عمالنا وعمال النظام

بقلم ياسر عبد العزيز

جمع قائد الانقلاب ورأس النظام عبد الفتاح مجموعة مما ادعى أنهم عمال في قصر رأس التين بالإسكندرية في قاعة تليق بالسجادة الحمراء الممتدة على مسافة 2 كيلو متر، والتي سارت عليه سيارته من قبل، ليحتفل بعيد العمل  مع مجموعة منتقاة ممن يخيل إليك من سحرهم أنهم عمال، تلك الشريحة المهمة في العمود الفقري الاجتماعي والاقتصادي في مصر، والتي يبلغ إجمالي عدد المشتغلين منهم فعليا 26.161 مليون، بحسب إحصائية الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن الربع الأخير من عام 2018،  لكن هذا الرقم يضاف إليه2.875  مليون متعطل، بنسبة 9.9% وهي نسبة كبيرة مقارنة بدول الجوار المستقرة.

في كلمته بهذه المناسبة حاول السيسي سحب المشهد إلى الحالة الإقليمية التي تعيش ثورات وحراك شعبي مطالب بالحرية والكرامة، أراد السيسي في كلمته تحصين نفسه وتخدير الشعب بالحديث عن الاستقرار ونبذ التظاهر والاعتصامات والإضرابات، تلك الأدوات التي يمتلكها العامل في مقابل جشع رأس المال أو تغول السلطان على حقوقه، وكأن السيسي يريد أن ينسف التاريخ ويمحو الحقائق ويزيف أسباب الاحتفال باليوم الذي يخطب فيه في العمال.

ذلك اليوم الذي ناضل فيه العمال في أمريكا ضد رباب العمل لانتزاع حقوقهم المالية والصحية والاجتماعية المشروعة وتخفيض ساعات العمل إلى ثمان ساعات، فالذكرى نفسها عكس ما أراد السيسي أن يوحي للشعب، مشيا على أسلوبه المتبع في  قلب الحقائق.

لكن اللافت في كلمة الرجل اعترافه بأنه لم يحقق انجازات، صدقَ وهو كذوب، فالانجازات التي حققها تتمثل في مزيد من إفقار هذه الشريحة المهمة من الشعب، ولم تكن الزيادة المعلنة، منذ أيام، للحد الأدنى للأجور إنجازا كما قال هو نفسه، فبحساب الأرباح والخسائر فإن العامل خسر في ظل الزيادة المجنونة في أسعار السلع الأساسية ورفع الدعم عن المحروقات، وهو ما سينتج عنه زيادة أخرى في الأسعار في ظل عدم وجود آليات لضبط السوق، وعدم وجود خطة حقيقية للاستثمار تقدم فرص عمل حقيقية تستفيد من القوة العاملة الفعلية، وتخلق فرص عمل للمتعطلين منها.

بحسب مؤشر الحرية الاقتصادية، وهو مؤشر مهم في قياس وضع السياسات الاقتصادية في البلدان، تبلغ درجة الحرية الاقتصادية في مصر 52.5 ، مما يجعل اقتصادها هو المرتبة الرابعة والأربعين هذا العام بانخفاض في النتيجة الإجمالية بنسبة 0.9 نقطة ، وذلك مع انخفاض في الدرجات المتعلقة بالحرية النقدية وحرية الأعمال والفعالية القضائية، لتحتل مصر المرتبة 11 من بين 14 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، ودرجتها الإجمالية أقل من المتوسطات الإقليمية والعالمية.

مع ذلك فإن معدلات الضرائب تحمل أكثر على الأفراد (العمال) بنسبة 25% في حين تفرض على الشركات 23% ! إلا أن الفرد يتحمل بالإضافة إلى تلك النسبة ضرائب أخرى تشمل ضرائب على الممتلكات وضرائب على المبيعات، وهو ما  يساوي  18% من إجمالي الدخل المحلي، إلا أن الإنفاق الحكومي بلغ في المقابل 32.6 % وهو ما يعني أن الحكومة تهدر أموال الجباية على مستلزماتها من سيارات وحراسات ومباني فخمة للوزارات وغيرها، وهو ما أوصل ​​العجز في الميزانية 11% من الناتج المحلي الإجمالي، ليصل الدين العام بالنتيجة إلى 103.3%.

هذه الحقائق المرعبة، والتي لم ياتِ على ذكرها السيسي، تظل شبحا يطارد العمال في أرزاقهم، مع ذلك وفي مشهد اختلط به الجد بالهزل باللا معقول سأل السيسي الحضور (هو إحنا عملنا انجازات؟) فصفق عماله! فقطع الرجل الحديث ليؤكد (لا والله ما عملنا إنجازات) فيصفق ذكور عماله أكثر وتزغرد أنثاهم.

هذا المشهد العجيب يؤكد ان من جُمعوا لقائد الانقلاب ليسوا عمالا ولا عاملين، إلا على تغييب وعي الشارع وتجميل وجه ذلك النظام القبيح، ولن نؤمن يوما أن عمال المحلة أو الكوك أو الحديد والصلب أو المراجل أو الألمنيوم، كانوا حاضرين في تلك المهزلة، ولو حضروا ما سكتوا على الترهات التي ساقها السيسي في كلمته والتي انتهك فيها حقوق العمال وضلل فيها المجتمع وثبت دعائم دولة الكذب.

لكن الحقيقة الراسخة تقول إن أهون البيوت بيت العنكبوت وكما اعتاد العمال أن يكونوا طليعة هذا الشعب الحريص على تنظيف وطنه من كل درن، فإننا لازلنا نثق في عمال مصر مهما حاول النظام من حشر المزيفين للتهليل، وإن غدا لناظره قريب.