رمضان من غيرها

بقلم ياسر عبد العزيز

 

على الرغم من أن الأسرة المصرية مازالت أكثر الأسر ترابطا وتماسكا في العالم، ولا تزال حالة الترابط والتراحم تفتل نسيج الأسرة المصرية، إلا أن الظروف المادية والضغوط الاقتصادية تحول في كثير من الأحيان من أن تتجمع الأسرة على مائدة الطعام، وفي رمضان الفرصة متاحة لأن تحقق الأسرة ما يصعب عليها في أغلب أيام السنة، وفي رمضان تسمو الروح وتتأجج المشاعر ويفض البر والتراحم بين أفراد العائلة وذروة سنام تلك المشاعر محلها حضن أم الأسرة ونبع حنانها وراعية صغير شئون الأسرة قبل عظيمها.

في غروب كل يوم تتجمع الأسرة على المائدة في وقت تنشغل الأم في إعداد السعادة قبل الطعام وتتفنن في تقديم ما يحب هذا وما يرغب ذاك، والهدف هو إرضاء الجميع وإدخال السرور على قلب الجميع، لكن ثلاثا وثمانون أسرة حرموا من هذه الميزة في هذا الشهر الفضيل، حرموا من الأم أو الأخت وحرم أزواج من زوجاتهم وآباء وأمهات من بناتهم، حرمهم النظام الانقلابي من أن يشبعن في شهر الصوم من هذا التجمع الذي تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة، بتغييب نساء خرجن بكل سلمية يرفضن الظلم، ويرفضن أن تسرق  إرادتهن وتسرق معه مستقبل أولادهن.

لم يكتف النظام بحرمان الأسر من أبنائها بعد أن تم اعتقال ما يزيد عن 60 ألف مصري قالوا لا للنظام الانقلابي الدموي، اعتقالات تعسفية اغلبها بدون محاكمات، أو أحكام تفتقد لأقل مقومات أو معايير العدالة التي ارتضاها البشر ونصّت عليها المواثيق الدولية، ليقطعوا، بتغييب هذا العدد المهول، قلوب أمهات أخريات، يضفن إلى 83 امرأة تم تغييبهن عن أسرهم باعتقالات جائرة ــ والفرق بين من اعتقل ابنها وبين من غيبت أن الأولى تعذب كل لحظة نفسيا بينما تعذب الثانية نفسيا وجسديا بانتهاكات وصلت إلى حد الاغتصاب والحمل سفاحا من وحوش بشرية، سكت العالم عنهم فظنوا أنهم بمأمن عن العقاب.

وصفت منظمات حقوق الإنسان السجون المصرية بأنها مكتظة بشدة وتفتقر إلى الرعاية الطبية الكافية. تقول هيومن رايتس ووتش إن “العشرات من المصريين ماتوا في حجز الحكومة” في عام 2014 وحده. وأضافت في تقرير عام 2017 أن الضباط والعاملين في الشرطة ومراكز الأمن القومي يعذبون المعتقلين السياسيين بشكل روتيني بتقنيات تشمل الضرب والصدمات الكهربائية ومواقف الإجهاد والاغتصاب في بعض الأحيان، ولا تستثنى المعتقلات من هذا الروتين.

جوليا كارليني الباحثة في مجموعة مينا لحقوق الإنسان أكدت أن انتهاكات عديدة ارتكبت ضد المعتقلات في مصر، وتؤكد شهادات المعتقلات السابقات أن الانتهاكات متدرجة تبدأ من الإهانة والضرب والتعذيب بالكهرباء انتهاء بالاغتصاب مرورا بالإهمال الطبي المفضي إلى الموت. وبحسب قانونيين تعتبر هذه الانتهاكات خرقًا خطيرًا لجميع التزامات مصر الدولية كواحدة من الدول التي صدقت على الصكوك الدولية لحقوق الإنسان التي تحمي البشر بغض النظر عن الجنس أو الثقافة.

وبعيدا عن المواثيق التي تجرم كل أفعال النظام من اعتقالات عشوائية أو محاكمات هزلية، وانتهاكات داخل المعتقلات والسجون، تلك المواثيق التي تفتقر إلى آلية لتنفيذها على الجاني، فإن الألم الحقيقي الذي تعيشه النساء المعتقلات أو الأمهات اللائي غيبن أبنائهن، فإن تلك المواثيق لا يمكن أن تصل بفلسفة الجريمة والعقوبة فيها إلى تلك المشاعر التي يمكن أن يشعر بها أبن غيبت أمه في سجون النظام وحرم أن يفطر معها في أول يوم من شهر رمضان.