شتاء2016 و2011..الهروب بالحرية وإليها

بقلم قطب العربي

 

لعلها المصادفة فقط تلك التي تربط بين عملين فنيين جسدا حلم ثورة يناير، وكابوس الإنقلاب عليها، حمل العملان إسم “الشتاء” وهو الفصل الذي وقعت فيه الثورة(25 يناير 2011)، كان العمل الأول هو فيلم “الشتا اللي فات” والذي بدأ عرضه في مارس 2013، ومسلسل “شتاء 2016” الذي بدأ عرضه خلال رمضان الجاري على قناة مكملين الفضائية.

ولعلها المصادفة أيضا أن تتشابه المعالجة الفنية عبر قصص إنسانية لحالات واقعية في العملين الفنيين، فأحداث فيلم “الشتا اللي فات” تجسد 3 قصص إنسانية أثناء ثورة 25 يناير لضابط بمباحث أمن الدولة، ولمذيعة تليفزيونية (فرح يوسف)، ولمهندس كمبيوتر (عمرو واكد) وعلاقتهم بالثورة المصرية، حيث يقوم عمرو واكد بدور مهندس برمجة على علاقة بفئات شبابية كان لها دور كبير في الثورة موضحا الأسباب التي أدت إلى تفشي الفساد طوال 30 سنة المنصرمة، وفي شتاء2016 هناك أكثر من قصة إنسانية اضطرت جميعها للهرب من مصر بعد الانقلاب على الثورة أغلبها لأسباب سياسية.

حظيت ثورة يناير باهتمام فني كبير، بينما لم يحظ الإنقلاب عليها بقدر مماثل من الاهتمام، ببساطة لأن الثورة فتحت أبواب الحرية للتعبير والإبداع بلا قيود، ولأن عددا كبيرا من الفنانين والكتاب شاركوا بحماس في الثورة ولذا ساهموا في تمجيدها بأعمالهم الفنية التي تجازت 27 فيلما ومسلسلا( أبرزها بعد الموقعة الذي دارت أحداثه حول موقعة الجمل، وصرخة نملة الذي جسد حالة الغضب الشعبي قبيل الثورة وأدى لاندلاعها، وفيلم 18 يوم الذي جسد أيام الثورة، ومن الأفلام التي تناولت الثورة أيضا “بعد الطوفان”، وفبرير الأسود، وحظ سعيد، والتقرير، وفرش وغطاء، وتك تك بوم ( الذي جسد اللجان الشعبية خلال أيام الثورة)، والمواطن إكس، ومن المسلسلات “موجة حارة”، و”باب الخلق”،و”ابن النظام”، و”على كف عفريت”، و”تحت الأرض”، ومسلسل ذات ومسلسل زي الورد ومسلسل آدم، و”أستاذ ورئيس قسم” و”خاتم سليمان”، و”طرف ثالت” و”العراف”، و”اسم مؤقت”، و”الهروب” وكلها مسلسلات تناولت الأسباب التي فجرت الثورة، أو جسدت تطوراتها، ومكتسباتها، بالإضافة إلى العديد من الأعمال المسرحية.

كان الوضع مختلفا بعد الإنقلاب، إذ أغلقت فورا أبواب الحرية والإبداع داخل مصر (إلا بما يتماشى مع الرواية الرسمية)وجرى مطاردتها خارج مصر، كما أن غالبية العاملين في الوسط الفني كانوا داعمين للإنقلاب (بحسن نية أو بسوء طوية) وبالتالي لم يكن متوقعا منهم أن ينتجوا أو يشاركوا في أعمال فنية فاضحة للإنقلاب، ولكن وجود عدد قليل من الفنانين المحترمين ضمن آلالف المصريين الفارين من نار الاستبداد ساهم في ظهور هذه القوة الناعمة تدريجيا، ولكن المشكلة المالية ظلت هي حجر العثرة أمام إنتاج أعمال درامية كبيرة، فاقتصرت المحاولات الأولى على بعض الأعمال البسيطة والتي بدأها الإعلامي و(الفنان) محمد ناصر (سمير بنديرة) الذي بثته قناة مصر الآن خلال شهر رمضان قبل 4 أعوا تقريبا ، ويعيد تليفزيون وطن بثه حاليا، ثم تطور الأمر إلى إنتاج مسلسل (ست كوم) نقرة ودحديرة، والذي ظهرت منه 3 أجزاء، وصولا إلى شتاء 2016 الذي أنتجته شركة (A-Z)، وتبثه حاليا قناة مكملين الفضائية.

مثلت الأعمال الدرامية -على ندرتها- نقلة نوعية للإعلام المناهض للإنقلاب العسكري والذي ظل مقتصرا على برامج سياسية وتوعوية، ونقل الحراك الميداني قبل أن يخفت أو يتلاشى، ولكن المشكلة التي واجهته ولا تزال هي افتقاد القدرات التمويلية اللازمة لإنتاج أعمال درامية يعرف الجميع تكاليفها الباهظة، ورغم أن عددا لا بأس به من رجال الأعمال كانوا من ضحايا الإنقلاب،واضطروا كغيرهم للفرار خارج مصر، إلا أن غالبيتهم  خسروا مشاريعهم وأموالهم فلم يعد لديهم القدرة على تمويل أعمال فنية، ناهيك عن أن بعضهم لم يكن يضع اعتبارا كبيرا لهذه الأعمال، ولكن مع الوقت أدرك الكثيرون أهميتها البالغة باعتبارها أحد أسلحة القوى الناعمة القادرة على التاثير بصورة أكبر من الخطاب الإعلامي المباشر.

جاء مسلسل شتاء 2016 بكوكبة نجومه (هشام عبد الحميد وهشام عبد الله وسيد بدرية ومحمد شومان، وهمام الحوت، وريم جبنون وتامر عبد الشافي والمخرج أحمد أبو الفتوح) ليمثل نقلة كبرى في مجال الدراما المقاومة للاستبداد، والقادرة على الجمع بين الدراما والواقع، وبين التشويق الفني وتوثيق جانب مهم لمقاومة الاستبداد وهو الهروب من القمع إلى أماكن أكثر أمنا تحفظ للفارين حياتهم وتمكنهم من مواصلة رسالتهم، صحيح أن المسلسل جمع خليطا غريبا في رحلة الهروب إلى السودان عبر الطريق البري (منهم النشطاء السياسيين الإسلاميين او الليبراليين الملاحقين أمنيا وقضائيا) أو الصحفية التي طلقت من زوجها بسبب موقفها السياسي أو الضابط الذي لم يتحمل المشهد، أو حتى المهرب الذي يريد إنجاز المهمة ليتوب بعدها، أو الشاب الفقير الذي يحلم بفرصة عمل، أوالفلسطيني الذي ما عادت بلاد العرب تسعه، أو الأسرة السورية التي تعيش بلا إقامة شرعية في وطننا العربي الخ، لا يجمعهم فكر أو قضية، ولكن يجمعهم فقط الرغبة في النجاة، كما توحدهم مخاوف الطريق وتحدياته حيث الصحراء الموحشة، وخيانات المهربين، ومعاركهم البينية ومطاردة قوات الشرطة وحرس الحدود إلخ.

القصة الرئيسية للمسلسل عاشها الكثيرون ممن اضطروا للفرار من قبضة الحكم العسكري، ومروا بطريق الموت باتجاه السودان كمحطة استقرار أو محطة عبور إلى دولة أخرى، وهناك عشرات بل مئات القصص التي يمكن أن تروى في هذا المجال كان أصحابها وزراء ومحافظين ونواب وأساتذة جامعات وإعلاميين ونشطاء سياسيين رجالا ونساء، لكل منهم قصة يشيب لها الولدان، وتصلح مادة فيلم بذاتها، وقد أورد المسلسل نماذج محدودة لاعتبارات فنية ودرامية، فهو ليس فيلم وثائقي، أو أرشيف تاريخي، لكن النقطة المهمة التي نجح المسلسل في إبرازها أن هؤلاء الفارين من قبضة الظلم رغم اختلافهم السياسي وتراشقهم على الفضائيات أو عبر المنصات الأخرى من قبل، إلا أنهم تعايشوا معا في ظل الخطر الذي كان يتهددهم جميعا، وتعاونوا معا حتى يعبروا لحظات الخطر تلك، وهي دلالة رمزية قوية على إمكانية تعاون القوى السياسية بشكل عام لمواجهة الخطر الذي يهددها جميعا بل يهدد الوطن كله.

أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا، فهذه الجرعة الدرامية المقاومة التي تطورت على مدى السنوات الخمس الماضية هي مجرد خطوات بسيطة على طريق طويل ومكلف، ولاتزال هناك الكثير من قصص المقاومة والصمود ضد الاستبداد تحتاج لتجسيدها عبر أعمال درامية أو وثائقية تنتظر من يمولها وينتجها، والأمل معقود على كل المؤمنين بقضايا الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وإنقاذ البلاد والعباد عموما ..فهل من مشمر؟!.