الناخب الفضائي

بقلم ياسر عبد العزيز

 

في عراق ما بعد الاحتلال الأمريكي، حيث اللا دولة وتغول الفساد في مفاصلها، وبلوغ النظام الإداري قاع الترهل والانحطاط، وتحكم أنصاف الرجال في أمور الناس، وتفشي الرشا والمحسوبية، وعودة الدولة إلى نواتها الأولى وتحصن الفرد بعشيرته، ودفع كل عشيرة بأبنائها لأخذ مكان في السلطة، كواسطة يحتمون بها وقت الأزمات، ظهر ما يسمى بالموظف الفضائي، وهو مصطلح استخدمه أهل العراق دلالة على التعيينات في الوظائف الحكومية وصرف المرتبات، بأسماء وهمية، لا تقدم أي مهمة أو وظيفة، مع ذلك فالموظف الفضائي يقبض راتبه بل ويترقى في وظيفته ويزداد راتبه دون أن يكون موجود، هذه الظاهرة زادت بشكل كبير في الفترة الأخيرة حتى قيل إن أعداد الموظفين الفضائيين في حكومة العبادي وصلت إلى مئات الآلاف.

وفي مصر أم الدنيا والعجائب، أعلنت الهيئة العليا للانتخابات نتيجة الاستفتاء على التعديلات أو التعديات الدستورية، والتي ترسخ حكم الفرد وتنهي آمال الشعب المصري في الديمقراطية التي نادى بها في ثورة الخامس والعشرين من يناير، بظنهم، فتلك التعديلات التي تجعل السلطات الثلاثة بيد وزير الدفاع المنقلب على إرادة الشعب، وتمد من فترة الدكتاتور إلى عام 2030 -تفضلا- بعد أن كان ترزية القوانين قد فصلوا فترة حكمه إلى 2034، وهي مدة ليست بالقليلة لإنجاز مهمته بالقضاء على الدولة المصرية الحديثة وإرجاعها خاضعة لغياهب عصور ما قبل الحداثة.

والعجيب في أم الدنيا أن تعلن الهيئة العليا للانتخابات أن 88.83 % من الذين حضروا الاستفتاء صوتوا بنعم لتلك التعديات الدستورية، وهو ما خالف ما التقطته عدسات بعض من حضروا فرز الأصوات، والتي جاءت على استحياء، حيث منعتالسلطات الكاميرات من تصوير ليس فقط الفرز بل حتى اللجان لكي لا تثبت على نفسها، كما أثبتت من قبل كذبها وفراغ اللجان، ولا ينسى الناس صرخات أبواقهم من الإعلاميين للشعب أن انزلوا وأملؤا اللجان، لكن اللجنة العليا للانتخابات، وعلى الرغم من الإقبال منقطع الجماهير قررت أن 28 مليون ناخب صوتوا في هذا الاستفتاء، وبالتعبير العراقي ، 28 مليون فضائي صوتوا في الاستفتاء.

على الرغم من المهازل التي اتبعها النظام وأجهزته الإدارية والتنفيذية وشرطته، فالأولى أمرت موظفيها بالذهاب للاستفتاء والتصويت بنعم، وكذا حبست الحصة التموينية عن الشعب الفقير حتى يصوتوا ويأتوا على قمصانهم بدم كذب، أما الشرطة فقد اختطفت المواطنين من المواصلات العامة وطلاب المدارس من مدارسهم وحشرتهم في حافلات للحشد والتصويت بـ”نعم” في مشاهد نقلها المواطن بهاتفه الذي يؤدي دورا سيذكره التاريخ، والذي اقض مضاجع الظالمين الذين لو استطاعوا منع بيعه لفعلوا، لكن بعض سادتهم يقتاتون من بيعه ويتربحون من تجارته، والكل مستفيد، فالمواطن سجل ما لم تسجله الصحافة التي حرمت من أداء مهامها، في شكل آخر من أشكال الدكتاتورية المتجلية في حكم هذا النظام الانقلابي السلطوي البوليسي، ومع كل هذه الانتهاكات والقهر لم يحقق النظام المطلوب وعاقبه الشعب بشكل يظهر وعيه، وهو الرهان الذي نراهن عليه طوال الوقت، فالنظام يستطيع أن يخدع بعض الوقت، لكنه لن يستطيع أن يخفي الحقيقة طوال الوقت.

إن كذبة إبريل أو استفتاءه قد نفع مصر كثيرا، بقدر ما أضرها، أما الضرر فهو واضح بترسيخ حكم العسكر بتغوله على السلطات الثلاث، لكنه مع ذلك قد نفعها، بإيقاظ كل من خُدع بهذا الحكم الانقلابي المجرم، الذي داس على إرادة الشعب وهدم كل ما بنته ثورة يناير، وسلب كل ما منحته من حقوق.

وعلينا الآن أن نستفيد من تلك الفاصلة التاريخية ونبني عليها، ونمد جسور الثقة ونعفو عما مضى ونتحلى بفضيلة قبول الآخر ونمد أيدينا، والكلام هنا للكل، فهناك من يرى انه ظلم، وعلم الآن انه أخطأ حين استحوذ ولم يحتوي الآخر، وهناك من يرى أنه مخلص أراد إنقاذ البلد، إلا أنه أيقن الآن أنه كالدب الذي أحب صاحبه فقتله، الآن الكل أدرك أنعليه واجبا نحو الآخر، عليه أن يتراجع خطوة لمصلحة هذا الوطن المختطف، ويستمد من ثورتي الجزائر والسودان الأمل، فرسائل السماء لا تنقطع وعلى اللبيب أن يقرأها ويعمل بها كي تهبه السماء العون، فالحق قطع على نفسه عهد أن ينصر أهل الحق.