن العربى بصرف النظر عن التمييز بين مواطن غناه وفقره هو ما يسود هذا الشهر من وفرة وزيادة فى الاستهلاك لدرجة الإسراف, وما يقع فيه من بذخ لدرجة التخمة. إنه عيد للغنى كى يظهر غناه, وعيد للفقير أن يُظهر أنه يساوى الغنى فى أكل اللحوم والتمتع بمأكولات رمضان, حلوياته ومكسراته.
وفى الأقطار العربية التى مازلت غير مكتفية بغذائها, ومازالت تعتمد فى أكثر من ثلاث أرباع ما تطعمه على الخارج, تزداد نسبة استيراد الدقيق والسكر والسمن والزيت والكماليات, وترهق الخزانة العامة. بل وتستدين من الأغنياء كما استدانت من شركات توظيف الأموال سابقا لمدها بالسيولة المالية لتوفير احتياجات رمضان.
وهنا يطغى الواقع الاجتماعى على الحكمة من الصوم, وهو الإمساك, والزهد, والشعور بجوع الفقير, وتقوية الإرادة. يصبح رمضان شهر الإشباع المطلق. يشعر فيه الفقير بمتعة الأغنياء أكثر مما يشعر فيه الغنى ببؤس الفقراء. فباسم رمضان تتم ممارسات مضادة لحكمة الصوم التى تهدف إلى الترفع على العالم وليس الانغماس فيه.
ومن أهم مظاهر الممارسات الاجتماعية للصوم والتى تناقض قيم الإسلام الأخرى هو ما يعترى الصائمين من كسل وإهمال فى العمل والإقلال من ساعاته بحجة الصيام. فأصبح شهر الصوم فى كثير من الأحيان شهر إقلال فى العمل وقلة فى الإنتاج.

يبدأ العمل فى المصالح الحكومية متأخرا ساعة أو ساعتين بحجة السهر والسحور والنوم المتأخر واستحالة الاستيقاظ المبكر. وينتهى العمل مبكرا ساعة أو ساعتين بحجة ضرورة العودة المبكرة إلى المنزل استعدادا للإفطار أو النوم بعد الظهر تعويضا عن سهر الليل فى العبادة والسحور والسمر والزيارات. وفى هذه السويعات القليلة فى العمل بعد خصم أولها وآخرها يكون الموظف أو العامل بين اليقظة والنوم, متراخيا, لا يسمع ولا يفكر, لا يعى ولا ينجز بدعوى صيام رمضان. ويحدث نفس الشىء فى المدارس والجامعات والمصانع والمحلات التجارية وكل مظاهر النشاط الاقتصادى. ويكثر التغيب بدعوى رمضان.
ونظرا لاعتبار البعض أن ضياع شهر من العمل الوطنى فى العام يعادل ضياع 8.3 % من الناتج القومى أى ما يقارب العشر أجاز الإفطار فى رمضان معتمدا على قول الرسول ليلة منازلة العدو “إنكم قد دنوتم من عدوكم فافطروا أقوى لكم” وكذلك قوله “إنكم مصبحوا عدوكم والفطر أقوى لكم فافطروا” كما يروى ابن القيم فى “زاد المعاد” (ص 161).
وفى نفس الوقت دارت غزوة بدر فى رمضان, ولم يتكاسل المسلمون فى الحرب, وانتصروا على العدو, وغفر الله لشهداء بدر.
وضعف البدن تعوضه قوة الروح. بل إن الطعام والشراب فى حالة الجهاد قد يضعف ولا يقوى. والمعدة الخاوية أقدر على النزال من المعدة الممتلئة. وفرق بين عطش الصحراء وماء المدن, بين الصيف القائظ فى شبه الجزيرة العربية وبين الجو المعتدل خارجها, بين مبارزة السيوف اعتمادا على القوة العضلية والحرب الإلكترونية التى تعتمد على العقل أكثر مما تعتمد على العضل. العزيمة فى رمضان من حيث القدرة على العمل وزيادة الإنتاج أفضل من الرخصة فيه.
ومن مظاهر الممارسات الاجتماعية فى رمضان ازدحام الطرقات, ومخالفة قواعد المرور, وأخذ الطريق من الآخرين بحجة ضرورة الوصول قبل موعد الإفطار. فالصائم دقيق فى موعد الإفطار, ومتراخ فى موعد الوصول إلى العمل ومغادرته, بعد الوقت وقبله.
وبدلا من الإحساس بالآخرين, والتعاطف معهم, وهى الحكمة من الصوم تظهر الأنانية, أنا وحدى ويذهب الآخرون إلى الجحيم, فالطريق له وحده, والعالم له وحده, والآخر عدو له يريد أن يسبقه ويصل إلى المنزل قبله. وتبلغ الذروة قبل الإفطار وليس ساعة الوصول إلى العمل. بل قد تؤدى السرعة الجنونية قبل مدفع الإفطار إلى أن يفقد الصائم حياته كلها فى حادثة الطريق أفضل من أن يصل بضعة دقائق متأخرة إلى منزله بعد موعد الإفطار.
بل قد يبلغ الأمر إلى سد الطريق على الآخرين وعلى نفسه بمنطق “علىّ وعلى أعدائى يارب” وكأن الانتقال من المنزل إلى العمل أو من العمل إلى المنزل حرب سجال بين أعداء. وينسى الجميع حكمة الصيام, حياة الجماعة مقدمة على حياة الأفراد.
وتتعطل مصالح الناس. ويصر السائقون على التوقف عن العمل قبيل الإفطار وبعده استعدادا للطعام, فهم بشر مثل الآخرين, تاركين الناس فى الطرقات, النساء والأطفال, كل يود الذهاب إلى منزله. ويضيع مفهوم العمل العام, والخدمة العامة, والسعى لقضاء الحاجات.
ويعم التساهل, ويشيع التسيّب, ويكثر خرق القوانين بدعوى الصيام. فأصبح الصوم ذريعة لمخالفة القانون وعدم الحساب. وهو ضد الحكمة من الصوم, السيطرة على الإرادة, والطاعة لله, ومحاسبة النفس, والتضامن مع الجماعة.

تكاد تتوقف الحياة وتتعطل المصالح فى رمضان. وفوضى الطريق ما هو إلا رمز ودلالة على ما يحدث فى كل القطاعات. ولا أحد يستطيع الاعتراض أو النصح أو الدفاع عن حق أو المطالبة بأداء واجب و إلا كان ضد الدين لا يؤمن بالصيام ويعيب على الصائمين صومهم!
وبالرغم من أن الصيام إمساك عن الطعام وإمساك عن الأهواء إلا أنه فى الممارسات الاجتماعية للصوم يحنق الصائم. ويغضب, ويصيح, ويعلى صوته, ولا يتحمل نقاشاً أو خلافاً فى الرأى, ولا يقبل نصيحة, ولا يرضى بمشورة. لا يسمع ولا يبصر ولكنه يتكلم طوال الوقت. يتجنبه الناس لأنه صائم, ويسترضونه, ويستعطفونه, ويتقون شره لأنه صائم.

أصبح الصوم فى الممارسات الاجتماعية يعادل سرعة الغضب. لا يتحمل الصائم أحدا, ولا يتحمله أحد. والحجة أنه صائم فهو معذور. تكفيه بلوى الصيام, ولا يتحمل أن تزداد عليه بلاوى الزمان. وأصبح حنقا مستمرا, وكأن الروح قد صعدت إلى الحلق. لا يتحمل الصائم قضاء طلب أو أداء مصلحة أو قبول توجيه أو الاستفسار عن شىء. وكيف يستطيع ذلك بمعدة خاوية, وحلق جاف, وأنف محرم عليها شم الدخان؟
ويصل الأمر ببعض الصائمين إلى حد السب والقذف والتراشق بأبشع الألفاظ فى شهر الصيام. وأصبح المسلم للمسلم عدوا لا أخا, غريما لا صديقا، أجنبيا لا مواطنا. وكثير ما تــُسمع أصوات المتشاجرين فى الطرقات وفى المركبات العامة وفى المصالح العامة وفى دور الحكومة.
بل قد يصل الأمر إلى حد التشابك بالأيدى, وإسالة الدماء, بل والقتل بحجة الإثارة وعدم القدرة على السيطرة على الانفعالات بين الصائمين. والهدف من الصوم هو السيطرة على الانفعالات, وتقوية الإرادة, والعلو بالنفس, والسمو بالروح, والتجاوز عن الصغائر, والترفع عن المهاترات. أصبح الصوم معادلا لقلة النوم, واضطراب أساليب الحياة, وعدم انتظام إيقاع النهار, والخروج على المألوف. وتحول الشهر الكريم إلى الشهر الأليم, وشهر التسامح إلى شهر الحنق والغضب. يمكن الصبر على الجوع والعطش حتى فى أشهر القيظ ولكن لا يمكن كظم الغيظ, والعفو عن الناس باسم الصيام, وضيق نفس الصائم كأن روحه تتصاعد إلى السماء وفى صدره حرج من هذا الفرض الذى عكر عليه المزاج, وسلب منه الطمأنينة!
وتكثر مظاهر الإسلام الشعائرى فى رمضان, ويتحول شهر التقوى الباطنية وسمو الروح إلى شهر مظاهر خارجية وطقوس باسم العبادة, وأن أفضل عبادة فى شهر رمضان.
تمتلئ المساجد بعد صلاة العشاء لصلاة التراويح وختم القرآن فى ثلاثين يوما بعد أن كانت تغلق فى المساء. وتزان بالضوء والمصابيح مثل المعالم السياحية. وتقام السنن مع الفروض. وتعطى الزكاة, زكاة الفطر دون غيرها من أنواع الزكاة مثل زكاة المال. وتكثر الدروس الدينية فى المساجد بعد العصر, ومن المغرب إلى العشاء وبعد الفجر, وتتعدد فى أجهزة الأعلام. وتكثر البرامج الدينية فى الصحف, وتـُلغى صفحات الثقافة لإفساح المجال لصفحات الفكر الدينى وكأن الدين بديلا عن الثقافة وليس مصدرها.
وتكثر المظاهر الخارجية مثل لبس الجلباب الأبيض والطاقية البيضاء. وقد تــُطال اللحى, ويُمسك بالسبح, وتكثر الابتهالات, ويُقرأ القرآن فى المركبات العامة وسط صراخ الأطفال والشيوخ وفى أماكن العمل وبدلا عنه.

وأكثر ما تكون الشحاذة فى رمضان, أكثر ربحا للشحاذ, وأعظم أجرا للكريم. وتزدهر تجارة المصاحف والكتب الدينية. ويطلق البخور فى كل الأوقات وليس فقط قبل صلاة الجمعة.
وتكثر التحيات الدينية فى لقاء الناس, وذكر الله على الألسنة. وتنتظر الناس فى الشرفات وعلى الأسطح ليلة القدر فى العشرة الأواخر منه, وتكثر الشائعات حول رؤية جبريل هابطا من السماء فى ليلة السابع والعشرين من رمضان كى يستجيب لدعاء الصائمين.

ويُحرص على الصلاة فى رمضان, والذهاب إلى المساجد كى تؤدى الصلوات جماعة وحاضرة. فمن لا صلاة له لا صيام له. فأصبحت الصلاة ملحقا للصيام وليست ركنا مستقلا قبل الصيام ومعه وبعده. ويصبح الإسلام دينا طقوسيا شعائريا أقرب إلى اليهودية والبوذية والديانات الشعبية, وتضيع التقوى الباطنية, ويعز القلب السليم.

وبالرغم من أن رمضان شهر الهدوء والتدبر والتأمل والاعتكاف إلا إنه فى الممارسات الشعبية والعادات الاجتماعية أصبح شهر الضجيج والأصوات العالية ومكبرات الصوت ليس فقط فى أوقات الأذان بل أيضاً قبلها لقراءة القرآن, وبعدها للوعظ والإرشاد, وقبل الفجر للمدائح النبوية والتراويح أيضا فى مكبرات الصوت, الصلاة فى الداخل وسماع القرآن فى الخارج.
وتتكاثر مكبرات الصوت وتتجاور. وكلها تعمل فى نفس الوقت بأعلى صوت للأذان وقراءة القرآن والتواشيح والمدائح, فلا يكاد يسمع أحد أيَّا منها. ولا يكاد أحد يتدبر معانى القرآن وهو الغاية من التلاوة والسماع, وكأن الأمر منافسة فى علو الصوت, وإظهار الإيمان, ودعاية للمساجد حتى يملؤها المصلون. وتضيع من الصوم حكمته ووقاره وتذهب طمأنينة الإيمان. زحام فى الطرقات, وزحام فى الأصوات.

وقد يوجد مريض يود النوم أو طالب يود الأستذكار أو شيخ عجوز مصاب بالأرق, أو مؤمن يعبد الله فى خشوع. ويا ليت الصوت يكون جميلا يطرب الآذان. هو مجرد صراخ لا يبعث على تقوى ولا يدعو إلى إيمان. ويحدث ذلك فى كل أوقات النهار, وفى منتصف الليل, فيضج الجميع, مسلمين وأهل كتاب.
ولا يستطيع أحد الاعتراض وإلا كان ضد الدين, لا يصوم رمضان, ولا يريد سماع الأذان أو القرآن, ويحقد على الإسلام والمسلمين, يضمر الكفر ويظهر الإيمان!

وإذا كان الغرض من الصيام هو الإحساس بالآخرين وآلام الجائعين فالأولى الإحساس بآلام المرضى والحرص على راحتهم. فالإيمان فى القلب وليس على اللسان, والتقوى فى أعمال القلوب وليس فى أعمال الجوارح. وقد حرص الصوفية على ذلك قائلين “من اعتنى بظاهره فإن باطنه خراب”.
إن العمل فى صمت خير من الصراخ فى الهواء, والسعى لقضاء حاجات الناس خير من الدعاية والإعلان.

(نقلا عن صفحته)