رمضان في العادات الشعبية:

بقلم د حسن حنفي

 

تزدهر فى رمضان الممارسات الإجتماعية لكثير من العادات الشعبية التى قد تختلف من بلد إسلامى إلى بلد آخر. ويخلط الناس بينها وبين متطلبات الصوم وشهر رمضان. البعض منها له أصل فى الدين ثم تحول إلى عادة شعبية. والبعض الآخر مجرد عادة شعبية سنــّها الحكام لأغراض سياسية أو نشأت كما تنشأ الخرافات والبدع فى المجتمع.
فإذا أخذنا بعض العادات الشعبية فى رمضان فى مصر مثلا فقد تحول الاعتكاف فى العشر الأواخر من رمضان فى المساجد إلى حياة دنيوية صرفة. يحضر المعتكفون القدور والأوانى والمراجل والمواقد والأغطية والأوسدة إلى المساجد والحجرات الملحقة بها. وتتحول المساجد إلى منازل للسكنى بها نفس الخدمات. ونظراً لأن النظافة والحرص عليها ليست عادة متبعة فتتحول المساجد إلى دور شعبية للسكنى وهى غير مؤهلة لذلك من حيث شروط الصحة العامة. ويكثر السمر والحديث بين الصلوات, وقبلها وبعدها. ويتحول الاعتكاف إلى حياة إجتماعية كاملة, ويتحول الهدوء إلى صخب, والصمت إلى ثرثرة, وبدلا من أن ينعزل المعتكف عن الدنيا فى المسجد يحضرها معه فيه.
وينتظر المعتكف ليلة القدر. وكيف يراها وهو مشغول بأمور الدنيا داخل المسجد؟ وهل يراها بالعين فى السماء, والمساجد بالدور الأرضى وليست فوق الأسطح؟ وهل يراها بالعين المجردة أم بنور القلب؟ ويتحدث البعض ليلة السابع والعشرين من رمضان عن طاقة النور التى انفتحت فى السماء, وعن جبريل هابطا منها ليحمل دعوات المؤمنين فى الشهر الكريم. والبعض يصف حجمه وطول أجنحته وريشها وألوانها والأصوات المصاحبة لقدومه إلى آخر ماهو معروف فى الخيال الشعبى وعند الرواة فى الأرياف, وعند المنشدين الشعبيين فى الأزقة والحارات.

وقد ارتبط رمضان فى ذهن العامة والتجار بالفوانيس الملونة التى يحملها الصغار ويضعها الكبار على أبواب المنازل, ويعلقها التجار فى الشوارع وعلى أبواب المحلات دعاية وإعلانا للدين والدنيا على حد سواء. ويتبارى التجار فى حجمها. فكلما زاد الحجم عم الخير, وزادت التقوى.
كمل ارتبط بأنواع خاصة من الحلوى “الكنافة” و “القطايف” والمشروبات مثل “قمر الدين”. وكلها عادات نشأت فى مصر الفاطمية التى تحول فيها الدين إلى ممارسات شعبية حتى يبتعد الناس عن السياسة ومواجهة الحكام الجدد القادمين من المغرب العربي, فيتحد الطقس الدينى بالطقس الشعبى ويصبح جزءا من الممارسات اليومية التى تحث على الطاعة والولاء.
وتزدهر الليالى فى رمضان, ويكثر السهر بعد التراويح وحتى صلاة الفجر. وتأخذ الأرض زخرفها وتتزين. نوم بالنهار فى العمل وفى المنزل, وسهر بالليل أمام أجهزة الإعلام وفى الطرقات.

أصبح رمضان شهر التسلية فى الممارسات الشعبية. فمنذ مدفع الإفطار وبعده تبدأ المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية, وأشهرها فوازير رمضان برقصاتها وأغنياتها ومقدماتها الموسيقية وتصميمها من أشهر النجوم الغنائية نساء ورجالا, وتصبح أحاديث العام من حيث حلاوتها عن العام الماضى زيادة أو أقل. بل ويحفظها الأطفال ويقلدون حركاتها. وتصبح تجارة من حيث تكاليفها وربحها بعد بيعها وشرائها. وبعدها وطوال الليل تتخلل الأغانى المسلسلات الدينية والتاريخية. فيجتمع الدين والدنيا ويرضى الناس, ساعة للقلب, وساعة للرب.
وتمتلئ المسارح بالمتفرجين, والسينما بالمشاهدين, والمقاهى بالرواد والشوارع بالمارة, ويشتد الزحام حتى تلتصق الأجساد بالأجساد, لا فرق بين المكسب فى شهر رمضان والربح فى شهور الصيف على الشواطىء, رزق عميم وربح وفير. وتقام الخيم فى الميادين والساحات الشعبية, وتــُهىء الزرابى والوسائد والجلسات العربية, والبخور والنارجيلة والأغانى القديمة ولا ضير من بعض الرقص الشعبى.

وفى الفنادق الكبرى يُعلن عن الإفطار والسحور على حمام السباحة وعلى نغمات الرقص الشرقى ومع عروض الفرق الأجنبية, الروسية خاصة بمئات الدراهم رسما للدخول, وبآلاف الدنانير ثمنا لأطباق الطعام. ويخرج الصائمون وقد امتلأت البطون وتمتعت العيون.
أصبح شهر رمضان فى الممارسات الشعبية شهر المتعة والفرح, ووقت البهجة والأنس, تفريجا للهم, ودفعا للأحزان, ونسيانا للهموم. ويتم تجنيد وزارات الإعلام والثقافة والتموين والداخلية استعدادا لشهر رمضان. هكذا كانت الأعياد الدينية فى الوثنية القديمة التى يختلط فيه الدين بالمجون, والرقص فى المعابد بالرقص فى الشوارع, جمعا بين الدين والدنيا.
وفى الممارسات الشعبية تزداد الشعائر الدينية كمّا. فالصلاة فى رمضان مكمّل للصوم. ومن لا صلاة له لا صوم له. ويُفضّل الصلاة فى المساجد جماعة لإكمال الإحساس بالجماعة جوعا وتضامنا. وتبلغ الذروة فى صلاة التراويح وختم القرآن على مدى ثلاثين يوما. ويتنافس المصلون فى الجلد والتحمل فى الصلاة وقوفا لا قعودا. وعند البعض يصبح ذلك كله مدعاة للتظاهر والتفاخر بين المؤمنين, أيهم زاد وأيهم نقص.
وتمتد موائد الرحمن طولا وعرضا أمام المحلات الكبرى, فى ظاهرها إطعام الفقراء وفى حقيقتها دعاية للمحل التجارى, فاسم المتجر يجاور اسم الرحمن. وتحسن السمعة, وتغيب الرقابة على الأسعار. ويعوّض صاحب المتجر ما ينفقة على موائد الرحمن فى زيادة مبيعاته بعد ذلك وزيادة ربحه. وزيادة التقوى طريق إلى زيادة الربح.

ويتزاحم المعتمرون لأداء العمرة فى شهر رمضان بالبواخر والطائرات. وينضم النشالون. فما أسهل النشل فى العمرة حيث تتجه القلوب إلى الله وتخف الرقابة على الجيوب والأمتعة. ويعوّض النشال مصاريف الرحلة ويعيش عدة أشهر بما اكتسب من جيوب الآخرين. ويذهب التجار للشراء من الأسواق, ما خف حمله وغلا ثمنه, بما فى ذلك الذهب الرخيص والملابس الخفيفة أو الساعات. ويعود لبيع تجارته بعد التهرب من الجمارك. ويعوّض تكاليف الرحلة ويزيد عليها مدخرات تكفيه حتى الحج فى عيد الأضحى المبارك.

وعلى هذا النحو يصبح الدين غطاء وتستر على مغانم الدنيا. فباسم الآخرة يتم التوجه إلى الدنيا, وبأسم رمضان وتحت عباءته تتم ممارسة أبشع أنواع الجشع مما يضاد حكمة الصوم, الزهد فى الدنيا وابتغاء الآخرة.
ويكثر النشالون والشحاذون فى رمضان. فالزكاة, زكاة الفطر, كرها أو طوعا. ويصبح رمضان شهر الرزق, حلال كان أو حراما. من يتصدق فى الدنيا لبناء مسجد يبنى له الله قصرا فى الجنة. ويكثر وقوف الشحاذين على أبواب المساجد وبعد صلاة العيد, والنساء يحملن أطفالهن. ومدخرات المتسولين تزداد يوما بعد يوم. ومن من الصائمين بعد انقضاء شهر الصوم وهو خارج بعد صلاة العيد, وفى عيد إفطاره لا يتصدق ولا يعطى زكاة الفطر؟
وبمجرد انقضاء رمضان, ينفّض المولد, وينتهى المهرجان وكأن الدين له موسم, والتقوى لها وقت, والعبادة فى شهر دون شهر. تقل البرامج الدينية فى أجهزة الأعلام, وتنتهى صفحات رمضان من الصحف, ويقل ارتياد المصلين للمساجد. فالصلاة فى المنازل مقبولة عند الله مثل الصلاة جماعة فى المساجد خاصة وأن المصلين قد أكثروا منها فى شهر الصيام, صلاة وإعتكافا. ويُرفع الحجاب الذى أسدل فى شهر رمضان وكأن الحجاب فريضة موقوتة بشهر الصيام. وتـُعاد العطور إلى الملابس, والزينات إلى الوجوه والرؤوس. فقد انتهى شهر الصيام, وتمت المغفرة. ويُعاد إلى الشراب بعد انقطاع شهر الصوم فى المحلات العامة وفى الفنادق وعلى متن الطائرات وفى جلسات الأصدقاء. وينتهى شهر الفوازير والابتهالات, والمسلسلات والتواشيح, والسحور فى الفنادق الكبرى وتعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل رمضان وبعد رمضان.
تعود الحياة إلى مجراها الطبيعى, فلا زحام فى الطرقات, ولا صياح فى المركبات العامة, ولا تكاسل عن أداء الأعمال, ولا اضطراب فى مواعيد العمل, ولا سهر الليل ونوم النهار. ويعود الاستهلاك إلى معدله الطبيعى فى السكر والدقيق والزيت واللحوم. وتختفى المكسرات وحلوى رمضان للعام القادم. ويأخذ الدين مجراه الطبيعى دون زيادة أو نقصان, ودون مغالاة أو تطرف.
يعود الفقير إلى فقره, والغنى إلى غناه بعد زكاة الفطر والصدقات. ويعود الجائع إلى جوعه, ويستمر الشبعان فى تخمته. وينسى الصائمون وكأن شيئا لم يكن بالأمس. فتيار الحياة الجارف قادر على طوى كل شىء. ويتلاشى رمضان من ذكريات الأمس القريب, وتعود الهموم, وتعاود الأزمات دون غطاء دينى أو أمل فى الخلاص القريب.
وينزوى الدين فى ركنه الحصين فى الشعائر والطقوس, ويئن الناس تحت وطأة الضنك دون أن يقبل التدين التحدى, ويواجه أزمات الحياة. فإذا ما ضاق الناس ذرعا, خاصة الشباب, بهذا التفاوت بين الدنيا والدين, انقلبوا إلى الدين كلية, وانضموا إلى الحركات الإسلامية السرية ينتظرون الإشارة للظهور فوق الأرض فتملأ الأرض عدلا كما مُلئت جورا. فى رمضان الزيادة فى المظاهر وبعد رمضان اللجوء إلى الباطن, ويغيب عن الأذهان إسلام التوسط والاعتدال, إسلام الدين والدنيا, الإسلام الطبيعى الفطرى دون زيادة أو نقصان.
بعد عرض رمضان فى الكتب أولا ثم فى السنة ثانيا, ثم فى الفقه ثالثا ثم فى الممارسات الإجتماعية رابعا والعادات الشعبية التى قد تبتعد أحيانا عن الأصول الأولى خامسا ينتهى رمضان بفرحه العيد. فللصائم فرحتان, كما هو معروف فى الحديث, فرحة بالإفطار وفرحة بلقاء الله. فقد حقق الصائم غايته, وانتهى إلى مراده, وفى تحقيق الغاية فرح بالاكتمال, وسعادة بالتحقق.
ويتم التزاور فى العيد, ويتم التصالح, ويهش الوجه إلى الوجه ويبش, وتعلو الابتسامة فى الوجوه, ويعم الخير فى النفوس. ويتبادل الناس الهدايا, وتتبارى النساء فى ذوق كعك بعضهن البعض, أيه ألذ وأطعم, وأزيد فى السمن والسكر, وأفخر فى الدقيق, وأغنى بالمكسرات. ويتزاور الأقرباء, وتوصل الأرحام. ففى خلال العام تكثر المشاغل, وتزدحم الأوقات.
ويتذكر الناس الأموات والأحياء فتزار المقابر, وتقرأ الفاتحة على الأموات والصدقة على أرواحهم, وقراءة القرآن على المقابر, فلا خير فى حى لا يتذكر الأموات, والموت مصير الأحياء. وقد يغالى البعض فيقدم ذكرى الأموات على التواصل مع الأحياء فى أول أيام العيد. ولا ينتظر الفرح أولا, ويسارع بالحزن. وزيارة القبور مكروهة فى هذا اليوم.
ويزدان الأطفال والصبية بجديد اللباس, وزاهى الألوان. يعبرون عن براءتهم الأصلية, يلهون ويلعبون, ويصيحون ويرقصون. أما الكبار فيتنزهون فى الحدائق ويفرحون بالطبيعة, ويسيرون فى المتنزهات العامة, ويركبون الماء, ويسافرون خارج المدن بعد التكبير فى العراء. ويغتسلون بالحياة, ويجددون أنفسهم بعد أن اغتسلوا بالصيام وطهروا النفوس.
العيد إعلان عن النهاية والبداية, نهاية شهر رمضان, وبداية الحياة بعد رمضان, وانتظارا له فى العام القادم. فالحياة دورات, تبدأ لتنتهى, وتنتهى لتبدأ من جديد. وبعد العيد يتحول رمضان إلى ذكرى طيبة تختزن مع باقى الذكريات حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
يقل الزواج فى رمضان ويكثر ابتداء من أول أيام العيد, وتتوالى الأعراس تباعا بعد رمضان. وتعود الحياة إلى ما كانت عليه. وكل عام وأنتم بخير.

(نقلا عن صفحته)