رمضان فى الكتاب والسنة (2):

بقلم د حسن حنفي

 

ومن مظاهر العبادة فى رمضان الاعتكاف فى العشر الأواخر منه. فرمضان شهر فى العام. تركيزا للوقت، وإذكاء لعلاقة الإنسان بالله من أجل تقوية علاقة الإنسان بالعالم وبالناس. والعشر الأواخر منه قمة الزمن فى رمضان، نوع من العزلة الروحية مرة فى العام بعيدا عن هموم الدنيا بما فى ذلك النساء وآل البيت.

وقد كان الاعتكاف سنة جاهلية قبل الإسلام استمرت بعده وأقرها الرسول تواصلا مع الماضى. فقد سأل عمر النبى أنه كان قد نذر فى الجاهلية أن يعتكف ليلة فى المسجد الحرام فأجابه الرسول “أوف بنذرك”. فالوفاء بالنذر عبادة وقيمة إسلامية.
وقته العشر الأواخر من رمضان فى الثلث الأخير من شهر الصوم حين يبلغ الصوم الذروة وقبل وداع الشهر الكريم. الاعتكاف راحة من مجموع العلاقات الاجتماعية، الأهل والأقارب والأصدقاء، رجالا ونساء، من أجل تقوية الذات وحتى لا تضيع فى تشابك العلاقات الشخصية والاجتماعية وتضعف أمام الآخرين “من اعتكف معى فليعتكف العشر الأواخر”.

وفيه تتجلى الروح، وتكون أقدر على الرؤية الصادقة نظرا لشفافية النفس وقدرتها على قراءة المستقبل وارتياد المجهول “من كان اعتكف فليرجع إلى معتكفه فإنى رأيت هذه الليلة ورأيتنى أسجد فى ماء وطين”. فالبدن لا يستطيع إدراك إلا الحاضر من خلال الحواس فى حين أن الروح تستطيع استدعاء الذكريات واستشراف المستقبل طالما كانت قادرة على العمق الداخلى، والتحول من الخارج إلى الداخل حتى يتم التحول من الداخل إلى أعلى. تنعكف على الذات فتسمو إلى الآفاق.

ولما اعتكف الرسول وأذن لعائشة بالاعتكاف بعد طلبها وأقامت خباء تعتكف فيه ثم قلدتها باقى زوجات الرسول، حفصة وزينب تساءل عن الدافع لذلك “ما حملهن على هذا البر، أنزعوها فلا أراها”. واعتكف فى العشر الأواخر من شوال حتى تكون العزلة كاملة ويكون الاعتكاف تاما. وعندما زارته زوجه صفية فى اعتكافه خشى الرسول مما قد يدور فى قلوب الناس “إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم وإنى خشيت أن يقذف فى قلوبكما شيئا” متوجها إلى رجلين من الأنصار مرا على باب المسجد. فالاعتكاف اكتشاف مطلق لعالم الذات وغوص فيها دون شبهة أو إغراء.

إذا كان شهر رمضان هو قمة زمان السنة، شهرا من اثنى عشر شهرا، وكان الاعتكاف فى العشر الأواخر منه قمة زمان هذا الشهر فإن ليلة القدر هى قمة قمتى الزمان، وقت مركز للغاية، ليلة واحدة فى العام يقوى فيها الاتصال بين العبد والرب، الاتصال الفكرى والروحى. انزل فيها القرآن، بداية الاتصال بين السماء والأرض، فى وعى الرسول وإبلاغه للناس.
وهى ليلة المغفرة إذا ما كان قيامها احتسابا لوجه الله وليس طلبا لغنم أو سؤالا لرزق أو استجداء لإحدى مطالب الدنيا. “ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدم من ذنبه”. هى ليلة الصفاء وعودة النفس إلى براءتها الأولى بعيدا عن هموم الدنيا وأهواء البشر، والمساومات على الحق وحب المغانم وزيادة الأرزاق.

ووقتها محدد وغير محدد، محدد بالعشر الأواخر من رمضان، وغير محدد لأنها غير معينة اليوم حتى يظل جهد الإنسان قائما فى بحبوحة من الزمان، وحرية من الفعل ودون ارتباط ضرورى بين المنتظِر والمنتظَر، بين السؤال والجواب، أشبه بالتراخى فى الوقت فى الصلاة، لا هو على الفور ولا هو قضاء. “تحرروا ليلة القدر فى العشر الأواخر من رمضان”. ومع ذلك فإنه يمكن تحديد وقت أيضا غير محدود. فهى ليلة وتر، فى التاسعة أو السابعة أو الخامسة فى العشر الأواخر “التمسوها فى العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر فى تاسعة تبقى فى سابعة تبقى فى خامسة”. والوتر إشارة إلى التوحيد، وحدانية الله. وبالوتر كان القسم (والشفع والوتر( (3:89). وهو عدد غير قابل للقسمة مثل صفة الواحد. “فالتمسوها فى العشر الأواخر، والتمسوها فى كل وتر”.

ولا يكون الانتظار بالساعة واليوم المحددين فذلك انشغال للقلب، وخروج على الاعتكاف. وليس انتظارا لشىء هابط من السماء يحمل الذهب والفضة والأرزاق. فتلك هموم الدنيا التى أبعدها الاعتكاف. ولا يكون الانتظار على الأسطح أو من الشرفات والنوافذ بالنظر خلف كل كوكب وحول كل نجم. إذا لمع شاهد الناس جبريل. وإذا برق رأى الناس ملائكة السماء. إنما الانتظار داخلى، مع التركيز على النفس ومزيد من الإخلاص والتجرد حتى تنفتح طاقة السماء فى القلب.

إذا كانت الغاية من الصوم تطهير النفس وتخليصها من الذنوب يكون الصوم صدقة عليها وتكفيرا من الذنوب “فتنة الرجل فى أهله وماله وجاره، تكفرها الصلاة، والصيام صدقة”. الصيام إذن إصلاح للنفس واتقاء من الفتنة، فتنة الأهل، وحب النساء والأولاد أكثر من حب الحق، والسعى وراء المال غاية فى ذاته من أجل جمعه طلبا للثراء وليس للإنفاق على النفس والسعى فى مصالح الناس، وفتنة الجار والصديق وجماعات الهوى التى تجعل الإنسان يؤثر تقليد الآخرين والتنازل لهم عن متطلبات الوعى الفردى.

وإذا ما خرق الصائم صومه نظرا للضعف البشرى، وواقع امرأته أثناء النهار فعليه عتق رقبة. فإن لم يستطع أن يخلص نفسه من إسار البدن وأسر الروح فعليه أن يخلص عبدا من إسار الرق. فخلاص الآخر يأتى تعويضا عن الضعف فى خلاص الأنا. فإن لم يستطع تحرير العبيد مباشرة فإنه يصوم شهرين متتابعين تقوية لإرادته بعد أن ضعفت، ومرانا لنفسه على السيطرة على أهواء البشر وانفعالات النهار. ومن لم يستطع الصبر على صوم نهار فإنه يكون فى حاجة إلى مزيد من التدريب على السيطرة على النفس. فإن لم يستطع وكان فقيرا لا يملك تحرير رقبة أو ضعيفا لا يقوى على صوم شهرين متتابعين فعليه إطعام الفقراء. وإذا لم يشعر بأن إحدى غايات الصوم هو الإحساس بالجوع فعليه أن ينمى هذا الإحساس بإطعام المساكين، ستين مسكينا فى يوم واحد أو مسكينا كل يوم على مدى ستين يوما. فإن لم يستطع وكان فقيرا مسكينا يستحق أن يُطعم وأن يتصدق عليه فإنه يعطى صدقة للتصدق بها على الفقراء والمساكين مساعدة من الآخرين له، ومساعدة منه للآخرين. فإن تصدق بها على نفسه فلا يوجد من هو أفقر منه عرف أن الإسلام به رحيم، وأنه كان به كريم مما قد يولد فى نفسه الإحساس بالذنب ومقابلة السماحة بالسماحة، ومكافأة الكرم بالكرم، فتطهر النفس، وتقوى الإرادة، وتعظم المقاومة.

ليس الصوم جوعا أو عطشا بل هو إمساك عن الأهواء، وسيطرة على الانفعالات، وتوجيه للحاجات. الصيام مسرة وفرح وابتهاج. فلا فحش فى القول، ولا غضب على أحد. فالسيطرة على النفس علم، والتصدى على الآخرين جهل. والصيام مبادلة الإساءة بالحسنة، والعدوان بالعفو. وأن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك لأنه يترك طعامه وشرابه من أجل طاعة الله. والله يجزى الحسنة بعشر أمثالها. هذه المعانى كلها هى التى حواها حديث الرسول “الصيام جُنــّة فلا يرفُث ولا يجهل. وإن امرئ قاتله أو شاتمه فليقل إنى صائم مرتين. والذى نفسى بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشاربه وشهوته من أجلى. الصيام لى وأنا أجزى به. والحسنة بعشر أمثالها”.

وتزيد رواية أخرى “للصائم فرحتان يفرحهما. إذا أفطر فرح، وإذا لقى ربه فرح بصومه”. فالصيام فرح وبهجة وسرور وليس غما وكربا وهما. يفرح الصائم بعدها بالإفطار أى بالحصول على نتيجة السيطرة على الأهواء والانفعالات والمرور فى الامتحان بعد الاجتهاد والمثابرة. كما يفرح فى الامتحان النهائى بعد لقاء الله وأداء الواجب وحسن التكليف.

الصيام وسيلة للسيطرة على حاجات البدن، الطعام والشراب والنكاح. الصوم بديل عن الزواج للذين لا يجدون نكاحا وكإشباع بديل للروح. “من استطاع الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء”. الوضع الأمثل هو الزواج، وهو الإشباع الطبيعى. فإن صعب ذلك نظرا لما يقتضيه من مصاريف تأسيس المنزل وإعداد البيت يكون الصيام بديلا مؤقتا عنه، تهذيبا للنفس وتشذيبا للبدن. الطبيعة قبل الصنعة، والإشباع قبل السمو.

والصيام أيضا هو صيام عن الرذائل، عن قول الزور والعمل به “من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه”. الصوم صدق مع النفس عن طريق التحكم فى حاجات البدن وفى نفس الوقت صيام عن الرذائل عن طريق التحكم فى أهواء النفس والكذب على الحق وشهادة الزور. الصوم إذن مدرسة فى الصدق، الصدق مع النفس، والصدق مع الآخرين بعد الصدق مع الله. النفس تعود إلى نفسها، وتنظر فى داخلها، وتقوى عالمها، وتعكف على ذاتها فتكتشف التعالى فيها والمفارقة داخلها، التعالى نحو الله، والمفارقة فى العالم نحو الآخرين.

ويظهر فى السنة النبوية بوضوح موضوع التوقيت، معرفة بداية شهر رمضان وآخره، اتصالا مباشرا بالطبيعة، ورؤية مباشرة للهلال. “إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له”. ليس الأمر إذن مجرد حساب فلكى يتم قبل الشهر أو بعده بعام أو بعامين أو بعشرات السنين. إنما يتعلق الأمر بالفرح بمظاهر الطبيعة وبدوراتها نظرا لما فى القرآن من توجه للتأمل فى الكون والاعتبار بالشمس والقمر والكواكب والنجوم. فإن لم تتم رؤية الهلال هنا يأتى التقدير ولكن بعد الاتصال الحى المباشر بالطبيعة.

ثم يأتى بعد ذلك تحديد الشهر وعدد أيامه. وتعد السنــّة بالليالى وليس بالأيام، تسعا وعشرين ليلة. فإن غم القمر ولم يتضح الهلال فإكمال العدة إلى ثلاثين يوما “الشهر تسع وعشرون ليلة. فلا تصوموا حتى تروه فإن غُم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين”. فإذا كان الشهر العربى تسعا وعشرين يوما فإن شهرين لا ينقصان ويكملان ثلاثين يوما شهر رمضان وشهر ذى الحجة “شهران لا ينقصان، شهرا عيد رمضان وذو الحجة”. فمن صام قبل ذلك وكان ينوى الصيام يوما أو يومين قبل رمضان فله ما أراد. “لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم”. فالبداية بشهر الصوم فى أول يوم فيه فرح، فرح البداية والجدة والانتقال من حال إلى حال. والفرح بالنهاية فى خاتمة الثلاثين، فرح النهاية والانتقال أيضا من حال الصيام إلى حال الفطر. ومن هنا أتت أهمية التركيز على البداية والنهاية، أول يوم وآخر يوم، يوم الغرس ويوم الحصاد.

(نقلا عن صفحته)