كحك ما بعد العيد

بقلم د حازم حسني

 

يقول المثل الشعبى فى مصر : “بعد العيد ما ينفتلش كحك” ! … ظل هذا المثل يلازمنى طيلة الأيام الماضية منذ بدأ الحديث عن مؤامرة اغتيال الحياة الدستورية فى مصر، بل واغتيال النظام الجمهورى نفسه بعد أن صار شعاراً لنظام حكم لا علاقة له بقيم ومؤسسات الجمهورية … فقد تصارع داخلى طوال هذه الأيام التى انقضت موقفان، أولهما أن أشتبك بشراسة مع هذه المؤامرة، ومع عرابيها وسدنة معابدها المدنسة، وثانيهما أن أكتفى بتسجيل موقفى مرجئاً الاشتباك مع المؤامرة ومع عناصرها إلى ما بعد الاستفتاء على اغتيال الدستور واغتصاب الجمهورية، متحدياً فى هذا الموقف الأخير رأى كل من يرون أنه لا يُفتَل بعد انقضاء أيام العيد كحك !

استقر الرأى عندى على أن أتبنى الموقف الثانى، فأى اشتباك مع أطراف المؤامرة لم يكن ليجد أى أذن صاغية لدى من بيتوا النية – منذ حديث “النوايا الحسنة” – على التمكين لنواياهم السيئة؛ فاكتفيت بتسجيل موقفى الرافض لهذا العبث الدستورى، متجاهلاً إلى حين كل العابثين الذين ما انفكوا يتجاهلون من جانبهم كل صاحب رأى معارض أو مستقل، بل وحولوه إلى مجرد صارخ فى البرية، ومطلوب إرضاءً لسالومى – التى تطلب مهر رقصتها الماجنة – أن يأتيها على طبق من فضة رأس من ردد فى العلن أن زواج هيرودس من هيروديا باطل !!

ساعدنى على اتخاذ القرار أن الدستور لم يعد بالنسبة لى هو القضية – بألف لام التعريف – فقضية الدستور لا تهم إلا عندما يكون الدستور هو المرجعية : عند تنظيم بنية الدولة، وعند استيلاد التشريعات والقوانين، وعند تعيين الحقوق والواجبات، وعند تحديد مسارات العملية السياسية بالمفهوم الواسع لكلمة السياسة … لكن السيسى لم يعد يحكم دولة، وإن رفع راياتها وهتف باسمها، ولا هو عاد يقيم وزناً لتشريع أو قانون يهذب نزواته ويقيد إرادته، ولا هو يحترم حقوق الأمة وسيادتها، ولا هو يقر بضوابط تحكم صلاحيات الحاكم وترسم له حدوداً لا يتجاوزها، ولا هو يعترف بالسياسة أصلاً كى تتقدم قضية الدستور على ما عداها من قضايا وجودية ضاعت فى الزحام !!

باختصار، فإن الدستور لا قيمة له إذا لم يكن حاضراً عند البحث عن حلول سياسية أو تشريعية لقضايا الأمة، وإذا لم تكن ثمة أمة تدافع عن دستورها وتدفع عنه أذى المتربصين به وبها، وكلا الشرطين غائب عن المشهد المصرى حتى إشعار آخر؛ فقد رأينا حال التشريع واحترام أحكام القضاء عندما فرط النظام فى الجزيرتين، كما رأينا حال السياسة التى اغتالها السيسى فعلياً مع الانتخابات الرئاسية التى جرت سنة 2018، وأخيراً رأينا كيف هى مصابة الأمة بالعجز بعد سنوات، بل بعد عقود وقرون، من الاستباحة لكل مقومات وجودها فيما استدبرته من تاريخها، وفيما تعايشه من حاضرها، وفيما يخايلها ويخادعها من أضغاث المستقبل !

الآن وقد انفض المولد، وانتهت أفراح العيد الذى احتفلوا به رقصاً وغناءً وبذلاً لهدايا مهينة تبادلوها فيما بينهم، ربما جاء الوقت لكى نبدأ فى فتل “كحك ما بعد العيد”، فله فى مثل هذه الأحوال مذاق خاص لم يكن يناسب ما مضى من أيام العيد، ولا هو كان يناسبه صخب يدعونا للتساؤل مع المتنبى عما جاء به عيدهم من أحوال ليس فيها تجديد، فالحُرُّ فيه يبدو مستعبَداً، والعبد فيه يحسبونه معبوداً ! … فعفواً إن كنت سأبدأ فى فتل “كحكاتى” بعد أن انقضت أيام العيد؛ فلكلٍّ منا عيده، ولكل عيد ما يناسبه من “الكحك” !!

(نقلا عن صفحته)