عن المعارضة المصرية في المرحلة الراهنة

بقلم/ د.حسن نافعة

دخل النظام السياسي المصري مرحلة جديدة ومختلفة تماما بعد دخول التعديلات الدستورية الأخيرة حيز التنفيذ. ولأن هذه التعديلات استهدفت في المقام الأول تمكين السيسي من إحكام قبضته على كافة أوجه الحياة السياسية في مصر، يتوقع أن يؤدي دخولها حيز التنفيذ إلى تغيير جوهري في شكل ومضمون النظام الحاكم في مصر.

كانت الصيغة الأصلية لدستور 2014، وهي حصيلة خبرة مستمدة من الدروس المستفادة لثورتين متعاقبتين، قد استهدفت تأسيس نظام سياسي يتجنب أهم عيوب وثغرات النظم السابقة واللاحقة على ثورة يناير 2011. فلم تكتف هذه الصيغة بتحديد مدد ولاية رئيس الدولة وتقليص بعض سلطاته وصلاحياته، أو توسيع صلاحيات السلطة التشريعية، أو ضمان استقلال القضاء، وكلها أمور نص عليها دستور 2012، وإنما احتوى دستور 2014 على نصوص إضافية، تحظر التلاعب بفترات الولاية أو تضييق نطاق الحقوق والحريات السياسية والمدنية الممنوحة للمواطنين، وتحرّم قيام أحزاب سياسية على أسس دينية.

غير أن التعديلات الدستورية الأخيرة أسقطت في الواقع معظم هذه الضمانات بالمخالفة لنصوص الدستور نفسه، الأمر الذي يؤدي إلى بطلانها من جميع النواحي السياسية والقانونية والأخلاقية، وأضافت نصوصا أخرى تطيح بمبدأ الفصل بين السلطات، وتعصف باستقلال القضاء، وتركز السلطات كلها في يد حاكم فرد، وتخضع الحياة السياسية لهيمنة وإشراف المؤسسة العسكرية، وبالتالي تجعل من النظام الحاكم نظاما محكم الإغلاق وغير قابل للتحول الديمقراطي.

ولأننا تناولنا بالتحليل من قبل، في سلسلة من المقالات التي نشرت في هذا المكان، فحوى التعديلات الدستورية المقترحة، وتأثيراتها المحتملة على أداء المؤسسات الرسمية، فقد رأينا أنه قد يكون من المفيد تخصيص مقال اليوم لبحث أوضاع المعارضة السياسية في مصر، بعد دخول هذه التعديلات حيز التنفيذ، وما إذا كانت هذه المعارضة قادرة على إعادة تنظيم صفوفها والارتقاء إلى مستوى التحدي الذي تفرضه اللحظة الراهنة، خاصة أنها ما تزال تعاني من تأثير المحن والصدمات العديدة والمتعاقبة، التي تعرضت لها منذ ثورة يناير 2011 وأفقدتها قدرا كبيرا من مصداقيتها ومن قدرتها على التأثير على الأحداث.

وقبل أن ندخل في تفاصيل هذه القضية، دعونا نسلم ابتداء بحقيقة مهمة وهي، أن النظم الديمقراطية الحقة، التي تقوم على التعددية وتحترم فيها الحقوق الفردية والجماعية للمواطنين، هي وحدها القادرة على إفساح المجال أمام مختلف القوى والتيارات السياسية والفكرية للتنافس في ما بينها على أسس متكافئة، ومن ثم تمكين الجميع من مباشرة كافة أنواع الأنشطة التي تستهدف الوصول إلى السلطة بالطرق السلمية، والاحتكام إلى ما تقرره صناديق الاقتراع وحدها، والانصياع لقواعد قانونية واضحة ومحددة ومقبولة، تطبق على الجميع بدون تمييز.

لذا تستطيع الأحزاب والقوى السياسية المختلفة والمتنافسة أن تلجأ إلى كافة الوسائل المتعارف عليها، كالائتلافات والتحالفات الانتخابية والبرلمانية والحكومية، لتحديد مواقعها في مقاعد الحكم أو في صفوف المعارضة.

غير أن مصر لم تعرف طوال تاريخها السياسي المعاصر سوى تجربة «شبه ليبرالية» قصيرة العمر (1924 – 1952)، وهي فترة غير كافية لإنضاج قوى أو قيادات متمرسة في إدارة شؤون السياسة والحكم، وأعقبتها مباشرة فترة طالت لأكثر من نصف قرن (1952-2011) ظل النشاط السياسي والحزبي خلالها، إما محظورا تماما أو مقيدا بشدة. ومن الطبيعي، في سياق كهذا، أن تصاب الأحزاب والحركات السياسية بتشوهات وأمراض مزمنة، تكاد تكون مستعصية، وهي الأمراض التي ظهرت بوضوح خلال فترة الازدهار الفعلي للحياة السياسية التي أعقبت ثورة 2011، والتي لم يزد عمرها عن عامين فقط (2011 – 2013).

ومع ذلك يجب أن ننتبه إلى حقيقة مهمة وهي، أن القيود المفروضة على نشاط الأحزاب والحركات السياسية لم تحل دون حدوث هبات وحركات احتجاجية عديدة، كالحركة الطلابية (1968- 1972)، وانتفاضة الخبز (18- 19 يناير 1977)، انتفاضة الأمن المركزي (1986)، كما لم تحل دون اندلاع ثورات وانتفاضات جماهيرية كبرى ( 25 يناير و30 يونيو).

وتشير الخبرة المستمدة من تاريخ الحياة السياسية في مصر إلى أنه لم يكن بمقدور أي قوة أو حركة أو تيار سياسي أو فكري إحداث تغييرات عميقة في مجرى هذه الحياة بمفرده، وأن التحولات الكبرى في تاريخ الحياة السياسية المصرية، لم تكن ممكنة إلا حين تتوافر أرضية ملائمة للعمل الجماعي أو المشترك، بين القوى السياسية المختلفة، وما أن تبدأ عجلة التغيير في الدوران حتى ينفرط الجمع وتحدث الانتكاسة، وهذا هو الدرس المستفاد من تاريخ الثورات المصرية.

فثورة يناير، على سبيل المثل لا الحصر، لم تندلع فجأة وإنما مهدت لها حركات احتجاجية (كفاية، 6 إبريل، الحملة ضد التوريث، والجمعية الوطنية للتغيير) وهي حركات خرجت من قلب الأطر والأحزاب التقليدية، وتمردت عليها، جمع بينها عداء مشترك لنظام مبارك، ولمشروع التوريث، واستطاعت أن تقيم في ما بينها جسورا للتعاون والحوار، واستحدثت صيغا لهذا التعاون، جمعت بين الإسلاميين والعلمانيين، من ناحية، وبين اليمين واليسار، من ناحية أخرى. غير أن هذه القوى، التي توحدت في مواجهة نظام مبارك، وتمكنت من إسقاط رأسه، عجزت عن الاتفاق على شكل ومضمون النظام البديل، ومهدت لانقسامات وشكوك متبادلة، ما لبثت أن انفجرت في 30 يونيو، والتي نكأت أحداثها جراحا ما تزال حية حتى الآن.

صحيح أن النزعة الاستبدادية المتنامية لنظام السيسي، الذي أطاح بكل القوى التي ساعدته على الوصول إلى السلطة، تخلق الآن أجواء مواتية لاستعادة التلاحم في ما بينها، خاصة بعد التعديلات الدستورية الأخيرة، غير أن الجراح التي خلّفتها أحداث 30 يونيو ما تزال حية وغير قابلة للالتئام. لذا يمكن القول إن قوى المعارضة المصرية كانت وما تزال تعاني من جملة من الأمراض، بعضها مزمن والآخر مستحدث، تجعلها عاجزة عن مواجهة نظام السيسي رغم التراجع الكبير في شعبيته.

كثيرون يستشعرون في اللحظة الراهنة مدى الحاجة لمد جسور الحوار بين القوى المعارضة لنظام وسياسات السيسي. وقد طرحت أفكار ومبادرات كثيرة من أجل تحقيق هذا الهدف، كان آخرها ما طرحه الدكتور أيمن نور قبل أيام، حين نشر قائمة باسماء 100 شخصية تضم كل ألوان الطيف السياسي والفكري في مصر، ودعاها للدخول في حوار في ما بينها. غير أن ردود الفعل على هذه المبادرة، التي اتسم بعضها بالعنف وعدم اللياقة، تكشف عن وجود معضلتين ما زالتا تعترضان طريق الحوار:

الأولى: معضلة العلاقة بين التيارين الإسلامي والعلماني: فالتيار الإسلامي، خاصة الفصيل الإخواني منه، يرى إن ما حدث في 30 يونيو كان انقلابا عسكريا ضد رئيس منتخب، ما يزال هو الرئيس الشرعي للبلاد، ويتهم التيار العلماني بمساندته لهذا الانقلاب وقيامه بتوفير غطاء شعبي وجماهيري، ما كان له أن ينجح بدونه، وبالتالي يعتبره شريكا في المسؤولية عما ارتكبه نظام السيسي من مجازر وجرائم.

في المقابل، يرى التيار العلماني أن جماعة الإخوان هي التي سارعت بالهرولة للتفاوض مع المؤسسة العسكرية، حتى قبل سقوط مبارك، وبالتالي هي التي خانت الثورة، ووجهت لها طعنات من الخلف، حيث كانت أول من ترك الميدان وسعى لاقتسام السلطة مع المؤسسة العسكرية. كما يرى هذا التيار أن الدكتور مرسي لم يتمكن من الفوز بالمقعد الرئاسي إلا بأصوات العلمانيين الذين تنكر لهم بعد فوزه وقام بتهميشهم وأصر على أخونة الدولة، إلخ.

ثانيا: معظم الرموز التي تعارض سياسات النظام من الداخل، والتي تقلصت أعدادها الآن كثيرا على أي حال، تخشى من أن تتهم «بالاستقواء بالخارج» أو «بالعمل لحساب جماعة الإخوان»، الأمر الذي يدفعها للحذر الشديد من التواصل مع «معارضة الخارج». في المقابل لا تدرك بعض أوساط المعارضة في الخارج حجم الضغوط التي يتعرض لها معارضو الداخل، التي ينظر إليها في بعض الأحيان على أنها معارضة «شكلية» أو مرضي عنها، أو حتى «عميلة» للنظام. ومن الطبيعي، في ظل أجواء ملغومة كهذه، أن تتحول كل محاولة لمد جسور التفاهم والحوار بين الداخل والخارج مغامرة غير مأمونة العواقب.

ولأن هامش المساحة المتبقية أصبح محدودا جدا، أود أن أخلص إلى أن «حوار الطرشان» ما زال يشكل السمة الغالبة على العلاقة بين فصائل المعارضة المصرية على اختلاف ألوانها، إسلامية كانت أم علمانية، تعمل من الداخل أم من الخارج. فالاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخرين وتحميلهم وحدهم مسؤولية ما جرى، هو محاولة للهروب من مواجهة النفس والقيام بنقد ذاتي، أظن أن الجميع بات في أمس الحاجة إليه.

وما لم يتخلص كل فصيل من أوهامه ويخرج من خندقه فسوف يتواصل التناحر إلى الأبد، وقد يفضي إلى نوع من الانتحار الجماعي، لن يصب إلا في مصلحة النظام القمعي، لذا أظن أنه حان وقت التخلص من كل الأوهام: فلو كان بمقدور الإسلاميين أن يشعلوا الثورة وحدهم، وأن يخلصوا رئيسهم الأسير أو «الشرعي» لفعلوا ذلك دونما انتظار لمساندة من أحد. ولو كان بمقدور العلمانيين، في المقابل، إقامة دولة مدنية ديمقراطية بدون مساندة الآخرين، فإلى متى ينتظرون.

لا مفر إذن من الحوار بين الجميع: إسلاميين كانوا أم علمانيين، في الداخل يقيمون أم في الخارج، فالكل مضطهد ومقموع. إقامة «الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة» تسبق إقامة الدولة «الإسلامية» أو «الاشتراكية» أو «الرأسمالية»، ويجب ان يكون قضية ومهمة كل المصريين.