بـاطـــل

بقلم : ياسر عبد العزيز

بعد أن نقض بنو قريظة العهد مع المسلمين أمر النبي – صلى الله عليه وسلم- الصحابة أن يهبوا لتأديبهم قائلا: (لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة) ، وقد كانت صلاة العصر قد اقتربت، لكن أمر القائد واضح ولا نقاش فيه ولا اختلاف عليه، وهنا أختلف الجيش، فريق رأى أن الأمر جاء على محمل الحث على السرعة، فرأوا أن يصلوا ثم يخرجوا، وفريق رأى أن يتحركوا ويقصروا في الصلاة أثناء السير، وفريق ثالث رأى الأمر صريح ولا يجوز تأويله، وأن الصلاة يجب أن تكون في بني قريظة.

هذا اجتهاد الناس، لكن الأجمل عدم إنكار النبي على أحد فيما اجتهد، ولم يخوّن أحدا، ولم يتهم أي فريق الآخر بالخيانة أو التخاذل أو بيع القضية أو الهرب من المعركة، فالكل عرف الهدف والكل سعى إليه ليحققه، وإن اختلف الفهم أو تغيرت الوسائل، فوضوح الرؤية تؤدي بالنتيجة إلى إصابة الهدف، والشراكة في العمل تحتاج المرونة، والنجاح يحتاج  التنوع.

تقول الحكمة الصينية: (على من يقول أنه شيء مستحيل الحدوث ألا يقاطع من يعمل على تحقيقه)، فحين تقرر عمل الجديد وتغيير التقليدي، ستجد كثيرين يؤكدون لك على استحالة ما تحاول تحقيقه وعبث ما تطرح من أفكار، وهنا تحث الحكمة على عدم الالتفات لمن يعطلك واستمر في طريقك وأعمل على تغيير هذا العالم إلى الأفضل، فكل عمل عظيم يبدأ بفكرة يراها البعض لا تصلح لكنها تغيير العالم، لكن العبرة أيضا من تلك الحكمة هي ألا تكون من هؤلاء الذين يقفون حجر عثرة أمام أي فكرة، وليكن لك مشروعك الموازي، فالعالم يتسع لمشاريع عدة، ويمكن أن يحقق الهدف أكثر من شريك.

حملة باطل التي أطلقها نشطاء مصريون رفضا للتعديلات الدستورية، التي وافق عليها برلمان النظام وحددت اللجنة العليا للانتخابات موعدا السبت القادم للاستفتاء عليه، وكأنه عروسا فقدت عذريتها ويريد أهلها أن يسترون على فضيحتها بتزويجها لمن وقع بها في أسرع وقت، هذه الحملة التي سببت صداعا للنظام وجعلته يغلق ما يزيد عن الــ 34 ألف موقع إلكتروني خلال الأيام الماضية بحسب شبكة “نت بلوكس” الدولية المتخصصة في مراقبة حرية تداول المعلومات عبر الانترنت، فالحملة استطاعت أن تجمع ما يزيد عن الــ 60 ألف توقيع خلال ساعة فقط من انطلاقها(تجاوزت 400 ألف لحظة كتابة هذا المقال)، وهو وما يعني أن الحملة نجحت إلى حد بعيد في إثبات موقف شعبي من هذه التعديلات التي يجريها النظام من أجل تثبيت أركانه المهترئة بشكل قانوني، بعد أن صنعها بجماجم الأبرياء السلميين ولا يزال.

الحملة شكل جديد لم تجربه المقاومة السلمية خلال السنوات الماضية، فالمقاطعة كانت ديدن المعارضة في الاستحقاقات الماضية، فهذه الفئة ترى أن النظام أقصى أمانيه أن يصور اللجان ملأى ليقول للعالم إن له شعبية، وهو حلم يعرف النظام أنه لن يناله، ويصور للعالم أن الشعب قبل بالوضع وانصاع للنظام، وأن المقاومة السلمية إنما هي ضرب من ضروب الدونكيشوتية، وأن المقاومة السلمية لا تمثل إلا فئة صغيرة وشرذمة قليلة، لا تعبر بحال من الأحوال عن الواقع الفعلي للشارع المصري.

لذا يرى البعض أن النزول بملابس سوداء أو الوقوف في طوابير الاستفتاء وإبداء الرفض للتعديلات هو تمكين النظام مما يريد، في حين يراه القائمون على حملة باطل فرصة لإظهار حقيقة شعبية النظام في الشارع، وفرصة لجعل يوم الاستفتاء، استفتاء حقيقيا على النظام لإسقاطه رمزيا، فالتصويت بـ”لا” هو هزيمة للنظام سيتلقاها مستسلما فاقدا أداته الإستراتيجية، المتمثلة بـ “القمع الأمني”، إذ أن النظام لا يستطيع أن يقمع الواقفين أمام اللجان، لأنه يريد أن يجمل وجهه بهم.

وفي المقابل يرى المقاطعون أن النظام يستطيع من خلال موظفي الحكومة الذين سيجبرون على الإدلاء بأصواتهم، بعد أن صدرت الأوامر بإحالة من يتخلف منهم عن التصويت للتحقيق، كما أن الفكرة الخسيسة التي استغل فيها النظام عوز الشعب الفقير لضمان تواجد قوي أمام اللجان، ستوفر له ما يريد، إذ قررت وزارة التموين عدم صرف الحصة التموينية إلا بعد إثبات صاحب الحصة أنه أدلى بصوته، وهو ما يعني أن النظام استطاع بشكل أو بآخر أن يحصل ما يريد من حشد أمام مقار الاستفتاء؛ لذا فلا داعي لإظهار الأعداد أكبر مما يستطيع أن يحشده النظام، وسواء أصاب هذا الفريق أو أصاب الآخر، فإن العبرة من هذه التجربة ألا ننكر على الآخر،ونتمسك بفضيلة عدم الإنكار على الآخر، لاسيما وأن الهدف واحد والبوصلة بدأت تتجه نحو الهدف جامعة كل أطياف المجتمع، ويبقى فقط أن يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، ونجتمع فيما اتفقنا عليه، وما اتفقنا عليه هو إنقاذ مصر من هذا النظام الباطل